سينما

“المومياء”: تحفة شادي عبد السلام المحفورة في تاريخ السينما العربية ( ملخص)

يُعتبر فيلم “المومياء” أو “يوم أن تُحصى السنين”، الذي أُنتج عام 1969، تحفة سينمائية مصرية خالدة،

وشاهدًا على عبقرية مخرجه الفذ شادي عبد السلام.

المومياء كان الفيلم الروائي الطويل الوحيد في مسيرة مخرجه، لا يزال يُصنف كواحد من أفضل ما أُنتج في تاريخ السينما العربية، رغم أنه لم يحظ بالشهرة التي يستحقها عند عرضه الأول.

الفيلم يروي قصة صراع داخلي عميق ومركب.

فبعد وفاة شيخ قبيلة “الحرايبات”، التي اشتهرت بسرقة وبيع الآثار،

يواجه ابنه “ونيس” قرارًا مصيريًا بالتمرد على تقاليد القبيلة التي تتاجر بماضي أجدادها.

يتصاعد الصراع بين ونيس الذي يرفض المساس بحرمة الموتى، وعمه وكبار القبيلة الذين يرون في هذا العمل مصدر رزقهم،

ما يدفع ونيس إلى التضحية بكل شيء من أجل إنقاذ تاريخه.

المومياء
المخرج المصري شادي عبدالسلام

القصة الحقيقية لفيلم المومياء

على الرغم من أن قصة فيلم المومياء تبدو خيالية، إلا أن القصة مستوحاة من قصة حقيقية تعود إلى عام 1871، وتتعلق بـ “عائلة عبد الرسول” في منطقة الدير البحري بالأقصر.

اكتشفت هذه العائلة مقبرة سرية تضم عددًا كبيرًا من المومياوات الملكية، من بينها مومياوات لملوك بارزين مثل تحتمس الثالث وسيتي الأول.

احتفظت العائلة بسر المقبرة لسنوات، وبدأت في بيع القطع الأثرية تدريجيًا.

 أدى ذلك إلى فتح تحقيق واسع النطاق، كُشف على إثره عن المقبرة السرية في عام 1881، وتم تقديم العائلة للعدالة.

وقد استلهم المخرج شادي عبد السلام من هذه الواقعة أحداث فيلمه “المومياء” الذي أُنتج عام 1969،

لكنه حوّل القصة إلى حكاية رمزية عميقة تتناول الصراع بين الحفاظ على التاريخ وإغراءات التجارة غير المشروعة للآثار.

شخصيات فيلم المومياء

ونيس: الشخصية الرئيسية في الفيلم، يلعبه الممثل أحمد مرعي.

هو الشاب الذي ينتمي إلى قبيلة “الحربات” التي تعتاش على سرقة الآثار، ويجد نفسه في صراع داخلي بين الولاء لعائلته وواجبه تجاه وطنه وحضارته.

زينة: ضيفة الشرف في الفيلم، تلعب دورها الممثلة نادية لطفي.

الأم: تلعب دورها الممثلة زوزو حمدي الحكيم.

الأخ: يلعبه الممثل أحمد حجازي.

العم: يلعبه الممثل عبد المنعم أبو الفتوح.

العم الثاني: يلعبه الممثل عبد العظيم عبد الحق.

كمال (مفتش الآثار)): يلعبه الممثل محمد خيري.

بالإضافة إلى هؤلاء، يضم الفيلم شخصيات أخرى مثل تجار الآثار “أيوب” و”مراد” و”الغريب”، وأفراد من عائلة ونيس، ورجال الآثار “البدوي بك” و”ماسبيرو”.

ملخص فيلم المومياء

تبدأ أحداث الفيلم بوفاة شيخ قبيلة “الحرايبات” في الصعيد، وهي قبيلة اشتهرت على مر السنين بسرقة الآثار وبيعها.

بعد جنازته، يكشف العم لابني الشيخ الراحل، ونيس وأخيه، عن سر العائلة ومصدر ثروتها: مقبرة سرية مليئة بالمومياوات الملكية وكنوز أثرية لا تقدر بثمن.

يأخذهم العم إلى المقبرة ليعلن أن دورهم الآن هو أن يتابعوا مسيرة أبيهم في قيادة القبيلة وبيع ما فيها من كنوز.

بينما يتقبل الأخ الأكبر فكرة التجارة الجديدة، يصدم “ونيس” بما يراه.

يشعر بالضياع والصدمة، ويدخل في صراع داخلي عنيف.

 بالنسبة له، الأمر ليس مجرد تجارة ، بل هو خيانة لكرامة الأجداد، وتدمير لتاريخهم.

التمرد والانعزال

بعد أن يكسر أخوه إحدى المومياوات لسرقة قلادة ذهبية، يهرع “ونيس” إلى قبر والده،

يحدق فيه بعتاب وصدمة، غير مصدق أن أباه كان يشارك في هذا العمل.

 يعجز عن تقبل فكرة التجارة بالمومياوات، ويرفض الاستمرار في هذا الطريق، ما يجعله منعزلاً وغريبًا في قبيلته.

تتصاعد الأحداث المأساوية عندما يقتل العم أحد الأخوين بعد أن يهدده بفضح سرهم، ليظل “ونيس” وحيدًا في مواجهة القبيلة بأسرها.

في هذه الأثناء، يصل إلى المنطقة مفتش الآثار أحمد كمال برفقة ضباط الشرطة،

للبحث عن مصدر القطع الأثرية التي تباع في السوق السوداء.

يتعرف “ونيس” على أحمد كمال، ويجد في هذا الغريب الصالح أملًا في إنهاء الدائرة الشريرة التي تعيش فيها قبيلته.

بعد صراع داخلي مرير، يقرر “ونيس” اتخاذ خطوة مصيرية: يذهب ليقابل المفتش، ويقوده إلى المقبرة السرية.

رحيل المومياوات

يقود “ونيس” فريق الآثار إلى المقبرة، ويكشف لهم عن كنوزها.

يعمل الفريق على نقل المومياوات والتوابيت إلى مركب في الفجر، وسط مراقبة من أهل القبيلة.

يشير الفيلم إلى أن بعض الشباب في القبيلة قد بدأوا يغيرون نظرتهم للأمر، ربما متأثرين بقرار “ونيس”.

وفي مشهد أخير مؤثر، تقف المراكب محملة بالمومياوات، وتغادر المنطقة، تاركة “ونيس” وحيدًا على الشاطئ.

مصيره يظل مجهولًا، لكن قراره الشجاع كان بمثابة يوم الحساب الذي يغير مصير القبيلة بأكملها،

ويحرر المومياوات من ظلمة السرقة، ليراها العالم أجمع.

“ونيس” يكسر تقاليد القبيلة الجامدة، ليُعيد الحياة لتاريخ أجداده،

ويؤكد أن الهوية الحقيقية هي التي يصنعها الإنسان بقراره، لا التي يرثها عن عادات فاسدة.

المومياء
فيلم المومياء المصري أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما العربية

بصمات إخراجية خالدة: بين البصر والموسيقى

كان شادي عبد السلام، الذي بدأ حياته المهنية كمصمم ديكورات وملابس، صاحب رؤية بصرية فريدة من نوعها.

وقد تجلت هذه الرؤية في كل لقطة من الفيلم، الذي أبدع فيه مدير التصوير عبد العزيز فهمي،

ما يمكن وصفه بـ “الملحمة البصرية” في تاريخ السينما العربية.

اعتمد الفيلم على لغة بصرية غنية بالرموز، حيث لم يكن الظلام الكثيف مجرد انعكاس لزمن الفيلم،

بل كان رمزًا لسرية أعمال القبيلة، ولحالة “ونيس” النفسية الذي يعيش وحيدًا في الظل.

 كما تميز الفيلم بجماليات التكوين، خاصةً “السيمتري” أو التوازن بين جانبي الشاشة،

وهي تقنية أضفت على المشاهد عمقًا ورهبة، وأبرزت الصراعات الداخلية للشخصيات.

أما الموسيقى التصويرية التي ألفها الموسيقار الإيطالي ماريو ناشمبيني، فكانت عنصرًا مكملاً للسرد البصري.

استخدمها المخرج ببراعة لتكون خلفية داعمة للمشاهد دون أن تطغى عليها،

مما جعلها “مخفية” لكنها فعالة جدًا في إثراء الحالة الدرامية.

رسالة الفيلم الخالدة

فيلم “المومياء” ليس مجرد قصة عن سرقة الآثار، بل هو تأمل عميق في قضايا الهوية، والكرامة، والولاء.

القصة مستوحاة من أحداث حقيقية تتعلق بأسرة “عبد الرسول” في الدير البحري عام 1871، لكن شادي عبد السلام حولها إلى حكاية رمزية خالدة.

شخصية “ونيس” هي المحور الذي تدور حوله الأحداث، فهو يمثل الفرد الذي يختار التضحية بحاضره من أجل ماضيه ومستقبله.

اسم “المومياء” نفسه يرمز للماضي والهوية التي تحاربها القبيلة من أجل الربح المادي.

 فيما يشير عنوان الفيلم الفرعي “يوم أن تُحصى السنين” إلى يوم الحساب الذي تتغير فيه حياة الجميع.

ويطرح الفيلم سؤالاً جوهريًا حول الولاء: هل الولاء المطلق للعائلة أو القبيلة مبرر، حتى لو كان على حساب القيم والمبادئ؟

 من خلال شخصية ونيس، يوجه الفيلم رسالة قوية بأن التضحية بالراحة المادية من أجل إنقاذ الكرامة يمكن أن يخلق مستقبلاً مختلفًا.

نجاح متأخر وتقدير عالمي

على الرغم من أن “المومياء” لم يحقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا عند عرضه الأول، إلا أنه نال إجماع النقاد في مصر والعالم.

 فصُنف الفيلم ضمن قائمة أفضل 100 فيلم مصري، واختاره مهرجان دبي السينمائي الدولي عام 2013 كأفضل فيلم عربي على الإطلاق.

تم ترميم الفيلم لاحقًا ضمن مشروع “World Cinema Project” بإشراف المخرج العالمي مارتن سكورسيزي، الذي أثنى عليه واعتبره من كنوز التراث السينمائي العالمي.

 ورغم أن الأكاديمية الأمريكية للفنون وعلوم الصور المتحركة “الأوسكار” رفضت ترشيح الفيلم في عام 1971 لأسباب غير معلنة، إلا أن بصمته الفنية ظلت خالدة،

 لتثبت أن قيمة الفن الحقيقية لا تقاس بالنجاح التجاري الفوري، بل بتأثيره العميق وديمومة رسالته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى