فيلم The Brutalist: ملحمة سينمائية تشرّح انكسار الحلم الأمريكي وعبقرية أدريان برودي
يُعد فيلم The Brutalist (ذي بروتاليست) الإنجاز الأضخم في مسيرة المخرج برادي كوربيت؛ فهو ليس مجرد فيلم عابر،
بل ملحمة تمتد لثلاث ساعات ونصف، وتقف كواحدة من أكثر الأفلام الأمريكية طموحاً في العقد الأخير.
تم تصوير الفيلم الذي فاز بجائزتين أوسكار 2025 باستخدام كاميراتVistavision وعُرض بنسق 70 ملم، متضمناً مقدمة موسيقية وفترة استراحة،
مما يعيدنا إلى عصر السينما الكلاسيكية العظيمة.
لكن خلف هذه الفخامة التقنية، يكمن فحص مدمر لمفهوم الحلم الأمريكي، وكيف يتحول وعد الفرصة وإعادة الابتكار
إلى آلية للاستغلال والانتهاك وتدمير أولئك الذين يجرؤون على الإيمان به.
البداية: رؤية مقلوبة للحرية
يفتتح فيلم The Brutalist بواحد من أكثر المشاهد إثارة في السينما الحديثة؛ حيث نغرق في الظلام
مع أصوات تدافع الأجساد في مساحة ضيقة وأنفس ثقيلة تخلق شعوراً فورياً برهاب الأماكن المغلقة.
فجأة، يتدفق الضوء مع فتح باب السفينة، لنرى بطلنا لازلو توث (László Tóth) واقفاُ على سطح سفينة تقترب من ميناء نيويورك.
يرى تمثال الحرية لأول مرة، لكن الصورة تحمل خللاً عميقاً؛ إذ يظهر التمثال مقلوباً رأساً على عقب،

سواء من منظور “لازلو” أو عبر تلاعب متعمد من الكاميرا.
هذه اللقطة المربكة تصبح نذيراً لكل ما سيأتي، مشيرة إلى أن الوعود التي تمثلها أمريكا ستنقلب ضده،
وأن منارة الأمل ستتحول إلى شيء أكثر قتامة وتعقيداً.
قصة لازلو توث: من رماد الهولوكوست إلى أرصفة فيلادلفيا
يجسد النجم أدريان برودي(Adrien Brody) دور “لازلو”، المهندس المعماري المجري اليهودي والناجي من الهولوكوست،
بأداء يفيض بالضعف الخام والشغف الفني.
يحمل وجه برودي ثقل صدمة لا توصف حتى وهو يحاول المضي قدماً. كان “لازلو” مهندساً ناجحاً في أوروبا قبل الحرب، لكن المحرقة دمرت كل شيء، وفرقته عن زوجته إيرزيبت (Erzsébet).
في عام 1947، يصل إلى فيلادلفيا وحيداً، لا يملك سوى مهاراته وأملاً يائساً في إعادة البناء.
يلتقي بابن عمه “أتيلا” الذي يزف إليه خبراً مذهلاً: “إيرزيبت” لا تزال على قيد الحياة، لكنها محتجزة على الحدود المجرية النمساوية.
رد فعل برودي على هذا الخبر كان مفطراً للقلب بصدقه؛ مزيج من الراحة والفرح والذهول يجعلك تشعر بسنوات الفراق واليقين المنهار في لحظة واحدة.
صراع الهوية والاندماج في المجتمع الأمريكي
سرعان ما تظهر أمريكا عدائية تجاه طموحات “لازلو”.
يقيم مع ابن عمه “أتيلا” الذي يمتلك متجراً للأثاث، لكن “أتيلا” اختار مسار الاندماج الكامل عبر محو هويته المجرية
وتغيير نمط حياته ليرضي الثقافة المهيمنة.
“لازلو” لا يستطيع اتباع هذا المسار؛ فهويته كيهودي مجري وكمعماري رؤيوي هي جوهر وجوده.
تأتي الفرصة عندما يُكلف “أتيلا” من قبل شاب ثري يدعى “هاري فان بورين” لتجديد مكتبة والده.
بينما يراها “أتيلا” وظيفة روتينية، يراها “لازلو” فرصة للإبداع، فيصمم مساحة حديثة تعتمد على مبادئ مدرسة باوهاوس(Bauhaus)،
حيث تتبع الهيئة الوظيفة وتخدم المساحة احتياجات الإنسان.
لكن عندما يعود الأب، هاري فان بورين (يجسده غاي بيرس)، يطرد “لازلو” ويرفض الدفع، ليس بسبب جودة التصميم، بل بسبب “السيطرة”؛ ففكرة أن يتخذ شخص ما قرارات بشأن منزله دون إذنه كانت غير مقبولة.
السقوط في الهاوية والإدمان
يؤدي هذا الرفض إلى تدمير مكانة “لازلو” الهشة.
يصبح كبش فداء لفشل المشروع، ويُطرد من منزل ابن عمه بعد اتهامات باطلة.
ينزلق “لازلو” إلى اليأس وإدمان الهيروين، ويعمل كعامل يومية في تحميل الفحم.
يستخدم الفيلم الإدمان كتمثيل بصري للصدمة (Trauma)، حيث يصبح المخدر هو الهروب الوحيد من ذكريات الهولوكوست التي تطارده.
معهد فان بورين: العمارة الوحشية كمرآة للألم
بعد سنوات، يعود “هاري فان بورين” (غاي بيرس) بعد أن اكتشف سمعة “لازلو” العالمية كمهندس عبقري.
يعرض عليه بناء مركز مجتمعي ضخم “معهد فان بورين”، ويعده بتمويل هجرة زوجته “إيرزيبت”.
تصل الزوجة (تؤدي دورها فليسيتي جونز) مع ابنة أختها “زوفيا” التي فقدت القدرة على الكلام بسبب صدمة المعسكرات.
يصمم “لازلو” تحفة من العمارة الوحشية(Brutalist Architecture)، مستخدماً الخرسانة الخام والأشكال الهندسية القاسية.
التصميم مستوحى من هندسة معسكرات الاعتقال والمخابئ، محولاً الصدمة إلى صرح تذكاري.
“لازلو” يبني حزنه وبقاءه في صلب الهيكل نفسه.
الراعي والوحش: الاستغلال الرأسمالي
يظهر “هاري فان بورين” كوحش متنكر في زي راعٍ للفنون.
يجسد غاي بيرس شخصية تمثل الرأسمالية الأمريكية في أبشع صورها؛ فهو لا يبتكر شيئاً بل يمتلك إبداع الآخرين.
تبلغ الأزمة ذروتها خلال رحلة إلى إيطاليا، حيث يقوم “فان بورين” بالاعتداء جنسياً على “لازلو” في مشهد صادم يجسد ذروة ممارسة القوة والإذلال، مصحوباً بعبارات معادية للسامية.
هذا المشهد ليس مجرد استعارة، بل هو تصوير للعنف الذي يمارسه القوي ضد من يعتبره أدنى منه.
النهاية والإرث: هل تستحق العظمة كل هذا الألم؟
ينتهي فيلم The Brutalist بقفزة زمنية إلى عام 1980 في فينيسيا، حيث يتم الاحتفال بـ “لازلو” كمعماري شهير.
يظهر “معهد فان بورين” كإنجاز تاريخي، لكن الخاتمة تبدو كئيبة.
لقد غابت “إيرزيبت”، وتفرق شمل العائلة. يطرح الفيلم سؤالاً جوهرياً: هل الإنجاز المعماري يبرر المعاناة؟
يشير العنوان The Brutalist إلى معنيين: “المدرسة الوحشية” في العمارة التي ترفض الزخرفة وتظهر الحقيقة الخام للمواد، و”الوحشية” (Brutality) التي واجهها “لازلو” في ظل النظام الرأسمالي.
التقييم الفني والتقني
- أداء أدريان برودي: يقدم برودي أعظم أداء في مسيرته منذ فيلم The Pianist، مستلهماً من تاريخ عائلته الشخصي كمهاجرين مجريين.
- الإخراج والتصوير: برادي كوربيت والمصور لول كراولي قدما لوحات بصرية مذهلة بنسق VistaVision.
- الموسيقى التصويرية: وضع دانيال بلومبرغ موسيقى تصويرية استغرقت 7 سنوات من التحضير، لتعزز الملحمة العاطفية للفيلم.
الخلاصة:
فيلم The Brutalist هو عمل سينمائي ضروري، يرفض الإجابات السهلة ويجبرنا على مواجهة الحقائق القبيحة حول الأساطير الأمريكية.
إنه صرح سينمائي سيظل قيد الدراسة والنقاش لعقود، مؤكداً أن الفن العظيم لا يأتي دون ثمن باهظ.



