تقرير

لغز الـ 13 يوماً: هل تبتلع الصين تايوان بينما تنشغل أمريكا بحربها المدمرة ضد إيران؟"

في الوقت الذي يتجه فيه تركيز العالم بأسره نحو منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً نحو تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران،

رصد الجيش التايواني ظاهرة غريبة وغير مسبوقة في المجال الجوي القريب من الجزيرة.

هذا الحدث لم يكن مجرد حادث عابر، بل كان إشارة استخباراتية أثارت حيرة المحللين العسكريين حول العالم.

ما حدث فعلياً هو أنه قبل ساعات قليلة من انطلاق الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الشامل على إيران،

وتحديداً في يوم 27 فبراير من عام 2026، اختفى الطيران الحربي الصيني تماماً من المجال الجوي القريب من تايوان.

ومنذ ذلك اليوم، ولمدة قاربت الأسبوعين، ساد حالة من الهدوء المريب والمفاجئ في المنطقة.

لماذا يعتبر هذا الهدوء “مريباً” من منظور استراتيجي؟

قد يتساءل البعض: لماذا نعتبر غياب الطائرات الحربية أمراً يدعو للقلق؟ الإجابة ببساطة تكمن في نمط السلوك الصيني خلال العقد الماضي.

فالصين كانت ترسل طائراتها الحربية بشكل شبه يومي إلى المجال الجوي القريب من تايوان،

في استعراض مستمر للقوة العسكرية وتأكيداً على رغبتها في ضم الجزيرة التي تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.

في تعليقه على هذا التطور، قال بين لويس، مؤسس منصة البيانات المفتوحة المتخصصة في تعقب التحركات العسكرية الصينية حول تايوان واليابان وبحر الصين الجنوبي (PLA Tracker)، في تصريحات لشبكة CNN: “إن ما حدث خلال تلك الفترة لا يشبه أي شيء رأيناه في التاريخ الحديث من حيث نشاط الجيش الصيني حول تايوان“.

لقد عاد الطيران الحربي الصيني للظهور مرة أخرى في 12 مارس، لكن ذلك الانقطاع المفاجئ الذي استمر لـ 13 يوماً طرح أسئلة جوهرية:

 لماذا فعل الصينيون ذلك؟ أين كانوا طوال تلك الفترة؟ وما الذي يخططون له في الخفاء؟

توقيت الحادثة: الولايات المتحدة بين مطرقة تايوان وسندان إيران

إن سر الاهتمام العالمي بهذا الاختفاء يكمن في “التوقيت”.

فقد تزامنت هذه الحركة مع انخراط الولايات المتحدة—الشريك والضامن الأمني الأساسي لتايوان—في حرب مدمرة ضد إيران إلى جانب إسرائيل.

هذه الحرب تستنزف حالياً كل تركيز الجيش الأمريكي وتقريباً جزءاً كبيراً جداً من موارده العسكرية واللوجستية.

والأخطر من ذلك، أن موعد خروج واشنطن من هذه الحرب غير معروف، خاصة بعد أن خرجت الأمور عن السيطرة إلى حد كبير.

وهنا تبرز التساؤلات المنطقية: هل يمكن للصين أن تستغل انشغال واشنطن لتنفيذ هجوم خاطف على تايوان وضمها بالقوة؟

وإذا حدث ذلك، كيف سيكون رد فعل الولايات المتحدة؟

هل ستترك جبهة إيران لتهرع إلى تايوان، أم ستضحي بالجزيرة لتكمل حربها في الشرق الأوسط؟

متى تغزو الصين تايوان ؟ هل بدأ العد التنازلي للحرب العالمية؟

درس التاريخ: قصة مجموعة “لوتي” ونظام الدفاع الجوي “ثاد

لفهم أبعاد الصراع الحالي، يجب أن نعود بالذاكرة إلى 27 فبراير 2017.

في ذلك الوقت، أعلنت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية أن مجلس إدارة مجموعة “لوتي” (واحدة من أكبر الشركات في كوريا الجنوبية)

وافقت على مبادلة قطعة أرض تملكها في منطقة “سيونجو” بقطعة أرض أخرى تابعة للحكومة.

بمجرد إعلان هذا القرار، فُتحت “أبواب الجحيم” على الشركة في الصين.

كانت “لوتي” تملك واحدة من أكبر سلاسل متاجر التجزئة في الصين، وكانت محبوبة ولديها سوق ضخم،

لكن المستهلكين الصينيين رفعوا فجأة شعار “اخرجوا من الصين.. لا نريد خونة”.

ما السبب؟

الأرض التي تنازلت عنها “لوتي” كانت ملعب جولف، وكانت الحكومة الكورية الجنوبية تحتاجها لنشر نظام الدفاع الجوي الصاروخي الأمريكي ثاد” (THAAD).

ورغم أن الهدف المعلن كان حماية كوريا الجنوبية من جارتها الشمالية، إلا أن الصين اعتبرت الخطوة موجهة ضدها.

لماذا تخشى الصين رادار نظام “ثاد”؟

النظام الأمريكي كان يبعد أكثر من 1000 كيلومتر عن حدود الصين، ولكن بكين ظلت رافضة بشدة.

السبب الرئيسي هو رادار AN/TPY-2 الملحق بالنظام، والذي يتمتع بقدرة نظرية على مراقبة ورصد مسارات الصواريخ والنشاط العسكري في شرق وشمال شرق الصين.

حتى روسيا أعربت عن مخاوف مشابهة، لكن الاعتراض الصيني كان الأعنف.

لجأت الصين لعقاب الكوريين اقتصادياً عبر حملات مقاطعة واسعة كلفت كوريا الجنوبية في عام 2017 وحده أكثر من 7.5 مليار دولار.

ورغم هذه الخسائر الفادحة، لم تتراجع سيول بدعم من واشنطن، واكتمل نشر المنظومة في سبتمبر 2017 لتصبح العمود الفقري للدفاعات الكورية.

مفارقة عام 2026: أمريكا تسحب نظام “ثاد” من كوريا

بعد مرور سنوات على تلك الأزمة، وتحديداً في عام 2026، تفاجأ الكوريون الجنوبيون بأن الولايات المتحدة تريد سحب أجزاء مهمة من نظام “ثاد” لتركهم في العراء أمام “كيم جونغ أون”.

السبب هو وقوع الجيش الأمريكي في ورطة كبرى مع إيران.

في الأيام الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران (نهاية فبراير 2026)، نجح الإيرانيون في استهداف عدد من أنظمة الدفاع الجوي والرادارات الأمريكية في المنطقة،

بما في ذلك رادار نظام “ثاد” المنشور في الأردن، وفقاً لما ذكرته صحيفة وول ستريت جورنال.

وبسبب استحالة تصنيع رادار جديد في وقت قياسي أثناء الحرب، كان الحل الأمريكي الأسرع هو “تفكيك” المكونات من مناطق أخرى.

اتجهت الأنظار فوراً إلى كوريا الجنوبية.

كشفت صحيفة واشنطن بوست أن الجيش الأمريكي بدأ بالفعل في تفكيك أجزاء من نظام “ثاد” في كوريا لنقلها إلى الشرق الأوسط.

هذا الإجراء ولد شعوراً بالخوف والإحباط لدى الكوريين، وتساءل الكثيرون: لماذا تحملنا كل تلك المتاعب الاقتصادية والسياسية مع الصين

من أجل نظام يمكن لصاحبه (أمريكا) أن يسحبه في أي لحظة ويتركنا دون حماية؟

الصين تراقب وتستفيد: “نكسة” لجهود الاحتواء الأمريكية

بينما تعاني واشنطن وسيول، تقف الصين في الزاوية تراقب بـ “شماتة” استراتيجية.

الحرب على إيران، رغم مخاطرها، تعتبر مفيدة جداً لبكين لأنها تشكل نكسة للجهود الأمريكية المستمرة منذ 15 عاماً لاحتواء الصعود الصيني.

منذ عام 2011، وتحديداً في عهد باراك أوباما، أعلنت واشنطن سياسة التحول نحو آسيا” (Pivot to Asia).

كانت هذه السياسة تهدف لضمان عدم هيمنة الصين على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مستغلة انشغال أمريكا سابقاً بحروب أفغانستان

والعراق والأزمة المالية في 2008.

حتى في عهد ترامب وبايدن، ظلت الصين هي “الأولوية الأمنية القصوى”.

وفي 12 فبراير 2025، صرح وزير الدفاع الأمريكي (وزير الحرب كما يُسمى في بعض السياقات) بيت هيكسيث بوضوح أن أمن أوروبا

ليس الأولوية، بل أمن الحدود الأمريكية وردع “الصين الشيوعية”.

لكن اليوم، تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة لتقليص التزاماتها في آسيا بسبب الحرب الإيرانية.

في يناير 2026، تحركت حاملة الطائرات يو إس إبراهام لينكولن من منطقة المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط،

مما ترك ثغرة أمنية كبيرة، خاصة وأن حاملة الطائرات يو إس جورج واشنطن لا تزال في الصيانة باليابان ولن تتوفر قبل النصف الثاني من 2026.

استنزاف الترسانة العسكرية: أرقام مرعبة من جبهة القتال

الحرب على إيران تحولت إلى محرقة للموارد الأمريكية.

في 9 مارس، كشفت واشنطن بوست أن الجيش الأمريكي استهلك ذخائر بقيمة 5.6 مليار دولار في أول يومين فقط من الحرب.

وبحلول اليوم السادس، بلغت التكلفة أكثر من 11.3 مليار دولار.

تخيل حجم الكارثة اللوجستية:

  1. صاروخ توماهوك: تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد حوالي 3.6 مليون دولار.
  2. الميزانية السنوية: كانت البحرية الأمريكية قد خصصت ميزانية لشراء 57 صاروخ توماهوك فقط لعام 2026 بالكامل.
  3. الاستهلاك الفعلي: استخدم الأمريكيون 168 صاروخ توماهوك في أول 100 ساعة فقط من الحرب!

هذا الاستنزاف طال أيضاً الصواريخ الاعتراضية لأنظمة باتريوت وثاد.

وبحسب رويترز، فإن تعويض هذه المخزونات سيستغرق سنوات، مما يضعف جاهزية الدفاع عن تايوان بشكل خطير.

ترامب يعلن تأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية ومفاوضات جيدة مع طهران

نافذة ديفيدسون (Davidson Window) واقتراب لحظة الحسم

المثير للقلق هو أننا نقترب من نهاية ما يُعرف بـ نافذة ديفيدسون.

في مارس 2021، توقع الادميرال فيليب ديفيدسون أن الصين ستكون جاهزة لتهديد تايوان بحلول عام 2027.

إذا انتهت الحرب على إيران بنكسة سياسية لترامب، فقد تصبح إدارته أكثر حذراً في التدخلات الخارجية، وهو ما يمثل “فرصة العمر” للصين.

فمن مصلحة بكين (وكذلك موسكو) أن تصمد إيران وتستنزف قدرات الجيش الأمريكي لأطول فترة ممكنة.

الدعم الصيني لإيران: نظام “بيدو” كبديل لـ “GPS”

كشف ألان جويليه، المدير السابق للاستخبارات الخارجية الفرنسية، أن دقة الاستهداف الإيراني في الحرب الحالية تثير التساؤلات.

ويرجح أن الصينيين أتاحوا لإيران الوصول لنظام الملاحة بالأقمار الصناعية الصيني بيدو” (Beidou).

على عكس نظام GPS الذي يمكن للأمريكيين تعطيله أو التشويش عليه، لا يملك الجيش الأمريكي سلطة على النظام الصيني،

مما منح الصواريخ الإيرانية دقة قاتلة في ضرب الأصول الأمريكية.

معضلة مضيق هرمز ومصالح الصين التجارية

رغم دعمها الضمني لإيران، تواجه الصين تحدياً كبيراً يتمثل في إغلاق مضيق هرمز.

أغلب النفط الخليجي وكل النفط الإيراني يتجه لآسيا، وتحديداً للصين.

إغلاق المضيق يمثل ضربة للاقتصاد العالمي، لكن الصين استعدت لذلك ببناء مخزون استراتيجي ضخم يصل إلى 1.2 مليار برميل،

ما يعادل 115 يوماً من وارداتها النفطية المنقولة بحراً.

كما أن ناقلات النفط الإيرانية هي الوحيدة التي تمر بسلام من المضيق حالياً، كما أن السعودية تستخدم خط “شرق-غرب”

لنقل نفطها عبر البحر الأحمر بعيداً عن هرمز، وهو ما يوفر للصين قدراً من الارتياح المؤقت.

الخلاصة وتساؤلات المستقبل

إن الصين توازن حالياً بين المخاطر والمكاسب.

فمن جهة، تتضرر تجارتها وإمدادات الطاقة، ومن جهة أخرى، ترى عدوها اللدود (الولايات المتحدة) يغرق في مستنقع الشرق الأوسط ويستنزف مخزونه من أحدث الأسلحة التي كانت معدة أساساً لمواجهة الصين.

فهل يمتلك الجيش الأمريكي القدرة الحقيقية على خوض حربين في مسرحين مختلفين (إيران والصين) في وقت واحد؟

وإذا قرر الرئيس الصيني “شي جين بينغ” أن عام 2026 هو الوقت المناسب لضم تايوان، فهل ستتمكن واشنطن من الاستدارة عسكرياً للدفاع عن الجزيرة؟

المصدر: المخبر الاقتصادي بلس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى