سينما

“المريض الإنجليزي”: حين تصبح الذاكرة خريطة للروح وشاهدًا على أطلال الحب والحرب “تحليل”

قلة هي الأفلام التي استطاعت أن توثق التقاطع المسكون بين الحب والذاكرة والحرب بنفس الغنائية التي قدمها فيلم “المريض الإنجليزي” (The English Patient).

هذا الفيلم، الذي أخرجه أنتوني مينغيلا والمقتبس عن رواية مايكل أونداتجي، ليس مجرد ملحمة تاريخية، بل هو “أطلال عاطفية” وقصة حب محرم تشتعل وسط وحشة الحرب العالمية الثانية.

 ماهي قصة فيلم المريض الإنجليزي؟

في قلب أطلال الحرب العالمية الثانية، يجمع فيلم “المريض الإنجليزي” بين مصائر شخصيات تتشابك خيوطها كالرمال المتحركة في الصحراء، حيث يصبح الحب شاهداً على الخيانة والفقدان.

 يبدأ السرد مع الكونت لازلو ألماشي (رالف فاينس)، رسام الخرائط المجري الذي يحترق جسده في حادث طائرة، ليصبح “المريض الإنجليزي” الغامض ، يروي ذكرياته المتشظية للممرضة هانا (جولييت بينوش)، الشابة الكندية المكلومة بفقدان أحبائها، والتي تجد في رعايته تكفيراً عن ألمها الخاص، بينما تقرأ له من كتاب هيرودوت لتفتح أبواب الاعتراف.

هناك أيضاً كارافاجيو (ويليم دافو)، الجاسوس الكندي المشوه الذي يبحث عن انتقام من ألماشي، متهماً إياه بالخيانة للألمان في يأسه لإنقاذ حبيبته.

وفي خيوط الماضي، تشتعل قصة الحب المحرمة بين ألماشي وكاثرين كليفتون (كريستين سكوت توماس)، الزوجة الإنجليزية الذكية للمستكشف جيفري كليفتون (كولن فيرث)، الذي يدفع غيرته إلى كارثة تحطم الطائرة وتترك كاثرين تموت في كهف السباحين، تاركة رسائلها الأخيرة كشظايا أبدية.

أما كيب (نافين أندروز)، خبير المتفجرات السيخي الهادئ، فيقدم نقيضاً هشاً لحب ألماشي المدمر، إذ يبني علاقة بريئة مع هانا وسط الدمار، تعكس إمكانية الشفاء في عالم يغلب عليه الزوال.

هكذا تتقاطع هذه الأرواح في مسرح الصحراء والدير، حيث تكشف الذاكرة عن هشاشة الهوية والعاطفة، ويصبح الحب والحرب وجهين لعملة واحدة من الألم والغفران.

فيلم المريض الإنجليزي
المريض الإنجليزي-_ ألماشي وكاثرين في القاهرة

الصحراء.. مسرح للحياة والنسيان

فيلم The English Patient هو تأمل في الهوية والخيانة، وفي الطرق التي يمكن للماضي من خلالها أن يحدد ملامحنا أو يدمرنا.

الصحراء هنا ليست مجرد خلفية، بل هي المسرح واللاعب الأساسي؛ مشهد طبيعي يجمع بين الجمال والعدم، حيث يحترق الشغف وتنكشف هشاشة الإنسان.

يبدأ الفيلم بمشهد شاسع للصحراء الكبرى، حيث تنزلق طائرة ثنائية الأجنحة بنعومة فوق الكثبان الذهبية.

لكن هذا الصفاء البصري مخادع؛ فبعد لحظات، تُسقط الطائرة وتتحول إلى شعلة نار.

من بين الحطام، يخرج رجل محترق بشكل مرعب، لكنه حيّ بمعجزة.

إنه “المريض الإنجليزي” كما يُلقب، رغم أننا نكتشف مع تطور الأحداث أن “الإنجليزي” ليس سوى ملصق ملائم لرجل هويته أكثر تعقيداً مما تبدو.

حطام بشري في دير إيطالي

هذا الناجي الغامض، الذي جسد دوره رالف فاينز بضبط نفس يحطم القلوب، ينقذه البدو ثم يُنقل لاحقاً إلى دير إيطالي تحول إلى مستشفى ميداني.

هنا، يتجذر السرد “غير الخطي” للفيلم، متنقلاً بين ذكريات المريض المتشظية ولحظات الهدوء والتعافي من حوله.

“هانا” (جولييت بينوش)، الممرضة الكندية الشابة، تصبح راعيته. هانا امرأة خدرها الحزن بعدما فقدت كل من تحب في الحرب، وتعكس رقتها وإرهاقها النبرة العاطفية للفيلم؛ فهي تحاول إنقاذ الأرواح، لكنها تحتاج أيضاً لتصديق أن الحب لا يزال ممكناً وسط هذا الدمار.

وحين تقرأ لمريضها من كتاب “تواريخ هيرودوت”، تصبح كاهنة اعترافه ووصلته الأخيرة بالإنسانية.

الكونت ألماشي.. من دقة الخرائط إلى فوضى العاطفة

من خلال سلسلة من “الفلاش باك”، تظهر تفاصيل ماضي المريض كشظايا عالم مفقود تناثرت مثل الرمال في الريح.

نكتشف أنه الكونت “لازلو ألماشي”، رسام خرائط مجري كان يرسم حدود الصحراء في شمال إفريقيا في الثلاثينيات.

كانت حياته محكومة بالدقة والحياد، يؤمن بنقاء الخرائط وموضوعية الجغرافيا، ويرسم خطوطاً تتجاهل فوضى المشاعر الإنسانية.

لكن كل شيء يتغير حين يلتقي بـ “كاثرين كليفتون” (كريستين سكوت توماس)، الزوجة الذكية لمستكشف إنجليزي.

 لقاؤهما الأول كان مهذباً وأكاديمياً، لكن تحت الحوار المنضبط كانت تسري جاذبية مغناطيسية.

في الصحراء، حيث يتلاشى الزمن والأخلاق التقليدية، اشتعل شغفهما ليتحول إلى شيء جميل ومدمر في آن واحد.

الصحراء.. الشاهد والشريك

صور مينغيلا علاقة ألماشي وكاثرين برقة شاعرية وتوتر حسي؛ ضوء الشموع على البشرة، الهمسات المحمولة مع الريح، وحميمية شخصين يدركان أن الحب قد حكم عليهما بالهلاك منذ اللحظة الأولى.

الصحراء هنا تصبح “الشخصية الثالثة” في علاقتهما، فهي الشاهد والمتواطئ.

الكثبان التي يعاد تشكيلها بفعل الريح تعكس عدم استقرار الذاكرة وعبثية محاولة وضع حدود حول الحب.

في مشهد لا يُنسى، يستكشف العاشقان “كهف السباحين”، وهو موقع أثري مليء برسوم تعود لعصور ما قبل التاريخ.

هذا الاكتشاف لأجساد بشرية ترقص على الحجر يصبح انعكاساً لتوقهما إلى الخلود في عالم مبني على الزوال.

الحرب والانهيار العظيم

لكن العالم الخارجي كان يضيق عليهما.

مع اندلاع الحرب، جاء الشك والنزعة القومية.

حين يكتشف زوج كاثرين، “جيفري” (كولن فيرث)، الخيانة، تكون ردة فعله تراجيدية وعنيفة؛ إذ يحاول الانتحار والقتل معاً بتحطيم طائرته في معسكر ألماشي، في فعل يائس يتركه ميتاً ويترك كاثرين مصابة بجروح بطلة.

هنا نصل إلى النواة العاطفية للفيلم: المسافة المستحيلة بين الحب والإنقاذ.

يترك ألماشي كاثرين في كهف السباحين واعداً إياها بالعودة، وكل لحظة تتبع ذلك يسكنها شبح فشله في الوفاء بهذا الوعد.

وعندما يعود أخيراً، يجدها قد فارقت الحياة، تاركة كلماتها الأخيرة في صفحات “هيرودوت”؛ ذلك الكتاب الذي سيحمله لاحقاً كملكه الوحيد، محترقاً وهشاً مثله تماماً.

التكفير والاعتراف

في الدير، تتشابك خيوط أخرى؛ “كيب” (نافين أندروز)، خبير المتفجرات السيخي، و”كارافاجيو” (ويليم دافو)، الجاسوس المشوه الذي يرتبط ماضيه بألماشي.

علاقة كيب وهانا تقدم نقيضاً هشاً لحب ألماشي وكاثرين المحكوم بالفناء؛ ارتباط بريء مبني على لحظات الجمال وسط الدمار.

أما كارافاجيو، فهو يمثل “الحساب” الذي يطالب به التاريخ. لقد تعرض للتعذيب على يد النازيين ويسعى للانتقام من ألماشي، متهماً إياه بالخيانة.

فيلم المريض الإنجليزي
المريض الإنجليزي _جولييت بينوش

لكن عندما يواجه المريض ويجبره على الاعتراف، تتعمق التعقيدات الأخلاقية؛ إذ يعترف ألماشي أنه في يأسه لإنقاذ كاثرين، قايض الخرائط والمعلومات مع الألمان.

هنا يطرح الفيلم سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للحب أن يوجد خارج إطار الأخلاق؟ وهل يظل الحب نقياً إذا كان أنانياً بشكل مدمر؟

سيمفونية بصرية وموسيقية

سينمائياً، يبدو فيلم “المريض الإنجليزي” مثل حلم محموم.

استغل المصور “جون سيل” الإضاءة لتصوير الصحراء كقبر وكاتدرائية في آن واحد، بلوحة ألوان ذهبية تثير الدفء والقداسة.

كما عززت موسيقى “غابرييل يارد” هذا الشعور بالعظمة التراجيدية، بمزيج من الألحان الشرقية والأوركسترا الأوروبية.

الوداع الأخير: الرحيل إلى الأبدية

تأتي النهاية ليس بالعنف، بل بالرحمة. يطلب ألماشي من هانا إنهاء معاناته، وفي مشهد حميمي للغاية،

تقرأ له رسالة كاثرين الأخيرة المكتوبة في الكهف.

كلمات كاثرين تحول شغفهما المحكوم بالفناء إلى شيء أبدي. ومع جرعة المورفين، يرحل ألماشي بسلام، متوحداً مع الصحراء التي شهدت حبه وخطاياه.

يرحل ألماشي، وتغادر هانا الدير حاملة معها كتاب “هيرودوت” وأصوات الموتى، في رحلة من اليأس إلى الأمل الهش.

الخاتمة

“المريض الإنجليزي” ليس مجرد فيلم عن الحرب أو الجغرافيا، بل هو عن “علم آثار العاطفة”؛ عن كيفية استعادة المعنى من الحطام.

لقد نجح  المخرج أنتوني مينغيلا في تقديم تحفة سينمائية تدعو الجمهور للقبول بأن الجمال والألم لا ينفصلان،

وأن أكثر أنواع الحب مأساوية هي تلك التي تضيء أظلم زوايا الروح.

 إنه رثاء سينمائي خالد، يجد وسط الرماد نبضاً لا يُنكر من النعمة والغفران.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى