تقرير

فلسفة الدم والسياسة: الجذور التاريخية لسياسة الاغتيالات وعقيدة "الدولة القاتلة" – اغتيال علي لاريجاني نموذجاً


لم يكن الاغتيال يوماً مجرد فعل جنائي معزول، بل هو أداة سياسية موغلة في القدم، تعكس عقلية تقصي الخصم جسدياً

عندما تعجز عن مواجهته فكرياً أو سياسياً.

إن سياسة الاغتيالات الممنهجة التي تتبناها بعض القوى، وعلى رأسها إسرائيل، لا تمثل قوة عسكرية فحسب،

بل تعبر عن مأزق أخلاقي وبنيوي في فهم مفهوم الدولة والسيادة.

ويأتي خبر اغتيال علي لاريجاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ليعيد إلى الأذهان التساؤلات العميقة

حول جدوى هذه السياسة وتداعياتها على الاستقرار العالمي،

وكيف تحول “القتل الهادف” من تكتيك استخباراتي سري إلى استراتيجية علنية تتحدى القوانين الدولية.

الجذور التاريخية: من “السيكاري” إلى العصر الحديث

تمتد جذور الاغتيال السياسي إلى فجر التاريخ، لكن الجماعات المتشددة كانت دوماً هي الأكثر استخداماً له.

تشير التقارير التاريخية المنشورة في “مجلة الشؤون الخارجية” (Foreign Affairs) إلى أن جماعات مثل “السيكاري” (Sicarii) أو “حملة الخناجر” من المتطرفين اليهود في القرن الأول الميلادي،

كانوا أول من وضعوا أسس الاغتيال المنظم ضد القادة الرومان واليهود “المعتدلين” على حد سواء.

هذه العقلية التي تعتبر القتل وسيلة مشروعة لتحقيق غايات “مقدسة” لم تتغير كثيراً.

فالتاريخ الديني يسجل بوضوح استهداف الأنبياء والرسل؛ فنجد نصوصاً تاريخية تؤكد مقتل النبي يحيى (عليه السلام) وتقديم رأسه كهدية،

ومحاولة اغتيال السيد المسيح (عليه السلام) التي انتهت برفعه، وفقاً للمعتقدات الإسلامية، أو صلبه وفقاً للمسيحية.

إن استهداف القادة والأنبياء يعكس رغبة في “قطع رأس الفكرة” من خلال تصفية حاملها، وهي ذات العقلية التي نراها اليوم في تصفية الرموز السياسية، حيث يمثل اغتيال علي لاريجاني استمراراً لهذا الفكر الذي يرى في تغييب الجسد نهاية للمشروع.

المنطق الإرهابي وعقيدة “الاغتيال الممنهج

يرتبط الاغتيال ارتباطاً وثيقاً بالمنطق الإرهابي؛ فالإرهاب في جوهره هو “استخدام العنف ضد غير المحاربين لتحقيق أهداف سياسية عبر نشر الرعب”.

عندما تتبنى دولة ما سياسة الاغتيال، فإنها تمارس “إرهاب الدولة”.

في تقرير لمركز “بروكنجز” (Brookings Institution)، يُشار إلى أن الاغتيالات السياسية تؤدي غالباً إلى نتائج عكسية؛

فهي لا تقضي على التنظيمات أو الدول، بل تدفعها نحو مزيد من الراديكالية.

إن العقلية التي تقف خلف تصفية علي لاريجاني هي عقلية تعتقد أن العالم غابة، وأن التفوق التكنولوجي يمنح الحق في تجاوز سيادة الدول.

هذا المنطق يتقاطع مع الفكر الإرهابي في كونه يؤمن بـ “الحتمية الدموية” ويرفض التفاوض أو الحلول الدبلوماسية، مفضلاً “الحل الأمني النهائي”.

تفاصيل مقتل علي خامنئي ووزير الدفاع وقائد الحرس الثوري في هجوم “السبت الأسود”

إسرائيل وسياسة “القتل المستهدف”: قراءة في الوثائق

منذ تأسيسها، اعتمدت إسرائيل سياسة “القتل المستهدف” (Targeted Killing) كركيزة أساسية في عقيدتها الأمنية.

يذكر رونين بيرغمان في كتابه الشهير “انهض واقتل أولاً” (Rise and Kill First)، المستند إلى مئات الوثائق الاستخباراتية،

أن إسرائيل نفذت عمليات اغتيال أكثر من أي دولة غربية أخرى منذ الحرب العالمية الثانية.

لم تكتفِ إسرائيل باغتيال قادة المقاومة الفلسطينية مثل الشيخ أحمد ياسين والرنتيسي، بل وسعت دائرة استهدافها

لتشمل علماء ذرة وقادة سياسيين بوزن ثقيل.

ويعد اغتيال علي لاريجاني وقائد قوت البسيج غلام رضا سليماني اليوم ذروة هذا التصعيد، حيث يمثل لاريجاني عقل الدولة الاستراتيجي في إيران.

تكرار هذه العمليات، من اغتيال إبراهيم رئيسي إلى إسماعيل هنية والمرشد الإيراني على خامنئي ثم استهداف علي لاريجاني،

يعكس تحولاً من “الدفاع عن النفس” المزعوم إلى “الهجوم لتقويض أركان الدول”.

اغتيال علي لاريجاني: زلزال سياسي وتحدٍ للقانون الدولي

يمثل اغتيال لاريجاني نقطة تحول خطيرة؛ فلاريجاني ليس مجرد قائد عسكري، بل هو رجل دولة بامتياز، شغل مناصب تشريعية وتنفيذية وأمنية حساسة.

إن عملية تصفية لاريجاني تعكس رغبة إسرائيلية في تدمير أي فرصة للحوار الإقليمي، ودفع المنطقة نحو صدام شامل.

صحيفة “نيويورك تايمز” أشارت في تقارير سابقة إلى أن الاغتيالات التي تستهدف رؤوس الهرم السياسي في إيران تهدف إلى إحداث “شلل إدراكي” داخل صنع القرار الإيراني.

ومع ذلك، فإن حادثة اغتيال علي لاريجاني قد تؤدي إلى نتائج مغايرة، حيث توحد الجبهة الداخلية وتشرعن الرد القاسي تحت بند الدفاع عن السيادة.

الرؤية الإسلامية: موقف الأزهر الشريف

فيما يخص الموقف الشرعي، لطالما أكد كبار علماء الأزهر الشريف أن الاغتيال هو “غدر وخيانة” لا يمت للإسلام بصلة.

وفي فتاوى منشورة، يرى علماء الأزهر أن الإسلام نظم حالة الحرب، وحرم قتل الرسل والسياسيين الذين يدخلون في باب “المستأمنين” أو القادة الذين يمثلون شعوبهم.

إن “الغيلة” (وهي القتل خفية) محرمة شرعاً، وتعتبر من الكبائر.

ويرى الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، في خطابات متعددة، أن الاغتيالات السياسية هي “بذور للفوضى” واعتداء على حق الله في الروح البشرية،

مؤكداً أن هذه الممارسات، سواء كانت ضد قادة مسلمين أو غيرهم، هي نتاج فكر منحرف يقدس الموت على الحياة.

الحضارة الغربية المستنيرة وعقيدة الاغتيال

رغم أن بعض الدول الغربية قد تتغاضى عن اغتيالات معينة، إلا أن الفكر الغربي “المستنير” والقانون الدولي المنبثق عنه يدينان هذه الممارسات بشدة.

تقارير “مجلس العلاقات الخارجية” (CFR) تؤكد أن الاغتيال خارج نطاق القضاء (Extrajudicial Killing) يمثل انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

الحضارة الغربية، التي قامت على أنقاض الحروب الدينية، ترى في الاغتيال عودة إلى “عصر الهمجية”.

فالدولة في الفكر الغربي الحديث (هوبز، لوك، روسو) هي “عقد اجتماعي” يهدف لحماية الحياة، وعندما تتحول الدولة إلى “قاتل مأجور”، فإنها تفقد شرعيتها الأخلاقية.

لذا، يُنظر إلى اغتيال القادة  في الأوساط الأكاديمية الغربية كعمل يقوض “نظام القواعد” الذي تدعي القوى الكبرى حمايته.

الموقف المسيحي: شجب العنف وتقديس الحياة

تشجب المسيحية سياسة الاغتيال انطلاقاً من الوصية السادسة “لا تقتل”.

وتعلم الكنيسة، سواء الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، أن العنف لا يولد إلا العنف.

وفي العصر الحديث، كان لمواقف الباباوات تصريحات واضحة ضد “ثقافة الموت”.

إن المسيحية ترى في الاغتيال السياسي، اعتداءً على الكرامة الإنسانية.

وتذكر الوثائق الكنسية أن الظلم لا يُعالج بظلم أكبر، وأن تصفية الخصوم هي علامة على ضعف الحجة الأخلاقية.

فالسيد المسيح، الذي كان ضحية لمؤامرة اغتيال سياسي-ديني، قدم نموذجاً في رفض العنف المسلح ضد الخصوم، قائلاً: “كل الذين يأخذون السيف، بالسيف يهلكون”.

بابا الفاتيكان يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في الشرق الأوسط

أمثلة من العصر الحديث: كيندي والدروس المستفادة

لا يقتصر الاغتيال على الشرق الأوسط؛ فالتاريخ الأمريكي الحديث مشوه بدم الأخوين جون وروبرت كيندي.

اغتيال جون كيندي عام 1963، ثم شقيقه روبرت في 1968، يظهر كيف يمكن للاغتيال أن يغير مسار أمة بأكملها.

تشير التحقيقات والتقارير المنشورة في “الأرشيف الوطني الأمريكي” إلى أن هذه الاغتيالات كانت تهدف لإيقاف مسارات سياسية معينة (مثل الحقوق المدنية أو إنهاء حرب فيتنام).

هذه الأمثلة تتقاطع مع اغتيال علي لاريجاني في كون الهدف هو “التغيير الجبري” لمسار التاريخ.

لكن الفارق أن اغتيال آل كيندي تم داخلياً، بينما الاغتيالات التي تنتهجها إسرائيل هي “عدوان خارجي عابر للحدود”، مما يجعلها أكثر خطورة على الأمن والسلم الدوليين.

علاقة اليهود المتشددين باغتيال القادة والأنبياء

بالعودة إلى الجذور التاريخية ، نجد أن التراث الديني والتاريخي يشير إلى صراع مرير بين الأنبياء وفئات من بني إسرائيل رفضت دعوتهم ولجأت للقتل.

يذكر القرآن الكريم بوضوح: “ويقتلون الأنبياء بغير حق”.

هذا النص ليس مجرد سرد ديني، بل هو توثيق لعقلية استئصالية قديمة.

اغتيال النبي يحيى (يوحنا المعمدان) كان بقرار سياسي مدفوع برغبات انتقامية، وكذلك محاولة تصفية عيسى عليه السلام.

هذه “السوابق التاريخية” تلقي بظلالها على الممارسات الصهيونية الحالية؛ حيث يرى المحللون في صحيفة “لوموند دبلوماتيك” (Le Monde Diplomatique) أن هناك “استمرارية أيديولوجية” في عقلية اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي يمزج بين التلمود المسيس وبين التكنولوجيا الحديثة لتنفيذ تصفيات ، معتبراً إياها “واجبات دينية” أو “ضرورات وجودية”.

الخلاصة: ما بعد اغتيال علي لاريجاني

إن سياسة الاغتيالات هي اعتراف ضمني بالفشل في المواجهة السياسية.

إن حادثة اغتيال علي لاريجاني، ومن قبله سلسلة العلماء والقادة، لن تجلب الأمن لإسرائيل، بل ستزيد من تعقيد المشهد.

النقاط الجوهرية التي يخلص إليها الموضوع:

  1. الاغتيال ليس قوة: بل هو دليل على انهيار المنطق الدبلوماسي للدولة التي تنتهجه.
  • تآكل القانون الدولي: إن الصمت الدولي تجاه اغتيال علي لاريجاني يشرعن لغابة عالمية لا مكان فيها للسيادة.
  • العقلية الاستئصالية: هي عقلية قديمة بدأت بقتل الأنبياء وتستمر اليوم بتصفية السياسيين، وهي تعكس خوفاً من الفكرة والكلمة.
  • الرد الأخلاقي: يتفق الإسلام والمسيحية والفكر الغربي الحر على أن القتل خارج إطار العدالة هو جريمة ضد الإنسانية.

في الختام، يبقى اغتيال علي لاريجاني وصمة عار جديدة في سجل السياسة الدولية المعاصرة، وتذكيراً بأن العالم الذي يغض الطرف

عن “الدولة القاتلة” سيجد نفسه يوماً ضحية لهذه الفوضى التي لا تعرف حدوداً ولا تحترم عهوداً.

إن دماء القادة، من الأنبياء قديماً إلى لاريجاني حديثاً، تبقى شاهدة على صراع بين منطق الحق ومنطق القوة الغاشمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى