"احتجاجات إيران": هل أصبح تغيير النظام أمرًا لا مفر منه؟
التراجع الإقليمي والاقتصاد يدفعان نحو تحولات جذرية
في أواخر ديسمبر 2025، شهدت العاصمة الإيرانية طهران وعدة مدن أخرى موجة من الاحتجاجات الواسعة النطاق، أشعلها تراجع قيمة الريال الإيراني إلى مستويات قياسية،
مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتعميق الأزمة الاقتصادية في إيران، البلد الذي يعاني أصلاً من عقوبات أمريكية ودولية مشددة.
اندلعت الاحتجاجات في أسواق طهران الكبرى، حيث أغلقت المحلات أبوابها، وترقب التجار تغيرات الأسعار كل ساعة،
وسط انتشار لقطات لاستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.
هذه الاحتجاجات ليست مجرد رد فعل اقتصادي، بل تعكس غضباً متراكماً قد يهدد استقرار النظام الإيراني الحالي،
خاصة مع تزامنها مع تطورات إقليمية ودولية تشير إلى تراجع نفوذ طهران في الشرق الأوسط.
خلفية الاحتجاجات الاقتصادية في إيران
بدأت الاحتجاجات في طهران كرد فعل مباشر على انهيار الريال، الذي وصل إلى مستوى قياسي بلغ 1.445 مليون ريال مقابل الدولار الأمريكي،
مما أثار غضب التجار في البازار الكبير ورفع مخاوف من اتساع رقعة الاضطرابات مع تصاعد الغلاء وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
أدى ذلك إلى إغلاق محال تجارية في قلب طهران، وانتشار الاحتجاجات إلى الجامعات حيث انضم الطلاب مطالبين بحرية أكبر وإنهاء القمع.
ردت الحكومة الإيرانية بإقرار وقوع المظاهرات، مؤكدة أنها ستستمع إلى المطالب، وأجرت اجتماعاً عاجلاً لفريقها الاقتصادي لبحث إجراءات تشمل سلة سلع مدعومة وقروضاً لدعم الأسر وكبح التضخم.
كما أقالت الحكومة محافظ البنك المركزي وعادت لتعيين عبد الناصر همتي، الذي سبق إقالته سابقاً بسبب سوء إدارة العملة، في محاولة لاحتواء الأزمة.
أكد الرئيس الإيراني أنه “يجب الاستجابة لمخاوف الشعب واحتجاجاته بشأن مشاكل المعيشة بمسؤولية كاملة،
وإجراء حوار خاصة مع ممثلي النقابات واتخاذ التدابير اللازمة التي تركز على زيادة القدرة الشرائية وإصلاح عملية صنع القرار الاقتصادي على جدول أعمال المسؤولين التنفيذيين”.
ومع ذلك، تأتي هذه التطورات على وقع عقوبات مشددة وتباطؤ اقتصادي يضغط بقوة على حياة الإيرانيين،
مع مساعي الحكومة لزيادة الإيرادات عبر الضرائب وإصلاحات محدودة، مما يبقي المخاوف من ركود أوسع واضطرابات جديدة .
توقيت الاحتجاجات وزيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة
تزامنت الاحتجاجات مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى فلوريدا للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أواخر ديسمبر 2025،
مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان هناك اتفاق سري بشأن إيران. وفقاً لتقارير، ركز اللقاء على خمسة مواضيع رئيسية، بما في ذلك غزة، السلام في الشرق الأوسط، وإيران.
طالب فريق ترامب، بما في ذلك جاريد كوشنر وماركو روبيو، نتنياهو بتغيير سياسات إسرائيل في الضفة الغربية لتجنب تصعيد يقوض اتفاق السلام في غزة.
وافق نتنياهو على التقدم نحو المرحلة الثانية من اتفاق غزة رغم خلافات حول آلية التنفيذ.
ترامب يهدد طهران في لقاء مع نتنياهو
أما بشأن إيران، فقد أصدر ترامب تحذيرات قوية، قائلاً إن الولايات المتحدة “ستضرب إيران بقوة” إذا طورت برنامجها النووي أو الصواريخ الباليستية.
ومع ذلك، ترك ترامب هامشاً للحوار، قائلاً: “نحن مستعدون لمد اليد إلى إيران إذا أرادت الحوار”.
أما نتنياهو، فقد حاول الضغط لفتح جبهات عسكرية ضد حزب الله في لبنان وإيران وسوريا، لكنه لم يحصل على كل ما يريده، حيث سيطر ترامب على اللقاء وأكد على “القيام بالشيء الصحيح”.
لا يوجد دليل مباشر على اتفاق صريح لتغيير النظام في إيران، لكن الضغوط الاقتصادية الأمريكية، بما في ذلك إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة في سبتمبر 2025،
قد تكون جزءاً من استراتيجية أوسع لإضعاف طهران، لإجبارها على تغييرات في هيكل الحكم الحالي يتيح لها تغيير السياسات والجلوس على مائدة التفاوض مع الولايات المتحدة.
تراجع قوة الأذرع الإيرانية في الشرق الأوسط
يأتي توقيت الاحتجاجات في إيران وسط تراجع ملحوظ لنفوذها الإقليمي، حيث خسرت طهران أذرعها الرئيسية في المنطقة.
سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 كان ضربة قاصمة، إذ خسرت إيران قاعدة بحرية في المتوسط وطريق إمداد رئيسي لحزب الله،
مما أدى إلى انسحاب قوات الحرس الثوري الإيراني من سوريا وخسائر مالية تصل إلى 50 مليار دولار.
كما ضعفت حماس في غزة بعد هجمات أكتوبر 2023، وحزب الله في لبنان جراء الصراعات مع إسرائيل، والحوثيين في اليمن الذين أطلقوا صواريخ محدودة خلال حرب إيران-إسرائيل في يونيو 2025.
هذا التراجع يجعل وجود النظام الإيراني بصورته الحالية غير مستدام، إذ ارتبط صعوده في نهاية السبعينيات بصعود حركات الإسلام السياسي في المنطقة،
والتي تغيرت تماماً اليوم مع انهيار “محور المقاومة” وتعزيز التحالفات الغربية-الإسرائيلية. وفقاً لخبراء، أصبحت إيران أضعف خارجياً، مما يزيد من الضغط الداخلي ويفتح الباب أمام تغييرات جذرية.
هل حان الوقت لتغيير النظام في إيران؟
مع تزايد الاحتجاجات الداخلية والضعف الإقليمي، يطرح السؤال نفسه: هل حان الوقت لتغيير النظام في إيران؟ العقوبات الأمريكية أثبتت فعاليتها في إثارة الغضب الشعبي دون حاجة لتدخل عسكري مباشر، كما أشار إليه ستيف بانون.
ومع ذلك، يظل النظام قادراً على ردعها عبر الحرس الثوري، لكن التراجع الإقليمي والأزمة الاقتصادية قد يدفعان نحو تحولات داخلية وخارجية جذرية.
في نهاية المطاف، قد تكون هذه الاحتجاجات بداية لعصر جديد في إيران، حيث يصبح تغيير النظام أمراً لا مفر منه لاستعادة الاستقرار والنفوذ الإقليمي.



