“زلزال في دافوس”: ترامب يعلن “انتصار الرأسمالية الأمريكية” ويضع أوروبا أمام خيارات قاسية في خطاب “السيادة المطلقة”
في مشهد حبس أنفاس النخبة العالمية التي تجمعت في “جبال الألب” السويسرية، ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم الأربعاء خطاباً تاريخياً في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي،
خطاب ترامب في دافوس لم يكن مجرد عرض للمنجزات الاقتصادية، بل كان بمثابة “بيان سياسي” أعاد فيه صياغة قواعد الاشتباك الدولي.
وعلى الرغم من التأخير الذي دام ساعات بسبب عطل فني في الطائرة الرئاسية، إلا أن وصول ترامب المتأخر أضفى صبغة من الدراما على الحدث، ليخرج بخطاب استمر لأكثر من ساعة، واصفاً بلاده بأنها “الملاذ الآمن الوحيد في عالم يسوده الاضطراب”.
المقدمة: عودة “الإعصار” إلى الألب
منذ اللحظة التي اعتلى فيها المنصة، كان من الواضح أن ترامب لم يأتِ لتقديم غصن زيتون للنخب الاقتصادية التي طالما انتقد بعضها. بل جاء ليؤكد أن رؤيته “أمريكا أولاً” قد أصبحت هي المعيار العالمي للنجاح.
افتتح ترامب كلمته بالتطرق إلى واقعة تعطل طائرته “إير فورس وان”، محولاً إياها إلى استعارة سياسية، حيث قال: “حتى التكنولوجيا تتعطل أحياناً، لكن الإرادة الأمريكية لا تنكسر أبداً.
عدنا بطائرة أخرى، وعدنا بروح أقوى، تماماً كما عادت أمريكا من رماد التضخم والركود لتتصدى لقيادة العالم”.
المحور الأول: “المعجزة الاقتصادية” وهزيمة التضخم
بدأ الرئيس ترامب الجزء الأكبر من خطابه بالحديث عن الأرقام.
وبلغة صحفية استقصائية، استعرض ترامب ما وصفه بـ”أعظم نهضة اقتصادية في تاريخ البشرية”.
أكد أن الولايات المتحدة نجحت خلال فترة وجيزة في ترويض “وحش التضخم” الذي كان يهدد بانهيار الطبقة الوسطى.
وقال ترامب: “عندما تسلمنا المهمة، كان العالم يتوقع الركود، لكننا قدمنا لهم الرخاء.
لقد خفضنا الضرائب، وألغينا البيروقراطية الخانقة، واليوم، الولايات المتحدة تنمو بمعدلات تجعل بقية دول مجموعة السبع تبدو وكأنها في حالة ركود دائم”.
وشدد على أن سوق الأوراق المالية الأمريكي أضاف تريليونات الدولارات من القيمة السوقية، مما جعل “الحلم الأمريكي” متاحاً مرة أخرى لكل مواطن، وليس فقط للنخب الموجودة في قاعات دافوس.
المحور الثاني: الهجوم القاسي على أوروبا “التائهة“
ربما كان الجزء الأكثر إثارة للجدل في الخطاب هو النقد اللاذع الذي وجهه للاتحاد الأوروبي وقادته. بلهجة لم تخلُ من التحذير، قال ترامب إن “أوروبا تسير في طريق مسدود”.
وانتقد بشدة السياسات التنظيمية والبيئية الصارمة في القارة العجوز، معتبراً أنها “انتحار اقتصادي”.
وأضاف: “أرى عواصم أوروبية لم تعد تشبه نفسها.
أرى مصانع تغلق أبوابها بسبب تكاليف الطاقة المرتفعة واللوائح الغبية.
إذا استمرت أوروبا في هذا النهج، فإنها لن تكون قادرة على المنافسة، بل لن تكون قادرة على حماية نفسها”.
ووجه رسالة مباشرة للقادة الأوروبيين بضرورة “الاستيقاظ من غيبوبة العولمة” والعودة إلى حماية مصالحهم الوطنية قبل فوات الأوان، مؤكداً أن أمريكا لن تستمر في تحمل عبء حماية قارة ترفض حماية اقتصادها.
المحور الثالث: مفاجأة “غرينلاند” والسيادة الجيوسياسية
عاد ترامب لإثارة ملف “غرينلاند” مجدداً، لكن هذه المرة بجدية أكبر ومن منصة دولية.
وأعلن رغبته في فتح مفاوضات رسمية وفورية للاستحواذ على الجزيرة، معتبراً إياها “ضرورة استراتيجية” للأمن القومي الأمريكي ولحماية القطب الشمالي.
وقال ترامب: “غرينلاند مكان عظيم، وموقعه استراتيجي للغاية. نحن نتحدث عن مستقبل الطاقة، ومستقبل المعادن النفيسة، ومستقبل الدفاع. الدنمارك حليف مقرب، لكن عليهم أن يفهموا أن مصلحة الناتو ومصلحة الغرب تتطلب أن تكون غرينلاند تحت الإدارة الأمريكية الكاملة”.
وحاول تخفيف حدة التصريح بقوله إن هذا “ليس تهديداً، بل هو صفقة القرن التي ستفيد الجميع”.
المحور الرابع: “الناتو” ومستقبل التحالفات العسكرية
ولم يفوت خطاب ترامب في دافوس الفرصة لمهاجمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” من جديد.
وصف الحلف بصيغته الحالية بأنه “عفا عليه الزمن” ويشكل عبئاً على دافع الضرائب الأمريكي.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تقدم “الموت والدم والمال” في نزاعات دولية لا تعود بالنفع على الشعب الأمريكي.
وقال بنبرة حادة: “لماذا ندفع ثمن حماية دول لا تدفع حتى فواتيرها؟ لماذا نموت في حروب غبية لا تنتهي؟”.
وطالب بإعادة هيكلة شاملة للحلف، مهدداً بأن الولايات المتحدة ستمضي قدماً في مسارها الخاص إذا لم يقم الحلفاء بزيادة مساهماتهم بشكل جذري وفوري، مؤكداً أن “زمن الشيكات المفتوحة قد انتهى إلى غير رجعة”.
المحور الخامس: الذكاء الاصطناعي وحرب التكنولوجيا مع الصين
انتقل ترامب في خطاب دافوس إلى ملف التكنولوجيا، مشدداً على أن الولايات المتحدة تخوض “حرباً وجودية” في مجال الذكاء الاصطناعي.
وأكد أن بلاده تتفوق حالياً بفارق شاسع على الصين، لكنه حذر من التهاون.
وأوضح: “الذكاء الاصطناعي هو النفط الجديد، وهو السلاح الجديد.
لن نسمح للصين أو لأي دولة أخرى بسطو ملكيتنا الفكرية أو التفوق علينا في هذا المجال.
نحن نستثمر مئات المليارات، وسوف نتأكد من أن القواعد التي تحكم هذا العالم الرقمي تُكتب في واشنطن وليس في بكين”.
كما انتقد شركات التكنولوجيا الكبرى التي لا تتماشى مع المصالح الوطنية الأمريكية، مطالباً إياها بـ”الولاء للوطن الذي سمح لها بالنمو”.
المحور السادس: الطاقة النووية والتحرر من “وهم” المناخ
في تحدٍ واضح للأجندة الخضراء التي يروج لها منتدى دافوس عادة، دافع خطاب ترامب في دافوس بقوة عن الوقود الأحفوري والطاقة النووية.
ووصف التحول السريع نحو الطاقة المتجددة بأنه “وهم خطير” يهدد أمن الطاقة العالمي.
وقال: “لقد أصبحت أمريكا أكبر منتج للطاقة في التاريخ.
نحن نصدر الحرية على شكل غاز طبيعي ونفط.
وسوف نبني مئات المفاعلات النووية الجديدة الصغيرة والمتطورة.
لن نسمح للنشطاء المتطرفين بتدمير صناعتنا بينما تقوم دول أخرى ببناء محطات فحم كل أسبوع”.
وأكد أن “البيئة النظيفة تبدأ باقتصاد قوي، وليس بالفقر المفروض”.
المحور السابع: الهجرة والحدود كنموذج عالمي
تطرق ترامب أيضاً إلى ملف الهجرة، معتبراً أن سياساته المتشددة في حماية الحدود الأمريكية هي “النموذج الذي يجب أن تتبعه أوروبا لإنقاذ نفسها”.
وانتقد ما وصفه بـ”الحدود المفتوحة” التي تؤدي إلى ضياع الهوية الوطنية وزيادة معدلات الجريمة.
وأكد: “الدولة بدون حدود ليست دولة. نحن نبني الجدار، ونقوم بأكبر عملية ترحيل في التاريخ، وهذا هو السبب في أن أمريكا أصبحت آمنة مرة أخرى.
أوصي أصدقائي في أوروبا بأن يفعلوا الشيء نفسه إذا أرادوا الحفاظ على ثقافاتهم وتاريخهم”.
كواليس وأجواء المنتدى: صمت وذهول
سادت حالة من الصمت والوجوم في قاعة المؤتمر الكبرى أثناء خطاب ترامب.
وبينما كان بعض الحاضرين يدونون الملاحظات بجدية، بدت علامات عدم الارتياح على وجوه العديد من القادة الأوروبيين والنشطاء البيئيين.
ويرى المحللون أن خطاب ترامب اليوم في دافوس يمثل “قطيعة نهائية” مع النظام العالمي القديم.
فهو لم يعد يتحدث كزعيم لدولة ضمن نظام دولي، بل كزعيم يفرض شروطه على هذا النظام.
ردود الأفعال الأولية
فور انتهاء الخطاب، بدأت ردود الأفعال الدولية في التوالي.
- في بروكسل: وصفت مصادر في الاتحاد الأوروبي الخطاب بأنه “عدائي وغير بناء”، محذرة من أن تصريحات ترامب قد تؤدي إلى حرب تجارية شاملة.
- في كوبنهاغن: سارع المسؤولون الدنماركيون إلى رفض فكرة بيع غرينلاند، واصفين إياها بـ”المستحيلة وغير المنطقية”.
- في الأسواق المالية: شهد الدولار الأمريكي ارتفاعاً ملحوظاً فور حديث ترامب عن قوة الاقتصاد وهزيمة التضخم، بينما تراجعت بعض العملات الأوروبية.
الخاتمة: عالم ترامب الجديد
اختتم ترامب خطابه بكلمات قوية قال فيها: “المستقبل لا ينتمي للعولميين، المستقبل ينتمي للوطنيين.
المستقبل ينتمي للدول القوية والسيادة المطلقة.
أمريكا عادت، وهي تقود الطريق، ومن يريد اللحاق بنا فأهلاً به، ومن يريد البقاء في الماضي فسوف يتركه التاريخ خلفه”.
بهذا الخطاب، يكون ترامب قد وضع “دافوس 2026” في خانة الأحداث التاريخية التي قد تغير مسار العلاقات الدولية لسنوات قادمة.
لقد كان خطاباً للسيادة، والقوة، وإعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية بأسلوب “ترامبي” بامتياز، لا يعرف المواربة ولا يخشى الصدام.
تحليل إخباري:
يُظهر هذا الخطاب أن ترامب 2026 أكثر ثقة وخبرة في استخدام المنصات الدولية لتمرير أجندته المحلية.
إن التركيز على “غرينلاند” و”الناتو” و”انهيار أوروبا” ليس مجرد تصريحات عابرة، بل هو استراتيجية تهدف إلى إعادة تموضع الولايات المتحدة كقوة لا غنى عنها، مع تقليص التزاماتها الدولية التي لا تخدم مصالحها المباشرة.
الكرة الآن في ملعب القادة الدوليين: هل يواجهون هذا المد، أم يحاولون التكيف مع “العالم وفقاً لترامب”؟


