لماذا تُضطر مصر إلى استيراد الغاز الإسرائيلي؟

في وقتٍ تتصاعد فيه حدة الخطاب السياسي المصري تجاه إسرائيل، وتحديداً تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخير،
الذي اتهم فيه تل أبيب بالإبادة الجماعية في غزة،
جاء الإعلان عن إبرام أكبر صفقة لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر ليفاجئ الأوساط السياسية والشعبية في البلاد.
هذه الصفقة التي احتفت بها إسرائيل ووصفها وزير طاقتها بـ “التاريخية”، قوبلت بصمتٍ رسمي مصري،
ما دفع الخبراء وجمهور منصات التواصل الاجتماعي إلى التساؤل حول دوافعها وتداعياتها،
وأثار الشكوك حول الأسباب الحقيقية وراء إبرامها.
فلماذا تضطر مصر استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل ، وما علاقة ذلك بالاتفاقات السابقة بين البلدين ؟
تفاصيل الصفقة
وقعت مصر وإسرائيل مؤخرًا اتفاقية لتصديرالغاز الطبيعي، وُصفت بأنها “الأكبر في تاريخ” إسرائيل،
بهدف تعزيز إمدادات الطاقة في المنطقة وتلبية احتياجات مصر المتزايدة.
تبلغ قيمة الصفقة حوالي 35 مليار دولار أمريكي، وتتضمن تصدير حوالي 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من حقل “ليفياثان” الإسرائيلي إلى مصر.
من المقرر أن يستمر توريد الغاز بموجب هذه الصفقة حتى عام 2040، أو حتى يتم استيفاء الكميات المتعاقد عليها بالكامل.
تنقسم الصفقة إلى مرحلتين للتوريد، المرحلة الأولىتبدأ في أوائل عام 2026،
وسيتم خلالها توريد 20 مليار متر مكعب من الغاز.
بينما تبدأالمرحلة الثانية، بعد استكمال مشروع توسعة حقل ليفياثان وإنشاء خط أنابيب جديد لنقل الغاز من إسرائيل إلى مصر،
وستشمل توريد 110 مليارات متر مكعب المتبقية.
يتم استخراج الغاز من حقل ليفياثان في البحر المتوسط، وهو حقل تملكه وتديره مجموعة من الشركات من ضمنها شركة “نيوميد إنرجي” الإسرائيلية.
يُحدد سعر الغاز في هذه الصفقة وفقًا لصيغة تسعير مرتبطة بشكل أساسي بأسعار خام برنت.
وتشير بعض التقارير إلى أن السعر الجديد أعلى من سعر الاتفاقية السابقة.
نظرة إسرائيل للصفقة
في الوقت الذي التزمت فيه مصر الصمت عن الصفقة، احتفت الحكومة الإسرائيلية بها،
واعتبرتها إنجازا استراتيجيا على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
وصف وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين صفقة الغاز الأخيرة مع مصر بـ “الأكبر في تاريخ إسرائيل”.
وأكد كوهين أن هذه الصفقة هي الأضخم في تاريخ بلاده، من حيث القيمة والكمية،
مما يعكس أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية.
قال كوهين إن الصفقة تمثل “إنجازًا مهمًا على الصُعد الأمنية والسياسية والاقتصادية”.
صرح بأن الاتفاق يعزز مكانة إسرائيل كقوة إقليمية رائدة في مجال الطاقة، تعتمد عليها دول الجوار في تلبية احتياجاتها.
أشار إلى أن الصفقة ستعود بـ “مليارات الدولارات” على خزينة الدولة،
وستساهم في خلق فرص عمل وتعزيز الاقتصاد الإسرائيلي.
من جانبها أكدت شركة “نيوميد إنرجي” المشغلة لحقل ليفياثان، وبدعم من تصريحات الوزير،
أن الصفقة ستضمن استمرار إنتاج الغاز وتلبية احتياجات السوق المحلي والإقليمي حتى عام 2064.
أما عن الجانب المصري فلم يدلي أي مسئول حكومي بتصريح علني عن الصفقة ،
و أكد مسؤولون في قطاع البترول رفض وا ذكر أسمائهم أن مصر تعمل على تنويع مصادر الغاز، وأنها ليست معتمدة على مصدر واحد فقط، وهذا يظهر من خلال اتفاقيات أخرى مع دول مثل قطر وروسيا.
وأكدت المصادر أن الصفقة الأخيرة ، ما هي إلا مجرد تعديلات على الاتفاقية السابقة الموقعة في عام 2018،
وأن الهدف الرئيسي للصفقة هو ضمان تلبية الاحتياجات المتزايدة لمصر من الغاز الطبيعي،
خصوصًا في ظل أزمة انقطاع الكهرباء وتزايد الاستهلاك المحلي.
لماذا تضطر مصر استيراد الغاز من إسرائيل؟
أكدت بعض المصادر أن مصر تستورد الغاز الإسرائيلي في إطار صفقة تتضمن تعويضًا ماليًا لإسرائيل،
بسبب توقف مصر عن تصدير الغاز إليها في عام 2012.
وأشارت المصادرإلى أن هناك بالفعل علاقة بين صفقة الغاز الأخيرة والتعويضات المالية التي وقعت على مصر بعد توقفها عن توريد الغاز لإسرائيل في 2012 .
كانت مصر قد وقعت اتفاقية مع إسرائيل في عام 2005، لتصدير الغاز الطبيعي لمدة 20 عامًا.
وبعد ثورة 25 يناير 2011، توقفت إمدادات الغاز بسبب تكرار الهجمات على خط الأنابيب في سيناء من جانب الجماعات الإرهابية،
التي نشطت في المنطقة بعد الثورة .
في عام 2012، أعلنت مصر رسميًا إلغاء الاتفاقية بسبب “خلافات تجارية” وعدم التزام الجانب الإسرائيلي بالأسعار المتفق عليها.
أدى ذلك إلى أن إسرائيل لجأت إلى رفع دعوى تحكيم دولي ضد مصر.
وفي في عام 2015، أصدرت غرفة التجارة الدولية في جنيف حكمًا يلزم الهيئة العامة للبترول والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) بدفع تعويضات لشركة الكهرباء الإسرائيلية بقيمة 1.76 مليار دولار.
بعد صدور الحكم لصالح إسرائيل، بدأت مفاوضات بين الجانبين للتوصل إلى تسوية في عام 2019،
اتفاق تسوية
وتوصل الحكومتين المصرية والإسرائيلية إلى اتفاق تسوية ، تم بموجبه تخفيض مبلغ التعويض إلى 500 مليون دولار،
على أن يتم سداده على مدار 8 سنوات.
ويعتقد ىعلى نطاق واسع أن الصفقة الجديدة،
التي تم الإعلان عنها مؤخرًا، والتي تضمنت استيراد الغاز الإسرائيلي،
كانت جزءًا من هذه التسوية الأوسع.
وقد أشارت بعض المصادر إلى أن أحد الأسباب الرئيسية وراء موافقة مصر على استيراد الغاز الإسرائيلي كان تسوية قضايا التحكيم الدولي.
ومن هذا المنطلق فإن استئناف التعاون في مجال الغاز بين مصر وإسرائيل،
ارتبط بشكل أساسي بتسوية قضية التحكيم التي نجمت عن وقف مصر لتصدير الغاز في عام 2012.