رواية

رواية الجريمة والعقاب للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي.. ملخص الملحمة النفسية

رواية الجريمة والعقاب من روائع الأدب الروسي، نُشرت لأول مرة في عام 1866، وسرعان ما اكتسبت شهرة كبيرة بفضل غوصها العميق في النفس البشرية وتناولها للصراع الأخلاقي المعقد الذي يعيشه بطلها.

تدور قصة الرواية في مدينة سانت بطرسبرغ، حيث المنازل المتداعية والشوارع الكئيبة، التي تكاد تعكس مشاهد الإحباط والضياع التي تثقل كاهل السواد الأعظم من السكان هناك.

تتمحور الأحداث حول شاب فقير يدعى روديون راسكولينكوف، وهو طالب سابق يغوص في تأملات غريبة حول ماهية الإنسان والحدود التي يمكن تجاوزها من أجل مصلحة شخصية أو عامة.

في لحظة فاصلة، يتبنى راسكولينكوف فكرة الإنسان الخارق، ويقتنع بأن هناك من يمكنه تجاوز القيود الأخلاقية إذا امتلك الذكاء والقدرة الكافية.

لكن حين يقرر تطبيق هذه النظرية على أرض الواقع، يرتكب جريمة مزدوجة تغير مسار حياته تمامًا.

ومنذ تلك اللحظة، يبدأ صراع داخلي عنيف بين ضميره القلق وادعاءاته الفكرية التي لا تكف عن ملاحقته.

هذه الرواية  ليست مجرد حكاية عن قاتل يفر من العدالة، إنها ملحمة نفسية فلسفية ترسم خريطة مذهلة لعوالم الخير والشر.

تعرض أعمق ما في النفس البشرية من تناقضات وآمال وهواجس.

وبقدر ما تشيع أجواء قاتمة يهيمن عليها الفقر والجريمة، بقدر ما تحمل في طياتها أسئلة وجودية عميقة تجعل القارئ يتأمل في طبيعة الإنسان والمجتمع..

شخصيات رواية الجريمة والعقاب

تعتبر رواية “الجريمة والعقاب” للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، من الأعمال الأدبية الثرية بالشخصيات المعقدة والمتنوعة، و التي تساهم في تقديم رؤية عميقة لطبيعة النفس البشرية.

الجريمة والعقاب
الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي

الشخصيات الرئيسية

روديون راسكولينكوف:  هو الشخصية الرئيسية في الرواية، طالب جامعي سابق يعاني من الفقر المدقع، يرتكب جريمة قتل مروعة، يعيش بسببها صراعًا نفسيًا عميقًا.

سونيا مارميلادوفا:  فتاة شابة تجبر على ممارسة البغاء لإعالة أسرتها، رغم ذلك تحمل في قلبها الرحمة والإيمان، وتلعب دورًا حاسمًا في رحلة راسكولينكوف نحو التوبة.

بورفيري بتروفيتش: محقق  البوليس  الذكي والبارع، والذي يشك في راسكولينكوف من الوهلة الأولى ، ويستخدم أساليب نفسية معقدة لكشف الحقيقة.

دميتري رازوميخين: صديق راسكولينكوف المخلص، يتسم  بالذكاء والوفاء، ويحاول مساعدة صديقه  في محنته.

أفدوتيا رومانوفنا راسكولينكوفا (دونيا) : أخت راسكولينكوف، تتميز بالقوة والشجاعة، وتضحي بنفسها من أجل عائلتها.

أركادي سفيدريجايلوف: شخصية غامضة ومعقدة، يرتبط بماضي دونيا، ويمثل الجانب المظلم من الطبيعة البشرية.

الشخصيات الثانوية

بجانب الشخصيات  الرئيسة في رواية الجريمة والعقاب لدوستوفيسكي، فإن هناك شخصيات ثانوية ،لكنها مؤثرة للغاية في الأحداث التي تسردها  الرواية .

أليونا إيفانوفنا:  هي تلك المرابية العجوز التي يقتلها راسكولينكوف، للحصول على أموالها.

ليزافيتا إيفانوفنا: أخت المرابية، تقتل بشكل  غير متعمد على يد راسكولينكوف.

سيميون زاخاروفيتش مارميلادوف: والد سونيا، وهو رجل أدمن شرب الكحول، بسبب معاناته من الفقر واليأس.

كاترينا إيفانوفنا: زوجة مارميلادوف، تعاني من مرض السل.

بيتر بتروفيتش لوزين: خطيب دونيا، وهو شخصية انتهازية ومتكبرة.

موضوعات رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي

تتناول رواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي مجموعة واسعة من الموضوعات الفلسفية والأخلاقية والاجتماعية.

وتعتبر من أهم الروايات التي تناولت هذه الموضوعات بعمق وشمولية.

الجريمة والعقاب: تتناول الرواية موضوع الجريمة من منظور نفسي وفلسفي، وتستكشف دوافع الجريمة وعواقبها على النفس البشرية.

كما تتناول موضوع العقاب، وتطرح تساؤلات حول مفهوم العدالة وأهمية العقاب في تحقيقها.

الضمير: يلعب الضمير دورًا محوريًا في رواية الجريمة والعقاب، ويظهر كقوة داخلية تدفع راسكولينكوف إلى الاعتراف بجريمته والتوبة.

وتستجلي الرواية صراع الضمير وتأثيره على النفس البشرية.

التوبة والخلاص: تتطرق الرواية إلى موضوع التوبة والخلاص، وتظهر كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز أخطاءه وأن يجد الخلاص من خلال التوبة والاعتراف بالذنب.

الفقر واليأس: تصور الرواية واقع الفقر واليأس في المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر، وتظهر كيف يمكن لهذه الظروف أن تدفع الإنسان إلى ارتكاب الجرائم.

نظرية الإنسان المتفوق: تطرح الرواية نظرية الإنسان المتفوق، وهي النظرية التي تبرر لراسكولينكوف ارتكاب جريمته.

وتستكشف الرواية خطورة هذه النظرية وتأثيرها على النفس البشرية.

الأخلاق: تتناول الرواية موضوع الأخلاق، وتطرح تساؤلات حول مفهوم الخير والشر، وأهمية الأخلاق في حياة الإنسان.

الدين: يلعب الدين دورًا هامًا في الرواية، ويظهر كقوة دافعة للتوبة والخلاص.

 وتظهر الرواية تأثير الدين على النفس البشرية.

العدالة الاجتماعية: تصور الرواية الظلم الاجتماعي وتأثيره على حياة الناس، وتطرح تساؤلات حول مفهوم العدالة الاجتماعية.

الطبيعة البشرية: تتعمق الرواية في سبر أغوار الطبيعة البشرية، وتظهر مدى تعقيدها وتناقضاتها.

الجريمة والعقاب
فيلم الجريمة والعقاب 1970

ملخص الفصل الأول في رواية الجريمة والعقاب

في مدينة سانت بطرسبرغ القاتمة، تتراكم الغيوم الرمادية فوق شوارع تضج بالفقر والبؤس.

وسط هذه الأجواء الكئيبة، يعيش شاب نحيل البنية يدعى روديون راسكولينكوف.

كان طالبًا جامعيًا في السابق، لكنه انقطع عن دراسته، لا لكسل أو لعدم قدرة عقلية، بل بسبب ظروفه المالية القاسية.

يسكن راسكولينكوف في غرفة متواضعة بالكاد تتسع لسرير متهالك وطاولة خشبية صغيرة.

تضيق فيها نوافذ الهواء والضوء، وتمتلئ الغرفة برائحة العطن والرطوبة، وتعكس حالتها ما في داخله من شعور خانق بالعزلة والوحدة.

في غمرة هذا البؤس، تسيطر على راسكولينكوف أفكار غريبة يقلبها في ذهنه ليلًا ونهارًا.

يحاول أن يفهم مكانه في المجتمع، فيسأل نفسه: هل هو إنسان عادي لا حول له ولا قوة، أم صاحب موهبة أو قدرة استثنائية؟.

ملكات فكرية

ينمو لديه  تصور بأنه إن كان هناك من يولدون بقدرات وملكات عقلية أو فكرية تتجاوز حدود البشر العاديين، أليس من الممكن حينئذ أن يعطوا لأنفسهم الحق في اقتراف أفعال جسيمة، طالما أنها تأتي منسجمة مع غاية أكبر أو فكرة عليا تنفع الجميع؟.

هذه الأطروحة التي تتراقص في رأسه ليست مجرد كلام نظري، بل تبدأ تأخذ شكلًا عمليًا حينما يلتقي امرأة عجوزًا تدعى أليونا إيفانوفنا، تعمل في إقراض الناس بفوائد عالية، مستغلة حاجتهم وفقرهم.

كانت تلك المرأة تمثل قمة الجشع، لأنها تستنزف دماء كل من يضطر للجوء إليها.

بمرور الوقت، يتشبع بالعداء تجاهها، ويقنع نفسه بأنها لا تفعل سوى إلحاق الأذى بالفقراء، وأن المجتمع سيكون أفضل بدونها.

لكن الأفكار في عقل راسكولينكوف لا تتوقف عند رؤية الشر في المرابية العجوز، بل تتصاعد لتخطيط مخيف.

إنه لا يكتفي بمجرد الانتقاد أو البغض، بل يفكر في إزاحتها تمامًا من الوجود.

فكرة مروعة

هذه الفكرة المروعة تترسخ عنده على هيئة سؤال كبير: ماذا لو ارتكبت جريمة قتل بحق أليونا؟ هل سأخلص المجتمع بذلك من شر مقيم؟ وهل سأستفيد أنا أيضًا، فأخرج من بؤسي بفضل الأموال التي سأحصل عليها بعد الجريمة؟

في البداية، يرتعد من هول الفكرة، فالمسألة ليست قضية فلسفية حين تدخل حيز التنفيذ.

ورغم ذلك، لا ينكر أن لديه جاذبية تجاه هذه الخطة.

وكأنه يرى فيها فرصة للارتقاء بوضعه، ولإثبات أنه إنسان مختلف قادر على تجاوز الخطوط الحمراء.

بمرور الأيام، يتزايد سخطه على ضنك وضعه، وتلح عليه ذكريات أمه وأخته الصغرى اللتين تعيشان في الريف، دون أمل واضح في تحسين حياتهما.

ثورة داخلية

يشعر بالذنب لأنه عاجز عن مساعدتهما، وتتناوبه ثورة داخلية على الفقر والذل.

في الوقت ذاته، يرى أمامه هذه الفرصة التي يمكن أن تنهي عذابه، وتوفر له المال الكافي لاستئناف دراسته ودعم عائلته.

وبدلًا من أن يتراجع عن فكرته، يجد نفسه يغوص أكثر في تفاصيلها: متى، وكيف، وأين ينفذ جريمته؟.

يتخيل سيناريوهات عديدة، ويستبعد أخرى.

وكل ذلك يوازيه صراع داخلي حاد.

ضميره يصرخ رافضًا فكرة سفك الدماء، بينما كبرياؤه ورغبته في الخروج من مستنقع الفقر يدفعانه للاستمرار.

يلازم غرفته شبه هائم، ويغرق في أحلام مقلقة يرى فيها المدينة مغطاة بدماء لا تنتهي.

ويصحو وهو لا يدري أكان ذلك من نسج الحمى أم أنه حقيقة ستتحقق إن سار في هذا الطريق المظلم.

على الرغم من ذلك، بعد كل فترة مرض قصيرة، يعود إلى نقاشه الداخلي مع نفسه وكأن شيئًا لم يكن.

يفكر: ربما أنا فعلًا أمتلك الحق في تجاوز هذه القواعد المزعومة التي وضعها البشر العاديون، وإن كنت مخطئًا، فسأتحمل مسؤولية فعلي.

ولكن ماذا لو كنت على صواب؟ ماذا لو أن موت أليونا إنقاذ لكثيرين؟ تمر الأيام، ويتطور الحال به إلى درجة لا يستطيع معها التراجع.

 يبدو أن يد القدر تدفعه دفعًا نحو تلك اللحظة التي ستغير حياته إلى الأبد.

الجريمة والعقاب
رواية الجريمة والعقاب على المسرح

شبح الجريمة

وفي كل مرة يحاول أن يبعد شبح الجريمة عن ذهنه، تتضافر ظروفه القاسية لتضعه أمام ذات السؤال: لماذا أستمر في هذا الفقر المميت إذا كان الحل أمامي؟ .

وفي زاوية أخرى من نفسه، يشعر راسكولينكوف بأن هناك كيانًا مظلمًا في روحه يتغذى على هذه الأفكار.

يقنعه بأنه مختلف حقًا عن الآخرين، وأن الجرأة على ارتكاب عمل كهذا ستثبت أنه قادر على تصحيح المسار ولو بوسائل خارجة عن القانون.

من آن لآخر، يسير في شوارع سانت بطرسبرغ بلا هدف واضح، يراقب وجوه الناس التعيسة، ويستمع إلى أحاديثهم عن الديون والأمراض والجوع.

يمسه هذا الواقع بصورة مضاعفة، فيشعر بمزيج من التعاطف والسخط.

يرى في تلك المرابية أحد الأسباب وراء معاناة الكثيرين، فيعقد العزم أكثر على أن إزالة شرها ستكون خدمة للمجتمع، وليست مجرد انتقام شخصي.

كذلك، يقابل أحيانًا شخصيات بسيطة يعانون من سلب كرامتهم بسبب قروش قليلة اقترضوها من أليونا، ما يغذي في داخله الإحساس بأن ما هو مقدم عليه عمل بطولي، وإن كان من الناحية الأخلاقية مرفوضًا.

على الرغم من كل ذلك، لا يبدو راسكولينكوف سعيدًا بتخطيطه.

لقد بات وجهه شاحبًا دائم القلق، ولم يعد ينام كما ينبغي.

يتكلم مع نفسه بصوت مسموع أحيانًا، ويستيقظ منتصف الليل وهو يلهث كمن رأى كابوسًا مخيفًا.

إن صورة أليونا وهي ملطخة بالدماء تطارده حتى قبل أن ينفذ شيئًا.

لكنه في إصرار غريب يتمسك بهذه الفكرة الدموية، وكأنه لا يملك بديلاً آخر.

 فإما أن يظل في وحل الفقر وضياع الأحلام، وإما أن يخوض مغامرة القتل هذه التي يرى فيها حلًا جذريًا.

هكذا يمضي الجزء الأول من مسيرة راسكولينكوف في رواية الجريمة والعقاب، فهو يقف على حافة الهاوية، وهناك رياح داخلية تدفعه نحو السقوط.

 بينما همسات ضعيفة في داخله تناشده ألا يمضي قدمًا في هذا الطريق الذي لا رجعة منه.

الفصل الثاني

بعد أيام من الصراع المحتدم في عقل راسكولينكوف، تأتي اللحظة التي يقرر فيها تنفيذ ما ظل يراود أفكاره لأسابيع طويلة.

تبدو المدينة ذات صباح خانقة أكثر من أي وقت مضى، وكأنها تحثه على التحرك نحو النهاية الحتمية التي رسمها في ذهنه.

يستيقظ من نوم متقطع متعرِّق الجبين وقلبه يخفق بعنف.

يأخذ راسكولينكوف فأساً صغيرًا كان قد خبأه، ويتفقد حوافه وكأن في حدة تلك الحواف ما سيحسم مصيره.

يخفيه بعناية تحت ملابسه، ويربط قطعة قماش حوله حتى لا يُرى بسهولة.

يخرج إلى الشارع بخطوات مرتعشة عازمًا على اختزال جميع أفكاره الفلسفية في فعل واحد دامٍ، في طريقه إلى شقة العجوز أليونا إيفانوفنا.

تمتزج أصوات الباعة الجائلين وأبواق العربات مع دقات قلبه، يشعر كأن الجميع ينظر إليه ويتساءل عما يخفيه تحت سترته.

عندما يصل إلى بناية أليونا، يسترجع الخطة التي وضعها مسبقًا، يصعد الدرج بسرعة محسوبة كي لا يراه أحد أو ينتبه لارتباكه.

يطرق الباب طرقات هادئة في البداية، ثم يرفع صوته حين لا ترد العجوز في الحال.

يأتي صوتها المبحوح من الداخل تسأله عمن يكون، يجيبها بخفوت أنه يحتاج إلى رهن ساعة تخصه ليقبض مبلغًا زهيدًا.

تتردد لبضع ثوان ثم تفتح الباب بوجه عابس معتاد، يستقبله بقسوة دون أن تشعر بما يضمره.

كاد يتراجع للحظة وهو يواجه نظراتها الحادة، لكنه يستعيد تركيزه ويدلف إلى الشقة الضيقة التي تشبه قبوًا خانقًا مليئًا بقطع الأثاث القديمة والمهترئة.

أليونا تمد يدها بتلهف نحوه، تطلب منه أن يريها الرهن الذي جاء به وكأنها حيوان مفترس يترصد فريسته.

ينحني راسكولينكوف قليلًا متظاهرًا بأنه يحاول فك رباط الساعة من جيبه، ينبض قلبه بشدة ويشعر بشيء يشبه صريرًا في أذنيه.

يبتلع ريقه بصعوبة ثم فجأة تسيطر عليه حالة من الجمود القاسي.

عيناه تلتقيان بعيني المرأة العجوز التي تتساءل في صمت عما يفعله.

لكنه لا يترك لها فرصة للهرب أو لإطلاق صوت، وفي حركة خاطفة يرفع الفأس ويهوي به على رأسها بقوة مرعبة.

تسقط المرأة صريعة لا تستوعب ما حدث، ولا تكاد تصدر صرخة مكتملة.

تتسارع أنفاسه وهو يرى الدم يتدفق، فيشعر وكأن العالم توقف عن الدوران للحظة.

جريمة قتل أليونا

مع ارتعاش يديه المستمر، لم تعد الحادثة مجرد فكرة ذهنية أو مناظرة عقلية عن الإنسان الخارق.

يقنع نفسه أن ما فعله ضروري، وأنه مقدمة للتحرر ولإثبات أنه مميز، لكنه لا يجد في قلبه سوى الخوف والترنح.

يبدأ البحث في الأدراج والخزانات التي يعرف مسبقًا أنها قد تحتوي على مقتنيات ثمينة.

يخرج حقائب صغيرة وبعض الصناديق القديمة، يرتجف جسده ويتساقط عرقه على الأرض وهو يحاول فتح أزرار ضيقة أو كسر أقفال صغيرة،

والوقت يضغط عليه ضغطًا رهيبًا كأن عقارب الساعة تسير نحو موته الوشيك.

يسمع فجأة وقع أقدام خفيفة تقترب من الممر المؤدي للشقة.

يحبس أنفاسه، يلتفت ليرى أخت العجوز ليزافيتا التي تدخل متعجبة من فتح الباب.

لم يكن يتوقع حضورها، فهو يعلم أنها بسيطة وطيبة القلب، لا ناقة لها ولا جمل في جشع أختها.

بالصدمة نفسها تقف ليزافيتا محدقة في مشهد الدم والفوضى، وتكتشف على الفور ما حدث.

عيناها تتسعان ذعرًا، فتهُم بالصراخ أو الفرار، لكن راسكولينكوف يدرك أن صرختها ستكون نهايته.

 يتشبث بالفأس كمن لا يريد أن يفعل ما أُجبر عليه لتوه.

غير أن إحساس النجاة يملي عليه استكمال ما بدأه.

بضربة خاطفة ثانية يسقطها أرضًا، هذه المرة لا يجد أي عذر ليخدع نفسه به، فما ذنب ليزافيتا المسالمة؟.

هنا يتفجر في داخله رعب يفوق احتماله، فيرخي قبضته جزئيًا وهو يحدق في الجسد الذي لا حراك فيه.

يلتقط بسرعة ما يمكن أخذه من أموال وأشياء ذهبية لا يدري قيمتها بالتحديد، ثم يخرج مسرعًا من الشقة وكأنه يهرب من جحيم موحش.

بعد جريمته، يعود راسكولينكوف إلى غرفته، غارقًا في الرعب والحيرة والذنب.

يشعر بالإشمئزاز كلما لمس المسروقات، التي كانت رمزًا لشجاعته المزعومة.

يصارع ندمه، غير قادر على إنكار فعلته الشنيعة أو التراجع عنها.

يحاول تبرير جريمته، لكن صور الضحايا تطارده.

يواجه وحشًا داخليًا لم يكن يعرفه، ويدرك مسؤولية قراره المؤلم.

يتساءل إن كان قد أخطأ في تقدير نفسه، ويشعر بأن شيئًا قد انهار داخله.

يدرك أن الظلام لن يزول بسهولة، وأن جريمته بداية لمأساة مروعة.

الفصل الثالث من رواية الجريمة والعقاب

بعد أيام من ارتكابه الجريمة، يجد راسكولينكوف نفسه غارقًا في دوامة من الرعب والقلق، حيث لم يعد الشاب المتردد الذي عرفه الجميع، بل تحول إلى قاتل يطارده شبح ماضيه القريب.

يستيقظ من نومه ليلًا وهو يصرخ من الكوابيس المروعة، ويقضي نهاره في حالة من الحمى الشديدة التي تلتهم جسده وعقله.

يتحاشى راسكولينكوف الاحتكاك بالبشر قدر الإمكان، خوفًا من أن يكشف وجهه الشاحب ونظراته القلقة سره الرهيب.

وفي الوقت نفسه، يطارده هاجس تركه لأدلة تدينه، أو أن أحدًا قد رآه أو سمع خطواته في ليلة الجريمة.

المحقق بورفيري بتروفيتش

تأتي المفاجأة بطلب من قسم الشرطة لحضوره، مما يثير ذعره وظنه بأنهم قد قبضوا عليه. يتجمد الدم في عروقه، ويفكر في الهرب، لكنه يجر نفسه إلى المركز.

هناك، يستقبله الضباط بهدوء، ويخبرونه بأنه مطالب بدفع غرامة مالية.

يتنفس الصعداء، لكن قلقه يعود حين يرى المحقق بورفيري بتروفيتش يحدق به باهتمام.

لا يتحدث بورفيري في اللقاء الأول، بل يكتفي بتثبيت عينيه على راسكولينكوف، مما يثير لديه شعورًا غريبًا بأن المحقق يملك حدسًا قويًا يكشف حقيقة ما حدث.

يعود راسكولينكوف إلى غرفته مرتعشًا، مقتنعًا بأن المحقق يدبر له مكيدة للإيقاع به.

تتفاقم حمى راسكولينكوف، ويهذي بأسماء الضحايا، مما يثير قلق جاره.

يتدخل صديقه رازوميخين، وينقذه من حالته المزرية.

خلال فترة نقاهته، تزوره والدته وأخته، ويحاول إخفاء قلقه، لكنه يفقد أعصابه ويتصرف بغضب، مما يزيد قلقهما عليه.

بعد تحسنه، يتلقى راسكولينكوف دعوة لمقابلة بورفيري.

في طريقه، يلتقي بسونيا مارميلادوف، الفتاة البائسة التي فقدت والدها.

يشعر بالتعاطف معها، ويقدم لها المساعدة، مما يمنحه شعورًا بالراحة.

في لقائه مع بورفيري، يجد راسكولينكوف نفسه في موقف استجواب غير مباشر، حيث يتحدث المحقق عن الجرائم المبررة بأيديولوجيات، ويلمح إلى أشخاص يرون أنفسهم فوق القانون.

يشعر راسكولينكوف بأن المحقق يكشف أفكاره، ويخرج من اللقاء مقتنعًا بأنه لن يتركه وشأنه.

يعود راسكولينكوف إلى غرفته، ويتذكر سونيا، ويشعر بأنها قد تكون بارقة أمل لخلاصه الروحي.

يتساءل عما إذا كان يستطيع البوح لها بحقيقته، ويختتم الجزء الثالث من رواية الجريمة والعقاب بهذا التساؤل المعلق.

الفصل الرابع

يستيقظ راسكولينكوف بعد ليلة مضطربة، وصدى أسئلة المحقق بورفيري يتردد في رأسه.

يدرك أن المحقق يستخدم أساليب نفسية، لا أدلة مادية، لكشف تناقضاته.

يبدأ يومه بصداع حاد، رافضًا حياته المزدوجة كقاتل يعذبه تأنيب الضمير.

يزوره صديقه رازوميخين، محاولًا تهدئته.

 يذكر رازوميخين معلومات جديدة عن جريمة القتل، مما يزيد قلق راسكولينكوف.

يلاحظ رازوميخين ارتباكه، لكنه يقرر دعمه.

يتلقى راسكولينكوف دعوة جديدة من بورفيري.

استدعاء رسمي

يرفض في البداية، لكنه يذهب خوفًا من استدعاء رسمي.

يستقبله بورفيري بود مصطنع، بينما يتحدث عن قضايا عامة، ثم يلمح إلى جريمة راسكولينكوف دون ذكره.

يحاول راسكولينكوف إخفاء قلقه، لكن كلمات بورفيري تزيد توتره.

 يحضر نيكولاي، معترفًا بالجريمة، مما يثير شكوك راسكولينكوف.

يلمح بورفيري إلى احتمال براءة نيكولاي، مما يزيد قلق راسكولينكوف.

يغادر راسكولينكوف المكتب، شاعرًا بأن بورفيري سيقبض عليه قريبًا.

في طريقه إلى غرفته، يفكر راسكولينكوف في الاستسلام.

يذهب إلى سونيا، يائسًا.

تفتح سونيا الباب، وتواسيه.

يشعر بالضعف أمامها، ويريد الاعتراف، لكنه يخشى ردة فعلها.

اليأس

يبدأ بالتلميح عن اليأس والجرائم.

تقول سونيا إن الله يغفر كل شيء.

يتساءل راسكولينكوف عن جريمة لا تغتفر.

تقول سونيا إن الندم الصادق يغفر كل شيء.

يشعر براحة مؤقتة، لكنه يخاف من ردة فعل سونيا لو عرفت الحقيقة.

يغادر راسكولينكوف سونيا، يشعر بالأمل، لكنه يعود إلى قلقه.

 في المنزل، تقابله والدته وأخته، قلقين من تورطه في الجريمة.

يجلس صامتًا، يشعر بالخزي.

يريد الاعتراف، لكنه يخاف من ردة فعلهما.

تتراكم الضغوط على راسكولينكوف.

يزوره رازوميخين، قلقًا من حالته.

يتلقى رسائل من بورفيري، تشير إلى قرب القبض عليه.

يرى نيكولاي في مركز الشرطة، مما يزيد قلقه.

يزداد صراعه الداخلي، ما بين الخوف من الفضيحة والندم.

يفكر في الاعتراف لسونيا، لكنه يتردد. يقترب موعد المواجهة، والضغط يزداد.

الجريمة والعقاب
فيلم الجريمة والعقاب إنتاج 2002

الفصل الخامس

تمر الأيام، وراسكولينكوف غارق في عذاب مستمر لا يهدأ.

أصبح هاجس الاعتراف يسيطر على معظم أفكاره، حتى باتت فكرة التوبة أقرب إلى الخلاص الوحيد الذي قد يطفئ لهيب ضميره.

ورغم ذلك، لا يزال يتشبث ببقايا كبريائه القديمة، تلك التي أقنعته في البداية بأنه يعلو على عامة الناس، وأن فكرته في إزاحة المرابية كانت مشروعة من منظور فلسفي.

كلما جال في ذهنه الحديث مع سونيا، شعر بأن هذه الفتاة، على بساطتها، صارت تمثل ضميره اليقظ الذي لا يكف عن تذكيره بأن التوبة قد تكون الحل.

لكن الخوف من السجن والفضيحة أمام عائلته لا يزال يجعله يتردد.

في خضم هذا الصراع، تزداد الأمور سوءًا عندما يستجد في حياة أخته دونيا ظهور رجل يدعى سفيدريجايلوف، وهو شخص مريب ماضيه مليء بالأسرار، وعلاقته بدونيا قديمة ومليئة بالظلال.

يحاول سفيدريجايلوف التقرب منها مجددًا، مستخدمًا أساليب ملتوية للإيقاع بها، مما يخلق توترًا كبيرًا داخل عائلة راسكولينكوف.

 وإذ يرى راسكولينكوف أن شقيقته قد تكون مهددة أو معرضة لخططه القذرة، ينفجر بداخله، فيشعر أنه لم يعد قادرًا على حماية دونيا، ولا حتى على حماية نفسه من قبضة المحقق بورفيري.

الأبواب المغلقة

كأن كل الأبواب تغلق في وجهه دفعة واحدة.

تزداد لقاءات راسكولينكوف بسونيا، فيرى في عينيها حزنًا قديمًا ونبلًا نادرًا.

تصارحه بما تظن أن الله رحيم، وأن الاعتراف بالخطيئة وطلب المغفرة هما الطريق الوحيد لاستعادة إنسانيته.

تلمح في نظراته أنه يخفي سرًا فظيعًا، لكنها لا تضغط عليه، بل تحاول إقناعه بلطف أن يصدق في توبته إن كان قد اقترف ذنبًا كبيرًا.

هذه الكلمات توقظ لديه جزءًا من النبل الذي ظنه مات في داخله، فيتنامى عنده إحساس بأنه ربما وجد أخيرًا إنسانًا قادرًا على تفهمه، بل وعلى مسامحته إن اعترف بكل شيء.

من ناحية أخرى، يواصل المحقق بورفيري حصاره بطرق غير مباشرة.

تأتيه تلميحات وأسئلة عبر أصدقاء مشتركين، ويتلاقى معه مصادفة في الشارع أو في مبنى الشرطة، وكأن المواجهة الكبرى باتت أقرب مما يتصور.

يدرك راسكولينكوف أن بورفيري لا يمتلك الدليل القاطع، لكنه ممتلئ بقناعة داخلية أن راسكولينكوف هو القاتل.

اتهام صريح

وهذا الأسلوب في المطاردة النفسية يكاد يهز أعماقه أكثر من أي اتهام صريح، فهو يرى في هدوء بورفيري ابتسامة صياد يترقب الفريسة عند آخر الشباك.

وسط هذا الضغط النفسي، يأتي يوم يجد فيه راسكولينكوف نفسه على باب غرفة سونيا مرة أخرى، مثقلًا بتردد خانق.

لكنه يدفع الباب ويدخل.

تقابله هي بإشراقة هادئة قلما رآها في حياته المليئة بالآلام.

يجلس أمامها بعض الوقت في صمت، ثم ينطق بصوت مختنق بأنه يرغب في الاعتراف بشيء رهيب.

يتوقف وهو يكاد يختنق بدموعه، فتقترب منه سونيا ممسكة بيده بعطف، تطمئنه بنظراتها، وتكرر أن الله غفور رحيم.

في هذه اللحظة، يشعر بأن كلماته لم تعد حبيسة صدره، وأنه يوشك على البوح بما ارتكبه وإلقاء العبء الموحش عن كاهله، ولو أدى ذلك إلى تدمير صورته أمامها تمامًا.

غير أنه عند حافة الاعتراف، ينتابه رعب مضاعف.

شبح المرابية

يسترجع شبح المرابية وأختها ودمائهما، وشبح السجن، ونظرات والدته المكلومة، ودونيا التي قد تفقد مستقبلها إن طالتها الفضيحة.

يتجلى على وجهه ألم لا يوصف، يقفز واقفًا، يضرب يده بالحائط متوترًا، بينما تتابعه عينا سونيا بقلق بالغ.

هل يكمل الاعتراف ويريح ضميره، أم يفر مرة أخرى؟ يعصف به السؤال في داخله، ثم تختنق كلماته في فمه، لا ينطق بالحقيقة كاملة، بل يرحل على عجل، تاركًا سونيا في حيرة لا تدري إن كان كلامه يتعلق بقضية القتل المنتشرة في الحي، أم هو مجرد إحساس بالذنب حيال أمر آخر لا تعرفه.

في نهاية هذا الجزء من رواية الجريمة والعقاب، يبقى راسكولينكوف عالقًا بين قرارين، ينهكه تمزقه بين الخوف والرغبة في التطهر.

الخناق الذي يفرضه بورفيري يزداد يومًا بعد يوم، والصدمة التي قد يوجهها لأسرته لو اعترف لا تكاد تحتمل.

 في حين تلوح سونيا أمامه بصفتها الخيط الوحيد الذي قد ينتشله من مستنقع اليأس.

وبينما تعصف به الأفكار، يدرك أن لحظة المواجهة النهائية مع ذاته ومع القانون قد أصبحت قريبة.

وأنه إن لم يتحرك قريبًا، فسيضيع الشك والرجاء معًا.

الفصل السادس في رواية الجريمة والعقاب

بعدما قضى راسكولينكوف وقتًا طويلًا في صراع داخلي يكاد يلتهم روحه،

يأتي اليوم الذي يشعر فيه أن كل الأحداث تقوده إلى نقطة حاسمة لا يمكنه تفاديها.

تتصاعد ضغوط المحقق بورفيري بتروفيتش بشكل متكرر في طريق راسكولينكوف، إما بالسؤال عنه، أو من خلال الرسائل والتلميحات.

في كل لقاء، لا يصرح بورفيري بأدلة دامغة، لكنه يطوق راسكولينكوف بحوارات فلسفية وأسئلة مبهمة، تجعل راسكولينكوف يشعر كأن رجال الشرطة يراقبونه على مدار الساعة.

إن هذا الخناق النفسي يفوق أثر أي دليل مادي، إذ ينهش أعماق راسكولينكوف، ويدفعه شيئًا فشيئًا نحو حافة الاعتراف.

في الوقت نفسه، تتدهور أوضاع العائلة.

فقد بدأت والدته تشعر بأن ابنها في خطر دون أن تدرك حقيقته، وتصاب بنوبات قلق كادت تودي بصحتها.

أما أخته دونيا، فتجد نفسها في مواجهة سفيدريجايلوف، الذي لا يكف عن محاولات التقرب غير النزيهة.

وإذ ترى أن راسكولينكوف غائب عن دور الأخ الحامي، تشعر بحيرة حيال غرابة تصرفاته وانغماسه في عالمه المظلم.

يبدو لراسكو لينكوف أن صمته بدأ يجر وراءه عواقب على الجميع، وكأنه يوقن أخيرًا أن الكارثة لن تقف عنده وحده، بل قد تبتلع من يحبهم أيضًا إن طال انتظار الحسم.

في إحدى الأمسيات المتوترة، يقرر راسكولينكوف الذهاب مجددًا إلى سونيا مارميلادوف، بعدما توصل إلى أنه لم يعد قادرًا على استكمال لعبة التخفي.

هذه المرة، يدخل غرفتها ووجهه متجهم، وعيناه مشتعلة بقرار أخير.

يطلب منها أن تجلس وتستمع إلى قصته كاملة.

 وبقلب مرتجف وبصر شارد في الفضاء، يبدأ يبوح بكل التفاصيل المروعة.

حقده على المرابية، وهواجسه الفلسفية عن الإنسان الخارق، وكيف تسلل في تلك الليلة بفأس لينهي حياة العجوز وأختها ليزافيتا.

يرتجف صوته وهو يتذكر نظرة الرعب في عيني ليزافيتا، ويشعر كأن جسده قد تحطم وهو يلفظ تلك الاعترافات التي كانت تقبع في صدره كالسم..

تصعق سونيا من هول ما تسمع، وتفيض عيناها بالدموع حزنًا وخوفًا.

مع ذلك، لا تنهال عليه باللوم والاتهامات، بل تحتضن عذابه بحنان لا مثيل له، كأنها ترى فيه إنسانًا ضائعًا أكثر منه مجرمًا متصلبًا.

الاعتراف

تخبره أن الحل الوحيد أمامه هو الاعتراف أمام البشر، لا أمامها وحدها.

الله رحيم بالبشر، لكن عليهم أن يسلكوا طريق التوبة والشعور بالندم الحقيقي.

تقترح عليه أن يذهب إلى مفترق الطرق أو إلى ساحة عامة، ويجثو على ركبتيه ويعترف أنه قاتل، ثم يأخذ خطوته الأخيرة إلى قسم الشرطة.

هذه الدعوة تبدو له في البداية كابوسًا مروعًا، لكنه سرعان ما يستشعر أنها قد تكون المنفذ الوحيد من دوامة العذاب.

ينطلق راسكولينكوف في صباح اليوم التالي بوجه متعب وقلب ثائر، يتوجه إلى مركز الشرطة بهدوء لم يعهده في نفسه من قبل.

في الطريق، يمر بساحة مزدحمة في المدينة، فيتذكر نصيحة سونيا.

يتوقف لوهلة، وكأنما قلبه سيقفز من صدره.

ينحني قليلًا، وكأنه يريد النطق بالحقيقة أمام العامة، لكن تعوزه الشجاعة.

يتابع المسير نحو قسم الشرطة، وهو يشعر بأن عينيه ستذرفان الدمع في أي لحظة.

وعندما يدخل قسم الشرطة، يطرق باب المحقق بورفيري.

هناك، يراه شاردًا أو متوقعًا لقدومه.

ينظر بورفيري نظرة لا تخلو من شيء يشبه الشفقة.

يقترب راسكولينكوف منه، ويقول بصوت حاسم رغم ارتعاشه: “أنا من قتل أليونا إيفانوفنا وليزافيتا.”

في هذه اللحظة، يشعر كأنه أزاح صخرة هائلة عن صدره.

الانهيار

يرن صوت اعترافه في المكان، ويشعر بورفيري بمزيج من الاحترام لهذا الانهيار الإنساني أمامه.

ينتقل المشهد سريعًا إلى قاعة محاكمة لا تطول كثيرًا، إذ يقر راسكولينكوف بجريمته بالتفصيل دون إنكار.

تنتهي الإجراءات بالحكم عليه بالأشغال الشاقة في سيبيريا.

يودع أمه وأخته معانقًا ومعتذرًا، بينما ينهمرن بالبكاء، لا يصدقن أنه سينفى بعيدًا.

أما سونيا، فتصر على مرافقته إلى منفاه رغم فقرها، عازمة على مساندته في مشوار التوبة الطويل.

يدخل راسكولينكوف السجن بمعنويات محطمة، لكنه يشعر ببصيص رجاء ينبثق في داخله للمرة الأولى منذ ارتكاب جريمته.

هناك في سيبيريا القاسية، يمر بمرحلة طويلة من التأمل والمعاناة البدنية التي تجعله يعي تمامًا معنى العقاب.

وفي كل مرة يظن أنه ينهار، يجد سونيا بجانبه، تجلب له الدواء، وتقرأ له كلامًا روحيًا يخفف من وطأة اليأس.

الخلاص النفسي

تكون سنوات النفي بداية حقيقية لمسيرة الخلاص النفسي، إذ لا تقتصر على قضاء عقوبة جنائية، بل تمتد لتصبح رحلة يراجع فيها راسكولينكوف مبادئه وأفكاره التي قادته إلى هذا المصير.

 يدرك كم كان مخطئًا حين برر القتل بنظريات فلسفية عن الإنسان الخارق.

يستعيد شيئًا فشيئًا إنسانيته، ويجد في ضوء الإيمان ومحبة سونيا نافذة تنير عتمته الداخلية.

يدرك أخيرًا أن الاعتراف لم يكن نهاية المشوار، بل بدايته نحو حياة جديدة عنوانها المسؤولية والضمير والرحمة.

هكذا تختتم رواية “الجريمة والعقاب” بروديون راسكولينكوف الذي قاده طموحه وجموحه الفلسفي إلى دماء بريئة، ثم قاده ضميره ونصيحة إنسانة متفانية إلى لحظة الاعتراف والخلاص.

في السطور الأخيرة، يعطينا دوستويفسكي بارقة أمل بأن راسكولينكوف، وإن كان في السجن، فقد غدا أكثر حرية في روحه مما كان يوم تخيل نفسه فوق القوانين الأخلاقية.

وهذا هو جوهر رواية الجريمة والعقاب: العدالة ليست مجرد سلطة قانونية، بل هي صوت الضمير الذي يلازمنا في كل مكان،

وعندما تفتح أبواب التوبة، يمكن لأي إنسان أن يبدأ رحلة جديدة نحو إنسانيته الحقيقية.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى