«غريزة أساسية» Basic Instinct: قصة أجرأ فيلم في تاريخ السينما الأمريكية
فيلم «غريزة أساسية» (Basic Instinct) من إخراج الهولندي بول فيرهوفن وتأليف جو إيزترهاس،
يُعدّ واحدًا من أبرز وأكثر أفلام الإثارة الجنسية (erotic thriller) إثارة للجدل في تاريخ السينما الأمريكية.
صدر «غريزة أساسية» في مارس 1992، وحقق نجاحًا تجاريًا هائلاً (أكثر من 352 مليون دولار عالميًا مقابل ميزانية 49 مليون)،
لكنه في الوقت ذاته أشعل عاصفة من الاحتجاجات والانتقادات قبل حتى عرضه.
قصة فيلم Basic Instinct
تدور القصة في سان فرانسيسكو حول جريمة قتل بشعة لمغني روك سابق يُطعن 31 طعنة بسكين الثلج أثناء ممارسة الجنس وهو مربوط إلى سريره.
يقود التحقيق المحقق نيك كوران (مايكل دوغلاس)، الذي سرعان ما يقع تحت سحر المشتبه بها الرئيسية:
الكاتبة المليونيرة الغامضة والمثيرة كاثرين تراميل (شارون ستون).
بينما يحاول نيك إثبات إدانتها، تتلاعب كاثرين به نفسيًا وجنسيًا، وتتداخل حياتهما في لعبة خطرة تجمع بين الإغراء والشك والموت.
موضوعات الفيلم
فيلم Basic Instinct ينتمي إلى نوع «الإثارة النفسية الجنسية» (erotic psychological thriller)، ويمزج ببراعة عناصر من أفلام نوار هيتشكوك (مثل Vertigo وPsycho) مع الجرأة الجنسية والعنف الصريح الذي اشتهرت به هوليوود في أوائل التسعينيات.
من أبرز موضوعاته: الرغبة الجنسية كقوة مدمرة، هشاشة الرجولة أمام المرأة القوية والمستقلة، التلاعب النفسي،
الخط الفاصل بين البراءة والإجرام، وسلطة المال والذكاء على العدالة.
لكن رغم براعته التقنية وإيقاعه المشوق، يواجه الفيلم منذ ثلاثة عقود اتهامًا متكررًا بأنه «فارغ فكريًا» وبلا رسالة حقيقية.
كثير من النقاد – وعلى رأسهم روجر إيبرت وجانيت ماسلن – وصفوه بأنه مجرد فيلم إثارة جنسية رخيصة
يعتمد على الصدمة والعري والعنف لجذب الجمهور،
دون عمق نفسي أو أخلاقي، وأن كل ما فيه يخدم هدفًا واحدًا: إثارة الغرائز الأساسية للمشاهد دون تقديم رؤية أو تعليق اجتماعي حقيقي.

الشخصيات الرئيسية في فيلم «غريزة أساسية» (Basic Instinct – 1992)
نيك كوران (Nick Curran) | مايكل دوغلاس : محقق شرطة سان فرانسيسكو، مدمن سابق على الكحول والكوكايين،
ماضيه مليء بالأخطاء (قتل سياح بالخطأ)، ينجذب جنسياً ونفسياً إلى كاثرين رغم شكه فيها.
كاثرين تراميل (Catherine Tramell) | شارون ستون: كاتبة روايات جريمة ثرية جدًا، ذكية للغاية، متلاعبة،
مثلية/ثنائية الميل جنسياً، باردة الأعصاب، لا تُظهر خوفاً أبداً، الشخصية الأكثر غموضاً في الفيلم.
د. بيث غارنر (Dr. Beth Garner) | جين تريبل هورن: الطبيبة النفسية في قسم الشرطة، كانت عشيقة نيك سابقاً،
لاحقاً تكتشف أن اسمها الحقيقي «ليزا هوبيرمان» وأنها كانت مهووسة بكاثرين في الجامعة.
جاس كوري (Gus Corey) | جورج دزوندزا: زميل نيك وصديقه المقرب في الشرطة، مرح، مخلص، يموت طعناً بسكين الثلج في النهاية.
روكسي هاردي (Roxy Hardy) | ليلي سوبيسكي: عشيقة كاثرين، غيورة جدًا، لها سوابق جنائية،
تحاول قتل نيك بدهسه بالسيارة وتموت في الحادث.
المحقق نيلسون (Lt. Nilsen) | دانيال فون بارغن: رئيس نيك في القسم، يُقتل برصاصة في الرأس داخل سيارته،
ويُعتقد أنه باع ملف نيك النفسي لكاثرين.
جوني بوزنيك (Johnny Boz) | بيل كيبل: مغني الروك الشهير الضحية الأولى، يُقتل في المشهد الافتتاحي أثناء ممارسة الجنس.
هازل دوبكينس (Hazel Dobkins) | دوروثي مالون: سيدة عجوز قتلت زوجها وأولادها بمطرقة،
صديقة كاثرين، تظهر في مشهد واحد فقط لكنها تُستخدم لإظهار اهتمام كاثرين بـ«دوافع القتلة».
شخصيات ثانوية بارزة
– المحقق تالي** (Det. Talley) – زميل في القسم، يشارك في استجواب كاثرين.
– الدكتور لاموت والدكتور ماكيلروي – أساتذة سابقون لكاثرين في الجامعة، قُتلوا بنفس الطريقة أو لهم علاقة بماضيها.
– المخبر الداخلي (Internal Affairs officers) – يحققون مع نيك بسبب ماضيه.
كل شخصية تقريباً لها «سر مظلم» أو علاقة مشبوهة، وهذا ما يجعل الفيلم مليئاً بالشك والتوتر حتى اللحظة الأخيرة.
ملخص أحداث فيلم «غريزة أساسية» (Basic Instinct)
تدور أحداث فيلم غريزة أساسية حول جريمة قتل بشعة راح ضحيتها مغني الروك الشهير جوني بوزنيك.
واكتشف المحقق نيك كوران وزميله جاس كوري الجثة في شقة الضحية، مربوطة إلى السرير بوشاح حريري فاخر،
وبها 31 طعنة بسكين الثلج أثناء ممارسة الجنس.
سرعان ما يتوصل نيك إلى أن آخر من شوهد مع جوني هي الكاتبة الثرية كاثرين تراميل.
فيذهب مع جاس إلى منزلها، فيقابلان في البداية صديقتها روكسي التي تنفي أن تكون كاثرين القاتلة،
ثم ينتقلان إلى منزل كاثرين المطل على الشاطئ.
هناك تقابل كاثرين المحققين بثقة بالغة، تعترف بأنها كانت على علاقة بجوني، لكنها تنفي الذهاب إلى شقته تلك الليلة.
تقييم نفسي
في الوقت نفسه، يخضع نيك لتقييم نفسي روتيني لدى الدكتورة بيث غارنر، الطبيبة النفسية في القسم،
ويتبين أن بينهما علاقة قديمة انتهت بشكل سيء. يطلب منها أن تكتب تقريراً إيجابياً عن حالته النفسية، فتوافق.
مع تقدم التحقيق، يكتشف الفريق أن مسرح الجريمة خالٍ تماماً من البصمات، وأن كاثرين وريثة ثرية تملك أكثر من 110 ملايين دولار،
وأنها كتبت رواية سابقة تصف جريمة قتل مطابقة تماماً لما حدث مع جوني.
يستشير نيك خبيراً نفسياً فيقول له إن هناك احتمالين: إما أن الكاتبة هي القاتلة، أو أن أحداً يقلّدها ليوجه الشبهات نحوها.
رغم تحذيرات زملائه من نفوذ كاثرين، يصر نيك على استدعائها للتحقيق الرسمي بدون محامٍ.
مشهد أيقوني مثير
تأتي كاثرين بنفسها، تجلس بهدوء وثقة، تشعل سيجارة، وتتحول الجلسة إلى مشهد أيقوني عندما تفتح ساقيها عمداً أمام المحققين.
تجيب على كل الأسئلة بذكاء، تقبل إجراء اختبار كشف الكذب، وتتجاوزه بنجاح. في طريق العودة،

تسخر من نيك وتكشف أنها تعرف تفاصيل مظلمة من ماضيه، من بينها أنه قتل سائحين بالخطأ سابقاً ونجا من اختبار كشف الكذب.
تتصاعد الأمور: يُقتل رئيس نيك (المحقق نيلسون) برصاصة في الرأس داخل سيارته، وتصبح الشبهات حول نيك نفسه،
لكن بيث تؤكد أنها كانت معه تلك الليلة فيشهد لصالحه.
في الوقت نفسه، تحاول سيارة سوداء مشابهة لسيارة كاثرين دهس نيك، لكنها تنقلب وتقتل سائقتها، وتكون روكسي.
علاقة بيث غارنر بكاثرين
بعد ذلك، يكتشف نيك أن بيث غارنر هي في الواقع «ليزا» التي كانت مهووسة بكاثرين في الجامعة،
وأن زوج بيث قُتل قبل سنوات والقضية أغلقت ضد مجهول.
يواجه نيك كاثرين، فتعلن أنها انتهت من كتابتها الجديدة وأنها استخدمته كمصدر إلهام فقط.
فجأة، يتلقى جاس اتصالاً من مجهولة تدعي أنها تعرف الحقيقة وتطلب مقابلته في عمارة مهجورة.
يصعد جاس، فيُطعن بسكين الثلج ويموت.
يهرع نيك ليجد بيث أمامه، فيظن أنها القاتلة، فيلتقط مسدسه ويطلق النار عليها. يكتشف بعدها أنها كانت تُخرج فقط ميدالية من جيبها.
تفتش الشرطة شقة بيث، فتجد المسدس الذي قتل نيلسون، وصوراً وأدلة تربطها بكل الجرائم، وتُغلق القضية على أن بيث هي القاتلة المتسلسلة.
المشهد الأخير
في المشهد الأخير، يعود نيك إلى منزله ليجد كاثرين في انتظاره. يتصالحان، يمارسان الحب، ويبدو أن كل شيء انتهى لصالحها.
لكن الكاميرا تنزل ببطء تحت السرير، وتكشف سكين الثلج مخبأة هناك بالضبط.
الفيلم يترك المشاهد في حالة شك عميق: هل كاثرين هي القاتلة الحقيقية التي نصبت فخاً عبقرياً وجعلت بيث كبش فداء؟
أم أن بيث كانت فعلاً المجرمة؟ النهاية مفتوحة تماماً،
لكن التلميح الأخير يوحي بقوة أن كاثرين هي العقل المدبر، وأن نيك قد يكون الضحية التالية… يوماً ما.
أهم الانتقادات الموجهة لفيلم Basic Instinct (1992)
واجه فيلم Basic Instinct عاصفة من الانتقادات منذ صدوره، وكانت من أشد الأفلام إثارة للجدل في التسعينيات. إليك أبرزها:
1. تصوير المثلية الجنسية والنساء ثنائيات الميل (Bisexual Women) كقاتلات مريضات نفسياً**
– الشخصية الرئيسية كاثرين تراميل مثلية/ثنائية الميل، وصديقتها روكسي أيضاً، والفيلم يربط بين المثلية الجنسية والعنف والقتل والمرض النفسي.
– منظمات المثليين والمثليات (خاصة GLAAD و Queer Nation) نظمت احتجاجات كبيرة أثناء التصوير في سان فرانسيسكو،
واتهموا الفيلم بأنه “رهاب مثلية” (homophobic) ويعيد إنتاج الصورة النمطية القديمة جدًا: “المثلي = قاتل متسلسل أو منحرف”.
2. التمييز الجنسي والنظرة الذكورية المتطرفة (Male Gaze)
– الفيلم متهم بأنه يعامل النساء كأجساد فقط، وأن كل الشخصيات النسائية إما قاتلات أو مغرية جنسياً أو مجنونات.
– مشهد التحقيق الشهير (شارون ستون تفتح رجليها بدون ملابس داخلية) أصبح رمزاً لـ “استغلال جسد المرأة من أجل الصدمة والإثارة”.
3. تمجيد العنف الجنسي والاغتصاب الضمني
– هناك مشهد اغتصاب واضح (نيك يغتصب كاثرين تقريباً ثم تتحول إلى علاقة توافقية)،
لكن الفيلم يقدمه بطريقة “مثيرة” وليس مرفوضة أخلاقياً.
– الكثير من النقاد اعتبروه يمجّد فكرة “الرجل الهمجي” الذي يأخذ ما يريد بالقوة.
4. السطحية والفراغ الفكري
– كثير من النقاد (مثل روجر إيبرت وجانيت ماسلن) قالوا إن الفيلم “كل شيء فيه إثارة رخيصة ولا يوجد عمق نفسي حقيقي”.
– شخصيات كاريكاتورية، حوارات ضعيفة، وكل شيء يخدم الصدمة الجنسية والعنف فقط.
5. العنصرية الخفية
– الشخصية الوحيدة السوداء البارزة (الطبيبة النفسية بيث غارنر) تُقتل وتُتهم زوراً بالقتل، ثم يتضح أنها ضحية.
هل الفيلم بلا مغزى أو رسالة واضحة؟
الإجابة تعتمد على من تسأل:
– رأي النقاد والجمهور “الجاد”: نعم، الفيلم في الغالب بلا رسالة واضحة أو عميقة.
هو في الأساس فيلم إثارة جنسية (erotic thriller) مصمم ليصدم ويثير ويجمع أموالاً، وليس ليقدم تحليلاً نفسياً أو اجتماعياً حقيقياً.
حتى المخرج بول فيرهوفن قال في مقابلات لاحقة إنه صنع الفيلم كـ”سخرية مبالغ فيها” من هوليوود والأفلام الأمريكية،
لكن معظم الجمهور لم يفهم السخرية وأخذه على محمل الجد.
– رأي آخر (أقل شيوعاً): بعض النقاد (خاصة في فرنسا وأوروبا) دافعوا عنه وقالوا إنه فيلم “ما بعد حداثي” يلعب عمداً بالصور النمطية
ويكشف هشاشة الرجولة والسلطة البوليسية، وأن النهاية المفتوحة دليل على أنه يترك الحكم للمشاهد.
لكن الغالبية العظمى (حتى اليوم) تراه كالتالي:
**فيلم ممتع كـ”guilty pleasure”، مكتوب بذكاء تجاري، مصور ببراعة، لكنه فارغ أخلاقياً وفكرياً،
ويعتمد كلياً على الصدمة الجنسية والعنف.
لا رسالة واضحة، وإذا وجدت رسالة فهي سلبية جدًا: “الجنس الخطر مثير، والنساء الجميلات المستقلات قاتلات محتملات”.
باختصار: فيلم كلاسيكي في نوعه، لكنه من أكثر الأفلام إشكالية أخلاقياً في التسعينيات، ولا يحمل رسالة إيجابية أو عميقة حقيقية.



