المدونة

"راسبوتين": الرجل الذي قُتل مرتين.. مرة بالسكين والسم ومرة بالأساطير

في ليلة 30 ديسمبر 1916، رُمي جثمان رجلٍ في نهر نيفا المتجمد تحت جسر بتروفسكي في بتروغراد. كان اسمه غريغوري يفيموفيتش راسبوتين.

لم يكن مجرد راهب سيبيري أو معالج شعبي، بل تحول إلى رمزٍ يُستخدم حتى الآن لتفسير سقوط الإمبراطورية الروسية برمتها.

 قيل عنه كل شيء: قديس، شيطان، جاسوس ألماني، عشيق للقيصرة، ساحر، دجال، مخادع، شفيع للأمير المريض…

والحقيقة أن كل هذه الأقوال صحيحة وكاذبة في آن واحد.

لأن راسبوتين لم يكن شخصاً واحداً، بل أصبح مرآة تعكس مخاوف وأحقاد وأحلام مجتمع بأكمله كان على وشك الانهيار.

محاولة الاغتيال الأولى: السكين في بطن القديس

في 29 يونيو 1914، في قرية بوكروفسكوي مسقط رأسه في سيبيريا، كان راسبوتين عائداً من الكنيسة

عندما انقضت عليه امرأة غريبة تدعى خيونيا غوسيفا.

اختبأت خنجراً تحت شالها، ثم طعنته طعنة واحدة قوية في البطن فانفتحت أحشاؤه.

لم تمت غوسيفا المهمة، فركض راسبوتين مصاباً وهو يصرخ، فأمسك بعصا عربة وهشم رأسها بها، ثم انهار.

غوسيفا كانت من مدينة تساريتسين (فولغوغراد اليوم)، وكانت تتبع راهباً متطرفاً معادياً لراسبوتين يُدعى إليودور (سيرغي تروفيموف).

اتهم الكثيرون إليودور بأنه دبّر العملية، لكن لم يثبت شيء.

أُعلنت غوسيفا مجنونة وأُدخلت مصحة نفسية، ثم أطلقها كيرنسكي شخصياً بعد ثورة فبراير 1917، لتعاود الكرّة عام 1919 وتطعن البطريرك تيخون على درج كنيسة المخلص في موسكو!

حكمت عليها المحكمة السوفييتية… بالجنون أيضاً. اختفى أثرها بعد ذلك تماماً.

الأهم أن راسبوتين نجا من تلك الطعنة بأعجوبة، لكنه كان في المستشفى عندما اتخذ نيقولاي الثاني قرار دخول الحرب العالمية الأولى.

 قال راسبوتين لاحقاً: «لو كنت في بطرسبورغ لما سمحت للقيصر بهذا الانتحار الجماعي».

النبوءة المرعبة

كان راسبوتين يكرر دائماً: «إذا قتلني فلاحون أو عمال مثلي، فلن يصيب آل رومانوف مكروه كبير. أما إذا سفكت دمي أيدي النبلاء والأمراء،

فسوف تغرق روسيا في الدماء، وسيُمحى نسل رومانوف من على وجه الأرض». 

للأسف، تحققت النبوءة حرفياً.

ليلة القتل الحقيقية: 30 ديسمبر 1916

في قبو قصر يوسوبوف على ضفاف قناة مويكا، جلس الأمير فيليكس يوسوبوف، والدوق الأكبر دميتري بافلوفيتش (ابن عم القيصر)،

والنائب اليميني فلاديمير بوريشكيفيتش، والضابط سيرغي سوخوتين،

وربما (حسب وثائق بريطانية لاحقة) ضابط الاستخبارات البريطانية أوزوالد راينر.

الرواية الرسمية التي كتبها يوسوبوف في مذكراته (وبيعت ملايين النسخ): 

– دعوا راسبوتين ليلاً بحجة مقابلة زوجة يوسوبوف الجميلة إيرينا (التي كانت في القرم أصلاً!). 

– قدموا له كعكاً ونبيذاً مسموماً بسيانيد البوتاسيوم بكمية تكفي لقتل فيل. 

– لم يمت. 

– أطلق يوسوبوف رصاصة في صدره. 

– استيقظ راسبوتين وركض في الفناء. 

– أطلق بوريشكيفيتش رصاصتين في ظهره. 

– ثم أنهاه أحدهم برصاصة في الجبهة. 

– لفوه في سجادة ورموه في ثقب جليدي في النهر.

لكن تقرير الطب الشرعي يروي قصة مختلفة تماماً: 

– لا أثر للسم في الجثة (ربما كان السكر يعادل تأثير السيانيد). 

– الرصاصة في الجبهة أُطلقت من مسافة صفر تقريباً، أي أن أحدهم وقف أمامه وأنهاه وجهاً لوجه. 

– الرئتين مملوءتان بالماء: راسبوتين كان حياً عندما أُلقي في النهر، وحاول تحرير يديه المربوطتين، ومات غرقاً لا طلقاً نارياً.

من أطلق رصاصة الجبهة؟

في عام 2004، فتحت وثائق بريطانية جزئياً أظهرت رسالة من الضابط أوزوالد راينر إلى لندن: «العملية نجحت… الموضوع لم يعد يشكل خطراً».

كان البريطانيون يخشون أن يقنع راسبوتين القيصر بالصلح المنفرد مع ألمانيا، مما كان سيحرم الحلفاء من الجبهة الشرقية.

رصاصة الجبهة كانت بريطانية.

بعد القتل: حرق الجثة وتشتيت الرماد

بعد ثورة فبراير، أمر كيرنسكي بنبش الجثمان وحرقه سراً في غابة بولوفسكوي.

خافوا حتى من قبره. لم يبقَ من راسبوتين سوى صور وأساطير… وكتاب مذكرات ابنته ماتريونا (ماريا) التي هربت إلى فرنسا وعملت راقصة ومدربة أسود في السيرك، وكانت تُعلن على الملصقات: «ماريا راسبوتين، ابنة المجنون الشهير».

من كان راسبوتين فعلاً؟

أما إذا أردنا أن نروي القصة الحقيقية لراسبوتين فلم يكن قديساً ولا شيطاناً. كان فلاحاً سيبيرياً ذكياً جداً،

يمتلك موهبة حقيقية في تهدئة النزيف (ربما بالتنويم المغناطيسي)، وكان يعرف كيف يقرأ الناس.

لم يكن يعين الوزراء بنفسه، لكن القيصرة كانت تسأله أحياناً رأيه في شخص ما، فيكفي أن يقول «هذا رجل طيب»

أو «ابتعدي عن هذا» لتتغير مسارات الدولة.

كان يحب النساء والخمر، لكنه لم يكن «عشيق القيصرة» كما روجت الصحف الثورية.

تحقيق لجنة كيرنسكي الرسمية عام 1917 خلص إلى أن «مغامراته الجنسية لم تتجاوز الحفلات الليلية مع مغنيات وفتيات ليل وبعض المتوسلات»، وأن لا دليل على علاقات مع سيدات المجتمع العالي.

موت رجل وانهيار إمبراطورية

قُتل راسبوتين على يد أمراء ونبلاء وجاسوس بريطاني في 30 ديسمبر 1916. 

سقطت الملكية في 27 فبراير 1917. 

أُعدم القيصر وعائلته في 17 يوليو 1918.

تحققت نبوءته حرفياً: «بموتي تموت الإمبراطورية». 

وربما لهذا السبب لا يزال الناس حتى اليوم، بعد أكثر من قرن، يبحثون عن الحقيقة بين الدم والثلج والأكاذيب.

لأن راسبوتين لم يمت حقاً… هو ما زال يعيش في كل مرة نتساءل فيها: من أين تأتي السلطة؟

وكيف يمكن لرجل واحد، فلاح أمي، أن يهز عرش أكبر إمبراطورية في العالم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى