دراما رمضان 2026: خريطة كاملة للأكشن والكوميديا.. لماذا غابت المسلسلات الدينية والتاريخية؟
بينما تستعد الشاشات العربية لاستقبال موسم جديد من التنافس الفني المحموم، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على مائدة النقد:
أين ذهبت الهوية الروحية والتاريخية لشهر الصيام في “دراما رمضان 2026″؟
فالمشهد الحالي، رغم ضخامة إنتاجه، يبدو وكأنه انسلخ تماماً عن تراث عريق كان يربط المشاهد العربي بجذوره
من خلال المسلسلات الدينية والتاريخية، ليحل محلها “طوفان” من أعمال الأكشن والكوميديا والدراما الشعبية.
غياب القدوة التاريخية في خريطة رمضان 2026
مع الإعلان عن القائمة الكاملة لمسلسلات رمضان 2026، نجد أنفسنا أمام تخمة من الأنماط المعاصرة.
فمن خلال متابعة أخبار النجوم في موسم رمضان، نلحظ أن هيمنة مسلسلات الأكشن والتشويق باتت هي السمة الغالبة.
فمصطفى شعبان يعود بمسلسل “درش”، ومحمد إمام يقدم “الكينج”، وأمير كرارة يواصل حضوره في “رأس الأفعى”.
ورغم أهمية هذه الأعمال فنياً وجماهيرياً، إلا أنها تعكس تجاهل الشركات المنتجة للدراما التاريخية والدينية بشكل يثير الريبة.

إن المشاهد العربي، الذي اعتاد على لغة الضاد الفصحى وسير الصحابة والملوك، يجد نفسه اليوم محاصراً بين مطاردات “الكينج” وصراعات “عباس الريس” الذي يقدمه عمرو سعد.
هذا التحول الجذري يجعلنا نستحضر ما حدث في دراما رمضان 2025، حيث بدأ المؤشر يميل بوضوح نحو “تغريب” المحتوى الرمضاني عن سياقه الزماني والمكاني المرتبط بالشهر الكريم.
رسالة انتقادية للشركة المتحدة و”إم بي سي”: الدراما ليست “تريند” فقط
يجب أن نوجه لوماً صريحاً إلى استراتيجية الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية ومجموعة “إم بي سي” (MBC).
فباعتبارهما قطبي الإنتاج الأكبر في المنطقة، يقع على عاتقهما مسؤولية صون الهوية الثقافية.
إن تغييب المسلسلات الدينية عن شاشة رمضان ليس مجرد صدفة، بل يبدو كقرار تجاري بحت يعتمد على “حسابات الربح والخسارة”
و”تفضيلات المعلنين”، متجاهلين أن الدراما التاريخية هي التي تعيش في وجدان الشعوب.
لقد كانت دراما رمضان 2025 تمثل فرصة لمراجعة هذه السياسات، ولكن بدلاً من الإصلاح، وجدنا استمراراً في تغليب “النمط الاستهلاكي”.
إن الاعتماد على “الأكشن” مثل مسلسل “علي كلاي” لـأحمد العوضي أو الأعمال التشويقية مثل “فن الحرب” ليوسف الشريف،
وإن كانت تحقق نسب مشاهدة عالية، إلا أنها تترك فجوة ثقافية لا يمكن لقصص “الجريمة” أو “الرومانسية” في مسلسل “وننسى اللي كان” لياسمين عبد العزيز أن تملأها.
دروس من الماضي: الحشاشين، رسائل الإمام، ومعاوية
بالنظر إلى المحاولات الخجولة في السنوات الأخيرة، نجد أن المسلسلات التاريخية التي عُرضت واجهت عواصف من الجدل لم تكن فنية دائماً،
بل كانت سياسية بامتياز.
في عام 2023، قدم مسلسل “رسائل الإمام” صورة عن الشافعي، لكنه لم يسلم من انتقادات حول دقة اللغة والرسائل الضمنية.
وفي عام 2024، جاء مسلسل “الحشاشين” كإنتاج عالمي مبهر، لكنه وُصم بمحاولة إسقاط جماعات تاريخية على واقع سياسي معاصر،
مما أفقده جزءاً من قيمته التاريخية الخالصة.
دليلك الشامل لمتابعة مسلسلات سورية رمضان 2026: عودة السياسة والجرأة الدرامية
أما في دراما رمضان 2025، فقد تركزت الأنظار على مسلسل “معاوية” الذي أثار لغطاً واسعاً حتى قبل عرضه،
مما أدى إلى تأجيله أو تعثر وصول رسالته بشكل هادئ.
هذه الأعمال، رغم جودتها الإنتاجية، جعلت المنتجين يهربون في عام 2026 إلى “المناطق الآمنة”
مثل الكوميديا الاجتماعية في “المتر سمير” لكريم محمود عبد العزيز،
أو الأجزاء الثانية كمسلسل “النص” لأحمد أمين، خوفاً من الصدامات الفكرية أو التكاليف الباهظة للإنتاج التاريخي.
إن العبء الذي تركته دراما رمضان 2025 من حيث الجدل السياسي جعل الشركات المنتجة تفضل “تسطيح” المحتوى
بدلاً من مواجهة تحديات التاريخ.
التنوع الدرامي ومأزق “القضايا الإنسانية“
تزخر خريطة 2026 بأعمال مثل “حكاية نرجس” لريهام عبد الغفور و”تحت الحصار” لمنة شلبي،
وهي أعمال تناقش قضايا المرأة والأسرة في الدراما العربية نتمنى أن يكون بعمق يحترم عقل المشاهد.
كما يبرز ماجد الكدواني في “كان ياما كان” وآسر ياسين في “اشهد يا ليل” لتقديم معالجة القضايا النفسية والاجتماعية في المسلسلات.
لكن، هل يغني هذا “العمق النفسي” عن “العمق التاريخي”؟

الجمهور الذي يبحث عن “الدراما الشعبية” في “أولاد الراعي” بمشاركة ماجد المصري وخالد الصاوي،
هو نفسه الذي يتوق لرؤية عمل يتحدث عن الفتوحات الإسلامية أو تاريخ الأندلس أو سير العلماء.
إن حصر “الأصالة” في البيئة الشعبية فقط هو اختزال مخل لثقافة أمة تمتد جذورها لآلاف السنين.
في دراما رمضان 2025، كان هناك بصيص أمل بعودة هذه النوعية، لكن يبدو أن المنتجين قرروا إغلاق هذا الملف في 2026
والاكتفاء بوجوه شابة وأعمال تجارية مثل “بيبو” و”أب ولكن” و”مين ما بيحبش مودي”.
لماذا يطلب الجمهور الدراما التاريخية؟
إن أهمية المسلسلات التاريخية في تشكيل الوعي العربي لا يمكن إنكارها.
ففي ظل الانفتاح التكنولوجي، يحتاج الشباب إلى نماذج من تاريخهم تُقدم بصورة عصرية ومبهرة.
الشركات المنتجة تتحجج بأن الشباب لا ينجذبون للغة الفصحى، ولكن نجاح أعمال مدبلجة أو عالمية تاريخية يثبت عكس ذلك.
المشكلة تكمن في ضعف كتابة السيناريو للأعمال التاريخية وفي “الاستسهال الإنتاجي”.
لقد كانت دراما رمضان 2025 مرآة عكست رغبة الجمهور في تنوع حقيقي، ولكن الرد جاء بمزيد من “الأكشن” في 2026.
إن تجاهل هذا القطاع العريض من المتابعين الذين يرون في رمضان موسماً للروحانيات والتأمل في التاريخ هو سقطة تسويقية وفنية كبرى.
الأعمال مثل “حد أقصى” و”توابع” قد تنجح تجارياً، لكنها لن تترك الأثر الذي تركه “عمر” أو “الزير سالم” أو حتى “الحشاشين” رغم علاته.
المسؤولية الاجتماعية للفن في مواجهة “الربحية“
على الشركات مثل “المتحدة” و”إم بي سي” أن تدرك أن دورها ليس مجرد “ملء ساعات البث” بالإعلانات،
بل هي “قوة ناعمة” تشكل وجدان الملايين.
إن تراجع الإنتاج الدرامي الديني في مصر يمثل خسارة لمركز ثقلها الثقافي.
فمصر التي قدمت “محمد رسول الله” و”القضاء في الإسلام” لا يليق بها أن تخلو خريطتها الرمضانية من عمل ديني واحد يتناسب مع قدسية الشهر.
لقد كانت تجربة دراما رمضان 2025 بمثابة “جرس إنذار” لم يستجب له أحد. والآن في 2026،
نرى الخريطة “مزينة” بأسماء لامعة مثل محمود حميدة وطارق لطفي في “فرصة أخيرة”،
وياسر جلال وميرفت أمين في “مين ما بيحبش مودي”، ولكنها خريطة “بلا جذور” تاريخية.
إن الفن الذي يتنكر لتاريخه هو فن يفقد بوصلته، والشركات التي تلهث وراء “التريند” في منصات التواصل الاجتماعي
تخسر المشاهد “الواعي” الذي يبحث عن القيمة.
هل ننتظر المعجزة في المواسم القادمة؟
إن موسم رمضان 2026، رغم ما يَعِد به من “متعة الترفيه” و”إتقان فني”، يظل ناقصاً.
فغياب الدراما الدينية والتاريخية ليس مجرد “تغيير في الأذواق”، بل هو “تخلي إرادي” عن دور تثقيفي هام.
نأمل أن تكون الدروس المستفادة من تعثر أعمال مثل “معاوية” في دراما رمضان 2025 حافزاً لتقديم تاريخنا بصدق وتجرد،
وليس سبباً للهروب منه.
يوسف الشريف يعود بقوة إلى دراما رمضان 2026 بمسلسل «فن الحرب»
على صناع القرار الدرامي إعادة النظر في توزيع ميزانيات الإنتاج الضخمة، بحيث يتم تخصيص جزء منها لإعادة إحياء “المسلسل التاريخي العالمي” و”الدراما الدينية الرصينة”.
فالجمهور العربي لا يعيش بـ “الأكشن” وحده، ورمضان سيظل دائماً بحاجة إلى تلك اللمسة التاريخية
التي تذكرنا بأننا أمة لها ماضٍ مشرف، تماماً كما لها حاضر درامي مشوق.



