فيلم «نورمبرغ» (Nuremberg): القصة الحقيقية للطبيب النفسي الذي غاص في عقول النازيين
يروي فيلم نورمبرغ (Nuremberg) القصة الحقيقية المرعبة للطبيب النفسي الأمريكي دوغلاس كيلي، الذي أوكلت إليه مهمة تقييم قادة النازية قبل محاكمات نورمبرغ التاريخية.
فيلم نورمبرغ 2025 مستوحى من كتاب “النازي والطبيب النفسي” لجاك إل-هاي، والذي يقدم نظرة عميقة في الصراع النفسي بين كيلي (رامي مالك) وهيرمان غورينغ (راسل كرو)، أبرز قادة الرايخ الثالث.
الفيلم ليس مجرد دراما تاريخية، بل تحذير من الخط الرفيع بين العقلانية والشر، مستنداً إلى أحداث حقيقية هزت العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
فيلم نورمبرغ (Nuremberg) يبرز كيف يمكن للشر أن يتخفى في شخصيات تبدو طبيعية تماماً.
القصة الحقيقية وراء فيلم «نورمبرغ» (Nuremberg)
في شتاء عام 1945، انتهت الحرب العالمية الثانية، لكن الرعب لم ينتهِ بعد.
كانت أوروبا أطلالاً، مدناً محترقة، أطفالاً جوعى، والعالم يطالب بإجابة: كيف يُعاقب الشر المنظم؟ اختار الحلفاء مدينة نورمبرغ، التي كانت نصفها لا يزال في الأنقاض، لاستضافة أول محكمة دولية لجرائم الحرب في التاريخ، وهي القصة التي يستلهمها فيلم نورمبرغ (Nuremberg).
اعتقال قادة النازية: 24 من أبرز الضباط الناجين
تم القبض على 24 من أعلى ضباط هتلر الباقين على قيد الحياة وسجنهم.
كانوا مهندسي الإبادة الجماعية والدعاية والتعذيب.
أسماؤهم وحدها تحمل ثقل الكوابيس: هيرمان غورينغ، رودولف هيس، يوآخيم فون ريبنتروب، وآخرون.
رجال كانوا يحركون الجيوش بتوقيع واحد، أصبحوا الآن ينتظرون الحكم في قاعة محكمة مؤقتة تحرسها جنود ببنادق مشحونة.

دخول الطبيب النفسي الأمريكي دوغلاس كيلي في فيلم «نورمبرغ» (Nuremberg)
دخل الميجور دوغلاس إم. كيلي، الطبيب النفسي في الجيش الأمريكي، المشهد، وهو الدور الذي يجسده رامي مالك في فيلم نورمبرغ (Nuremberg).
كانت مهمته تبدو بسيطة: تحديد ما إذا كان هؤلاء الرجال أصحاء عقلياً بما يكفي لمحاكمتهم.
لكن كيلي لم يكن مجرد طبيب؛ كان باحثاً مهووساً بسلوك الإنسان.
أراد معرفة السبب: لماذا يطيع رجال أذكياء ومتعلمون أوامر تؤدي إلى غرف الغاز؟ ما الذي يحول الوطنية إلى إبادة جماعية؟
أجرى مقابلات شخصية مع كل سجين، مقدماً اختبارات ذكاء واختبارات بقع الحبر الرورشاخ وملفات نفسية.
النتائج أزعجته: لم يكونوا مجانين، لم يكونوا هائجين. معظمهم هادئون، منطقيون، بل وساحرون.
وهنا كانت المشكلة. تحدثوا عن القتل الجماعي كما يراجع المحاسبون الأرقام.
غورينغ، الفخور والمتحدي، تفاخر بإعادة بناء سلاح الجو الألماني.
رودولف هيس يتمتم بنظريات مؤامرة عن تسميمه. يوآخيم فون ريبنتروب لا يزال يصف نفسه دبلوماسياً، لا مجرماً حربياً.
سجل كيلي الملاحظات، دون التفاصيل، طرح الأسئلة حتى ساعات متأخرة من الليل، وببطء بدأ شيء داخلي يتغير. توقع وحوشاً، لكنه وجد رجالاً يبدون طبيعيين مخيفين.
هيرمان غورينغ: الصراع النفسي المحوري في فيلم «نورمبرغ» (Nuremberg)
من بين جميع السجناء، أثار هيرمان غورينغ اهتمام كيلي الأكبر، وهو الدور الذي يؤديه راسل كرو ببراعة في فيلم نورمبرغ.
يمين هتلر، قائد اللوفتفافه، الرجل الذي قال ذات مرة: «ليس لدي ضمير. ضميري هو أدولف هتلر».
لم يختبئ غورينغ خلف الأعذار. كان يتجول في زنزانته كإمبراطور سقط.
قال الحراس إنه يعامل الأسر كمسرحية، يحيي، يضحك، يفرض انتباهه.
خسر الحرب، لكن لم يخسر غروره. في اللقاء الأول، ابتسم غورينغ، مد يده وقال: «إذن، أنت الرجل الذي جاء ليرى إن كنت مجنوناً؟»
أصبحت مقابلاتهما مبارزة نفسية.
غورينغ يريد التلاعب، كيلي يريد التشريح.

لعب النازي دور الفيلسوف، موضحاً أن السلطة والخوف والطاعة أدوات أي حاكم عظيم.
رأى كيلي عبقرية ملفوفة بالفساد: رجل يبرر أي شيء إذا أشبع غروره.
تحدثا ساعات طويلة. تفاخر غورينغ بمجموعات الفنون، الاستراتيجية العسكرية، حتى عائلته.
لم يذكر الملايين الذين ماتوا تحت قيادته.
بالنسبة له، التاريخ لعبة فائزين وخاسرين.
سجل كيلي كل تناقض: غورينغ يملك تعاطفاً، لكن فقط تجاه نفسه.
بكى على فقدان ابنته، لكنه سخر من ضحايا غاراته الجوية. سلاحه سحره، صورته الذاتية مقاومة للرصاص.
مع مرور الأسابيع، أصبح الطبيب النفسي غير مرتاح. لم يعد يدرس غورينغ فقط؛ جذب إليه، ليس إعجاباً، بل فضولاً يحده الهوس. لم يتوقف عن السؤال: «إذا كان الشر هكذا ذكاءً، ماذا يقول ذلك عنا؟» أسر لزملائه: «هو ليس مجنوناً. هو إنسان، وهذا ما يرعب».
بدء المحاكمات: أدلة الجرائم ضد الإنسانية
خارج جدران السجن، بدأت المحاكمات. امتلأت القاعة بالجمهور، دارت الكاميرات بينما يقرأ المدعون التهم بجرائم ضد الإنسانية.
كانت الأدلة مذهلة: أفلام من معسكرات الاعتقال، صور مقابر جماعية، شهادات ناجين.
في الدكة، بقي غورينغ متحدياً، يبتسم تحت الأضواء.
تحدث كدبلوماسي، لا قاتل، وكرهه الجمهور لذلك.
لكن بعضهم لم يتمكن من النظر بعيداً. شاهد كيلي من خلف الزجاج، مدركاً أنه لم يعد يوثق علم النفس فقط؛ بل يحدق في تشريح السلطة عارية.
شهور من الشهادات كشفت آلية الرايخ. محامون، شهود، جنود كشفوا حجم الإجرام الصناعي.
رأى العالم معنى طاعة الأوامر الحقيقي. أصبحت ملاحظات كيلي أكثر قتامة: لم يلاحظ ذنباً، لا انهياراً أخلاقياً، فقط إرهاقاً، فخراً، أعذاراً.
اعتقد النازيون أنهم وطنيون خسروا الحرب، لا مجرمون. هذا التناقض طارده.
اقتراب الأحكام: خوف غورينغ الأخير
مع اقتراب الأحكام، تراجعت ثقة غورينغ. لاحظ كيلي رعشات، تمشية قلقة، خوف رجل كان يقود إمبراطورية وينتظر الجلاد.
في الخاص، أسر غورينغ أنه لن يسمح بشنقه كلص عادي.
في 15 أكتوبر 1946، ليلة قبل إعدامه المقرر، ابتلع غورينغ كبسولة سيانيد مخفية ومات فوراً.
لم يثبت أحد كيف حصل عليها؛ البعض يعتقد أنه خبأها أشهراً، آخرون يشكون في حارس متعاطف.
عندما وصل كيلي إلى الزنزانة، كان جثة غورينغ لا تزال دافئة.
حدق الطبيب دقائق قبل أن يتكلم: «وجد طريقة ليفوز بلعبته الخاصة»، قال بهدوء.
في الصباح التالي، استمرت الإعدامات. التقى 11 آخرون بأحكامهم أمام الكاميرات.
أعلنت محاكمات نورمبرغ نجاحاً، رمزاً للعدالة على الطغيان.
عودة كيلي إلى أمريكا: شبح الذكريات
بالنسبة لكيلي، شعر النصر فارغاً. شهد رجالاً متحضرين يبررون البربرية بالمنطق.
رأى كيف تخفي السلطة نفسها في العقلانية.
بدأ يتساءل: إذا كان الفرق بين الخير والشر اختياراً، كم منا سيختار الصواب إذا انهار العالم؟
عاد إلى أمريكا بطلاً ما، الرجل الذي حدق في نفسية الرايخ الثالث.
دعته الجامعات للمحاضرات، وباع كتابه «22 زنزانة في نورمبرغ».
لكن عائلته رأت التغيير: كان قلقاً، بعيداً، مطارداً بأشباح رجال لم يتمكن من كرههم بما يكفي.
بدأ يحتفظ بملفات غورينغ النفسية قريبة، ليس كجوائز، بل تذكيرات.
قال زملاؤه إنه أصبح مهووساً بإثبات أن الشر يمكن قياسه، توقعه، منعه.
لكن في الخاص، اعترف بشيء أكثر قتامة: «إذا كانوا عقلاء، فربما العقلانية ليست آمنة».
تحدث عن «تخدير أخلاقي»، كيف تشترط الأمم الناس على التوقف عن الشعور.
وصف الطلاب محاضراته باللامعة والمقلقة. في المنزل، لم يترك وزن ما رآه أبداً.
لاحظ الأصدقاء شربه أكثر، عزلته، إعادة عيش الماضي.
احتفظ بصندوق صغير من تذكارات نورمبرغ: رسائل، تقارير، حتى صور السجناء.
سألته زوجته مرة لماذا لا يدمرها. قال: «إذا نسيتهم، يفوزون». لكن التذكر كلف ثمناً.
نهاية مأساوية: انتحار كيلي بنفس طريقة غورينغ
في 1 يناير 1958، بعد عشاء مع عائلته، اعتذر دوغلاس كيلي، دخل الحمام، وابتلع كبسولة سيانيد،
نفس الطريقة التي استخدمها غورينغ. مات في دقائق. لم يتمكن أحد من تفسيره.
أجبر موته على حساب في علم النفس: هل كان النازيون شذوذاً أم انعكاساً لما يمكن أن يصبح أي شخص تحت السلطة والخوف؟ اقترح بحث كيلي الثاني: الشر لا يولد في وحوش، بل في رجال يتعلمون عدم التفكير.
عقوداً لاحقة، أثر عمله في دراسات الطاعة والسلطة والتوافق.
ساعد في كشف كيف يبرر الناس العاديون الفظائع عندما يُقال إنهم يخدمون غرضاً أعلى. لكن للرجل الذي اكتشفه، جاء الفهم متأخراً جداً.
فيلم «نورمبرغ» (Nuremberg): مرآة للشر المخفي في الإنسانية
في فيلم Nuremberg 2025، يلتقط رامي مالك ذلك النزول، العبقرية، الهوس، الانهيار الهادئ. يصبح غورينغ لدى راسل كرو كل ما خشيه كيلي: مرآة للسحر المحول إلى سيطرة.
ليس الفيلم مجرد فيلم حربي؛ إنه تحذير بأن الخط بين العدالة والحكم، بين العقلانية والاستسلام، رفيع جداً.



