«حلاق إشبيلية»: مسرحية أشعلت الثورة الفرنسية ثم صارت أشهر أوبرا كوميدية في التاريخ
قبل 250 عاماً بالضبط (1775)، عُرضت في الكوميدي فرانسيز مسرحية «حلاق إشبيلية أو الاحتياط العبثي» لبيير أوغستين كارون دي بومارشيه، فهزّت فرنسا وأرعبت البلاط الملكي.
لويس السادس عشر وصفها بأنها «ثورة قابلة للتمثيل» لأنها تسخر بجرأة من سلطة النبلاء والأطباء والقضاة، وتمجّد ذكاء الشعب ممثلاً في شخصية فيغارو الماكر.
بعد 41 عاماً فقط (1816)، حوّل الموسيقار الإيطالي جواكينو روسيني المسرحية إلى الأوبرا الأيقونية «إيل باربييري دي سيفيليا»
التي تُعتبر حتى اليوم الأوبرا الكوميدية الأكثر عزفاً في العالم.
تتناول مسرحية حلاق إشبيلية قضايا الحب الحرّ، صراع الأجيال، حق المرأة في اختيار شريكها،
وانتصار الطبقة الدنيا على الامتيازات الإقطاعية –
رسائل ثورية جعلت المسرحية رمزاً لروح ما قبل الثورة الفرنسية، وما زالت تُضحك وتُحرّض ملايين المتفرجين كل عام.
ماهي قصة مسرحية حلاق إشبيلية ؟
في مدينة إشبيلية الإسبانية، يقع الكونت ألمافيفا في غرام الشابة الجميلة روزين، التي يحبسها وصيّها العجوز الدكتور بارثولو في المنزل تمهيداً للزواج منها قسراً.
يستعين الكونت بفيغارو – الحلاق والصيدلي الماكر والثرثار والعبقري – ليخترق هذا الحصن المغلق.
خلال يوم واحد فقط، نشهد سلسلة تنكّرات جنونية: الكونت يظهر أولاً جندياً سكيراً، ثم طالباً موسيقياً يُدعى «ألونزو»،
بينما يسرق فيغارو مفاتيح المنزل ويعالج الخدم والحيوانات بأدوية وهمية ليفسد حسابات بارثولو.
تتكدس الشخصيات داخل غرفة واحدة، تُرمى الرسائل من الشرفات، تُدار المؤامرات همساً، وتُدارى الأكاذيب بأكاذيب أكبر،
حتى يتم الزواج السري في اللحظة الأخيرة أمام كاتب العدل… ورغم أنف بارثولو المغلوب على أمره.

الشخصيات الرئيسية
– فيغارو: الحلاق إشبيلية، العقل المدبر واللسان السليط.
– الكونت ألمافيفا: عاشق نبيل يتنازل عن رتبته من أجل الحب.
– الدكتور بارثولو: الوصي الغيور المتسلط.
– روزين: الفتاة الذكية التي تتلاعب بالجميع من وراء ستار.
– دون بازيل: أستاذ الموسيقى الجبان والقابل للرشوة.
ملخص أحداث مسرحية «حلاق إشبيلية أو الاحتياط العبثي» لبومارشيه
الفصل الأول
في ساحة عامة في إشبيلية ليلاً، يتسلل الكونت ألمافيفا متخفياً بثياب عادية تحت شرفة روزين،
الفتاة الجميلة التي رآها في مدريد قبل ستة أشهر وتبعها حتى هنا.
يمر فيغارو (الحلاق والصيدلي والسمسار والكاتب والطبيب الشعبي في المدينة) وهو يغني أغنية مرحة بعنوان «لا تدعوا للكلمات أهمية».
يتعرف الكونت على فيغارو (الذي كان خادماً له سابقاً في مدريد) ويشرح له معاناته: يحب روزين لكنها محبوسة في بيت الدكتور بارثولو
الذي ينوي الزواج منها بنفسه ليستولي على ثروتها.
يوافق فيغارو فوراً على مساعدته مقابل مكافأة مالية، ويخبره أنه يدخل بيت بارثولو يومياً ليحلق له.
فجأة تطل روزين من الشرفة وترمي ورقة ملفوفة.
يلتقطها الكونت: فيها رسالة تطلب فيها من «لندور» (الاسم المستعار الذي سمعت به عن معجبها السري) أن يكشف عن هويته.
يقترح فيغارو أن يتنكر الكونت جندياً ويحصل على أمر إيواء عسكري يجبر بارثولو على استضافته.
الفصل الثاني (داخل بيت بارثولو)
روزين وحدها تكتب رسالة جوابية للندور. يدخل بارثولو غاضباً لأنه اكتشف بقعة حبر على أصبعها وورقة مفقودة.
يخرج دون بازيل (أستاذ الموسيقى والمتآمر مع بارثولو) ويخبره أن الكونت ألمافيفا في إشبيلية.
يقرر بارثولو تسريع عقد الزواج غداً ويطلب من بازيل إحضار كاتب العدل.
يدخل الكونت متنكراً جندياً سكيراً حاملاً أمر الإيواء ويصرخ «أريد سكناً!».
يرفض بارثولو بحجة أنه معفى من الإيواء، لكن الكونت يثير فوضى كبيرة ويتمكن من تسليم الرسالة لروزين سراً قبل أن يطرده الحراس.
الفصل الثالث
فيغارو يحلق بارثولو ويخبره أن المدينة كلها تتحدث عن «علاقة مشبوهة» بين زوجة بازيل وشاب مجهول، ليزرع شكوكاً إضافية.
يصل الكونت متنكراً هذه المرة كطالب موسيقى يُدعى «ألونزو» ويزعم أنه مرسل من دون بازيل المريض ليعطي درس الموسيقى بدلاً منه.
يحمل معه رسالة روزين ليثبت صدق كلامه.
يترك بارثولو الاثنين وحدهما قليلاً، فيكشف الكونت لروزين هويته الحقيقية ويخططان للهرب ليلاً.
يعود بارثولو مشككاً. يصل دون بازيل الحقيقي فجأة، فيضطر فيغارو والكونت لإسكاته بالرشوة وبالتهديد
حتى يؤكد أنه «مريض فعلاً» ولم يرسل أحداً.
يخرج بازيل، لكن بارثولو يستراب أكثر.
الفصل الرابع
بارثولو يذهب إلى روزين ويُريه الرسالة التي أعطاها الكونت له في التنكر الثاني،
مدعياً أن لندور يخدعها ويريد تسليمها لصديقه ألمافيفا مقابل المال.
تصدقه روزين غاضبة وتكشف له خطة الهروب الليلي لكي يمسك بالكونت متلبساً.
في منتصف الليل، يتسلق الكونت وفيغارو إلى شرفة روزين بالسلم. تخرج غاضبة وتواجه الكونت بالخيانة.
ينزع الكونت التنكر ويكشف أنه هو لندور وهو ألمافيفا معاً. تسامحه روزين فوراً ويهمون بالهروب، لكنهم يكتشفون أن السلم أُزيل (بارثولو فعلها).
في تلك اللحظة يصل دون بازيل مع كاتب العدل لعقد زواج بارثولو وروزين. بسرعة خارقة،
يقنع الكونت وفيغارو كاتب العدل بأن العريس الحقيقي هو الكونت، ويعطيان بازيل رشوة كبيرة ليوقّع شاهداً.
يدخل بارثولو مع الحراس والقاضي ليمسك بالخاطفين، لكنه يجد الزواج قد تم قانونياً.
يهدده الكونت بمحاسبته على أموال روزين التي نهبها، فيضطر بارثولو للتوقيع على إذن الزواج مرغماً.
ينتهي العمل بكورس مرح وفيغارو يخاطب الجمهور:
«عندما يحب الشباب بعضهما… كل احتياط في الدنيا عبثي!»
بهذا تنتصر الشباب والذكاء والحب على السلطة والمال والشيخوخة في أقل من 24 ساعة… وفي بيت واحد فقط!
رسالة سياسية تحت قناع الضحك
وراء الفوضى المرحة، يقدّم بومارشيه نقداً لاذعاً لسلطة الطبقة الأرستقراطية والمال والسنّ على حساب شباب الحب والذكاء الشعبي.
فيغارو – ابن الشعب – هو البطل الحقيقي الذي يهزم النبلاء والأطباء والقضاة بلسانه ودهائه فقط،
وهو ما جعل لويس السادس عشر يصف المسرحية بأنها «ثورة في قالب كوميدي» ويحاول منع عرضها لسنوات.
أرقام وإنجازات
– عُرضت لأول مرة يوم 23 فبراير 1775 في مسرح الكوميدي فرانسيز.
– فشلت في الليلة الأولى بسبب طولها، فأعاد بومارشيه كتابتها في 4 أيام فقط وقصّرها، فعادت في الليلة الثانية لتحقق نجاحاً مدوّياً استمر حتى اليوم.
– تُرجمت إلى الإنجليزية عام 1776، أي بعد عام واحد فقط من كتابتها.
– ألهمت أوبرا روسيني الشهيرة (1816) التي تُعتبر من أشهر الأوبرات الكوميدية في التاريخ،
وكذلك حلقة لوني تيونز الخالدة «الأرنب الإشبيلي» (The Rabbit of Seville).



