مسرحية «هاملت»: رحلة الشك والانتقام في أشهر نص مسرحي في التاريخ" ملخص"
في ليلةٍ شتويةٍ من عام ١٦٠١ تقريبًا، أطلّ وليم شكسبير على مسرح «الجلوب» في لندن بعملٍ غيِّر وجه الأدب إلى الأبد: «هاملت»، المأساة التي تُعدّ حتى اليوم الأكثر عرضًا والأكثر دراسة بين أعماله كلها، بل وربما أشهر نص مسرحي في تاريخ البشرية.
لماذا؟ لأنها لم تكن مجرد قصة انتقام، بل سؤالٌ وجوديٌ صارخ: «أكون أو لا أكون؟».
قصة المسرحية
في قلب الدنمارك، يظهر شبح الملك الراحل لابنه الأمير هاملت ويكشف له أن عمّه كلوديوس هو من قتله بالسمّ واستولى على عرشه وزوجته.
يُطلب من هاملت الانتقام، فيتظاهر بالجنون ليخفي خططه، لكنه يغرق في الشك: هل الشبح صادق؟ هل الانتقام عدل أم جريمة؟ هل الحياة تستحق العناء أصلاً؟
بينما يؤجل هاملت الفعل ويُمعن في التفكير، تنهار المملكة كلها: حبيبته أوفيليا تُجن وتغرق، صديقاه يخونانه، أمه تشرب السمّ بالخطأ،
وفي المبارزة النهائية تسقط أربع جثث في دقائق، ليترك شكسبير الجمهور أمام ساحةٍ دمويةٍ لا جنديَّ فيها سوى الشك والطمع والانتقام.
«هاملت» ليست مسرحية، بل مرآةٌ سوداء للنفس البشرية؛ أول عملٍ يضع البطل في مواجهة ذاته قبل عدوه، ويُعلن أن أخطر المعارك ليست على العرش، بل داخل الضمير.
لهذا بقيت علامةً لا تُمحى في تاريخ الأدب والفكر الإنساني منذ أربعة قرون ونيف.
الشخصيات الرئيسية في مسرحية «هاملت» لوليام شكسبير
هاملت
الأمير الشاب للدنمارك، بطل المسرحية، الطالب الجامعي العائد من فيتنبرغ، يتميز بعقله الفلسفي العميق وصراعه الداخلي بين الشك واليقين، والعقل والعاطفة.
كلوديوس
الملك الحالي للدنمارك، عم هاملت وأخ الملك الراحل، قتل أخاه وتزوج زوجته واستولى على العرش، يمثل الطمع والخداع والسلطة الفاسدة.
جرترود
الملكة، أم هاملت، أرملة الملك هاملت الأب، ثم زوجة كلوديوس بعد أقل من شهرين على وفاة زوجها الأول، شخصية مثيرة للجدل بسبب زواجها السريع.
شبح الملك هاملت (الملك الأب)
روح الملك الراحل، يظهر لابنه ليكشف له حقيقة مقتله ويطلب منه الانتقام.
بولونيوس
مستشار الملك ورئيس الحاشية، أب ليرتس وأوفيليا، شخصية نمطية للسياسي المتسلق، كثير الكلام والتجسس.
أوفيليا
ابنة بولونيوس، الحبيبة السابقة لهاملت، فتاة طيبة وحساسة تنهار نفسياً ثم تموت غرقاً بعد سلسلة الصدمات.
ليرتس
ابن بولونيوس وشقيق أوفيليا، شاب مندفع وسريع الانتقام، يعود من فرنسا ليثأر لأبيه وأخته.
هوراشيو
صديق هاملت المقرب والوحيد الذي يثق به تماماً، طالب فيتنبرغ أيضاً، الشخصية العاقلة الهادئة التي تبقى على قيد الحياة لتروي القصة.
روزنكرانتز وغيلدنسترن
صديقا طفولة هاملت، يستدعيهما كلوديوس للتجسس على هاملت، يمثلان الخيانة من أجل المصلحة.
فورتينبراس
أمير النرويج الشاب، يظهر في النهاية ليستولي على عرش الدنمارك بعد موت الجميع، يُستخدم كمرآة لهاملت (شاب ينتقم لأبيه لكنه يفعل ذلك بسرعة وحسم).
شخصيات ثانوية مهمة
مارسيلوس وبرناردو
حارسان على سور القلعة، أول من يرى الشبح.
رينالدو
خادم بولونيوس، يرسله للتجسس على ليرتس في فرنسا.
القبرّان
شخصيتان كوميديتان ترابيتان تظهران في مشهد المقبرة وتتحدثان بصراحة وحكمة شعبية.
اللاعبون (فرقة الممثلين المتجولين)
يستخدمهم هاملت لتمثيل «مسرحية داخل المسرحية» لكشف ذنب كلوديوس، ورئيسهم يلقي مقطعاً شهيراً عن مقتل بريام.
أوزريك
رجل بلاط متملق يأتي بدعوة المبارزة النهائية.
كهنوتي (رجل الدين)
يظهر في مشهد دفن أوفيليا ويرفض إقامة طقوس كاملة لأنه يشك في انتحارها.
هذه هي الشخصيات الأساسية التي تدفع أحداث المسرحية وتشكل نسيجها النفسي والدرامي العبقري.

ملخص مسرحية هاملت لوليام شكسبير
تبدأ أحداث مسرحية هاملت في ليلة شتوية مظلمة وباردة على أسوار قلعة إلسينور في الدنمارك، يظهر شبحٌ مخيف للحراس.
سرعان ما يتبيّن أن الشبح هو روح الملك هاملت الأب، الذي توفي قبل أقل من شهرين،
وكان الخبر الرسمي أنه مات بلدغة أفعى أثناء نومه في البستان.
خلفًا له تولّى أخوه كلوديوس العرش، ولم يمضِ شهرين حتى تزوج أرملة الملك الراحل، الملكة جرترود.
يبدأ الجمهور رحلته مع الأمير هاملت الابن، الشاب الحزين المكلوم بفقدان أبيه، والمصدوم أكثر بزواج أمه السريع من عمّه.
في مونولوج شهير يعبّر هاملت عن اشمئزازه من سرعة نسيان أمه لأبيه، ومن تحولها إلى زوجة لرجل يراه أقل شأنًا بكثير من والده العظيم.
الحقيقة المرعبة
في تلك الأثناء، يبلغ الحراس الأمير بظهور الشبح، فيصطحبونه إلى السّور. هناك ينفرد الشبح بابنه ويكشف له الحقيقة المرعبة:
لم يمت الملك بلدغة أفعى، بل صبّ أخوه كلوديوس السمّ في أذنه وهو نائم، ثم استولى على زوجته وعرشه في ضربة واحدة.
يطلب الشبح من ابنه الانتقام لكنه ينهاه عن إيذاء الأم، تاركًا أمرها للسماء.
يقرر هاملت التظاهر بالجنون ليخفي اضطرابه الحقيقي، وليمنح نفسه الوقت والحرية للتحقق من صدق كلام الشبح، ثم تنفيذ الانتقام إذا تأكد.
لكن هنا تبدأ العبقرية الحقيقية للمسرحية: هاملت لا يندفع للقتل فورًا كما تفعل عشرات القصص الانتقامية قبله، بل يتوقف… يفكر… يشك.
هل الشبح فعلًا روح أبيه؟ أم أنه شيطان تجسّد في هيئة والده ليجرّه إلى جريمة قتل بريء؟ هذا الشك الفلسفي العميق،
وهذا التردد بين العقل والعاطفة، هو ما جعل «هاملت» ظاهرة خالدة، وما قسّم النقاد على مرّ قرون بين من يراه بطلًا عاقلًا يرفض التصديق الأعمى، ومن يراه ضعيفًا مترددًا غير قادر على الفعل.
فرقة التمثيل
ليتأكد من ذنب عمّه، يستقدم هاملت فرقة ممثلين متجولين ويطلب منهم تقديم مسرحية تصور جريمة قتل مشابهة تمامًا لما وصفه الشبح (صبّ السم في أذن الملك النائم).
أثناء العرض يراقب رد فعل كلوديوس، وعندما ينهار الملك غضبًا ويهرب من القاعة مضطربًا، يتأكد هاملت تمامًا من الجريمة.
يهرع إلى غرفة عمّه ليقتله، لكنه يجده يصلي، فيتردد مجددًا: قتله الآن قد يرسل روحه إلى الجنة، فيؤجل الضربة إلى وقت يكون فيه كلوديوس في حالة خطيئة واضحة.
في غرفة أمه، يواجهها هاملت بعنف لفظي على خيانتها السريعة، وأثناء الشجار تسمع الملكة صوتًا خلف الستارة فتصرخ طلبًا للنجدة.
يظن هاملت أن كلوديوس يتجسس، فيطعن الستارة بسيفه، ليتبيّن أنه قتل المستشار بولونيوس بالخطأ.
نفي هاملت
يستغل كلوديوس الحادث ويقرر نفي هاملت إلى إنجلترا، مرفقًا برسالة سرية تطلب من ملك إنجلترا قتله فور وصوله.
في الطريق إلى إنجلترا، يكتشف هاملت الرسالة، فيبدلها برسالة مزوّرة تأمر بقتل حامليها (صديقي طفولته روزنكرانتز وغيلدنسترن).
ثم يعود إلى الدنمارك بعد أن هاجمه قراصنة.
في غيابه، كانت الأحداث قد تسارعت بشكل مأساوي: أوفيليا، حبيبة هاملت السابقة وابنة بولونيوس، فقدت عقلها تمامًا بعد رفض هاملت لها (بسبب تمثيله الجنون) ثم مقتل أبيها، فغرقت في النهر في مشهد غامض بين الحادث والانتحار.
عاد شقيقها ليرتس من فرنسا غاضبًا، فاستغل كلوديوس غضبه واتفق معه على قتل هاملت.
مبارزة ودية
تُدبَّر مبارزة ودية بين هاملت وليرتس، لكن كلوديوس يزيل حماية سيف ليرتس ويضع عليه سمًّا قاتلاً، ويضع سمًّا آخر في كأس النصر لضمان موت هاملت بأي طريقة.
في المبارزة يتفوق هاملت في البداية، لكن السيفين يتبادلان أثناء القتال، فيجرح كل منهما الآخر بالسيف المسموم.
تشرب الملكة جرترود من الكأس المسموم عن طريق الخطأ لتهنئ ابنها، فتموت.

يكشف ليرتس في لحظاته الأخيرة الحقيقة لـ هاملت، فيطعن هاملت عمّه بالسيف المسموم ويجبره على شرب بقية السم.
في دقائق معدودة تسقط أربع جثث: الملكة، ليرتس، كلوديوس، ثم هاملت نفسه الذي يموت بعد أن يطلب من صديقه هوراشيو أن يروي قصته الحقيقية للعالم.
مشهد دموي
تنتهي المسرحية بمشهد دموي مرعب: قاعة العرش تحولت إلى مذبحة، لكن لا جيوش فيها ولا جنود، بل ضحايا الطمع والخيانة والشك والانتقام الذي أعمى الجميع.
بهذا الشكل الحاد والعميق، وبهذا التركيز على الصراع الداخلي للإنسان بين الفكر والفعل، بين العقل والعاطفة، بين اليقين والشك،
استطاع شكسبير أن يحول قصة انتقام تقليدية إلى واحدة من أعظم الأعمال الفلسفية والنفسية في تاريخ البشرية، لا تزال تُقدَّم وتُدرَّس وتُناقش حتى اليوم.
تحليل موضوعات «هاملت»
تُعد مسرحية «هاملت» أعمق تأمل بشري عن الصراع بين الفكر والفعل.
الموضوع الأبرز هو التردد الناتج عن الشك الفلسفي: هل نثق بالمطلق (كلام الشبح) أم نُخضِع كل شيء للعقل والبرهان؟
هذا الشك يُعطِّل الانتقام ويُدمِّر الجميع، فيُظهر شكسبير أن التفكير المفرط قد يكون أخطر من الجهل.
الفساد السياسي والأخلاقي يتجسد في كلوديوس، رمز السلطة المسمومة التي تنتشر كالعدوى في البلاط والعائلة معًا.
الجنون – الحقيقي والمُمثَّل – يصبح أداة لكشف الحقيقة ووسيلة للهروب منها في آن واحد.
الموت يهيمن على المسرحية حضورًا وغيابًا؛ من الشبح إلى المقبرة إلى المذبحة النهائية، في سؤال وجودي دائم: «أكون أو لا أكون».
الخيانة العائلية (أم تتزوج قاتل زوجها، عم يغتصب العرش) تقابلها خيانة الصداقة (روزنكرانتز وغيلدنسترن)، فتُسقط كل رابط إنساني.
وأخيرًا، الانتقام نفسه يُقدَّم كقوة مدمرة ذاتيًا: يتحقق الثأر لكن بعد أن يبتلع المنتقم والمُنتقَم والأبرياء معًا.
بهذه الموضوعات المتشابكة، تحول شكسبير قصة انتقام تقليدية إلى مرآة أبدية للنفس البشرية الممزقة بين العقل والعاطفة، الواجب والضمير، الحياة والموت.



