تقرير

جرين لاند والاستعداد للحرب العالمية القادمة: عندما تكون الجغرافيا أنفس من الذهب

حينما عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شراء جزيرة “جرين لاند” في عام 2019، قوبل طلبه بموجة من السخرية في وسائل الإعلام العالمية التي صورت الأمر وكأنه نزوة عقارية لرجل أعمال يبحث عن صفقات الموارد الطبيعية والمعادن النادرة.

لكن، وبعيداً عن صخب العناوين الساخرة، كان العقل العسكري في البنتاغون يقرأ المشهد بشكل مختلف تماماً.

تشير التقارير الاستراتيجية والشهادات التاريخية إلى أن الإصرار الأمريكي على وضع اليد على هذه الجزيرة الجليدية لا يتعلق بالرفاهية الاقتصادية، بل هو خطوة استباقية حاسمة في رقعة الشطرنج الدولية استعداداً لاحتمالية اندلاع “حرب عالمية ثالثة”.

جغرافيا الحروب العظمى: من يملك الممر يملك النصر

تاريخياً، لم تكن الحروب الكبرى تُحسم فقط بقوة الجيوش، بل بمن يسيطر على “نقاط الاختناق” والممرات المائية والجزر الحاكمة.

وفقاً لنظرية الأدميرال الأمريكي “ألفريد ثاير ماهان”، صاحب كتاب تأثير القوة البحرية على التاريخ، فإن السيطرة على الجزر الاستراتيجية تعني السيطرة على طرق التجارة والتموين، وبالتالي خنق الخصم.

في الحروب العظمى، تتحول الجزر من مجرد يابس وسط الماء إلى “حاملات طائرات غير قابلة للغرق”.

تشير الدراسات العسكرية إلى أن هيمنة بريطانيا العظمى سابقاً، والولايات المتحدة حالياً، اعتمدت بشكل كلي على شبكة من الجزر (مثل غوام، دييغو غارسيا، وأيسلندا) التي تمنحها القدرة على ضرب أي مكان في العالم.

وفي هذا السياق، تعد “جرين لاند” هي “القلعة الشمالية” التي تشرف على الممر المائي الأخطر في العالم المعروف بـ (GIUK Gap)،

وهو الممر البحري بين جرين لاند، أيسلندا، والمملكة المتحدة، والذي يجب أن تعبره أي غواصة روسية (أو سوفيتية سابقاً) للوصول إلى المحيط الأطلسي وتهديد أمريكا.

لذلك فالسيطرة على جرين لاند للاستعداد للحرب العالمية القادمة، هو أمر منطقي للغاية من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب .

حرب الطقس والغواصات”: جرين لاند في الحرب العالمية الثانية

لفهم الهوس الأمريكي الحالي بالجزيرة، يجب العودة إلى أرشيف الحرب العالمية الثانية.

حينها، لم تكن جرين لاند مجرد أرض نائية، بل كانت ساحة لواحدة من أشرس المعارك الخفية المعروفة بـ “حرب الطقس”.

تؤكد الوثائق الحربية أن ألمانيا النازية أدركت مبكراً أن من يملك معلومات الطقس في جرين لاند يستطيع التنبؤ بأجواء أوروبا وشمال الأطلسي.

حاولت ألمانيا مراراً زرع محطات أرصاد سرية وعملاء على الجزيرة لتوجيه عمليات “الذئاب المنفردة” (الغواصات الألمانية U-Boats)

لضرب قوافل الإمداد الأمريكية المتجهة لبريطانيا وروسيا.

جرين لاند والحرب العالمية القادمة
جزيرة جرين لاند أثناء الحرب العالمية الثانية 1944

كانت الولايات المتحدة تدرك هذا الخطر، فقامت باحتلال الجزيرة (بموافقة السفير الدنماركي آنذاك) وحولتها إلى قاعدة انطلاق للطائرات ومحطة رصد.

وبفضل السيطرة على جرين لاند، نجح الحلفاء في التخطيط لإنزال “نورماندي” بدقة، بينما عجزت الغواصات الألمانية عن العمل بكفاءة كاملة بسبب فقدانها للغطاء المعلوماتي الجوي والبحري الذي كانت توفره الجزيرة.

الاستعداد للحرب القادمة: الصواريخ الفرط صوتية والقطب الشمالي

اليوم، تغيرت التكنولوجيا، لكن الجغرافيا بقيت كما هي.

يرى محللون عسكريون أن رغبة ترامب (والإدارة الأمريكية العميقة) في الاستحواذ على جرين لاند تنبع من تحول القطب الشمالي إلى ساحة المواجهة القادمة مع روسيا والصين.

  1. أقصر طريق للدمار: جرين لاند تقع على أقصر مسار جوي للصواريخ الباليستية والفرط صوتية بين روسيا والولايات المتحدة. السيطرة الكاملة عليها تعني تعزيز “قاعدة ثول الجوية” (Thule Air Base) الأمريكية الموجودة هناك بالفعل، وتزويدها بأنظمة دفاع صاروخي متطورة لا يمكن وضعها في أي مكان آخر.
  2. قطع الطريق على الصين: الصين تطلق على نفسها “دولة قريبة من القطب الشمالي” وتسعى لإنشاء “طريق الحرير القطبي”.

الاستحواذ الأمريكي يهدف لقطع هذا الطريق عسكرياً قبل أن يصبح أمراً واقعاً.

الرسالة الألمانية: الفرقاطة التي كسرت الصمت

في تطور لافت لم يسلط عليه الضوء إعلامياً بشكل كافٍ، وبينما كان الجدل دائراً حول تجدد المطالب الأمريكية بالجزيرة -حتى لو وصل الأمر للتلويح بالخيارات العسكرية أو الضغوط القصوى- برز تحرك ألماني ذو دلالة رمزية عميقة.

تشير تقارير ملاحية عسكرية إلى أن ألمانيا، وهي الحليف في الناتو ولكنها أيضاً القوة الأوروبية التي تدرك تاريخياً معنى الهيمنة على تلك المنطقة، كانت الدولة الوحيدة التي حركت قطعة بحرية (فرقاطة) تجاه الشمال في توقيت متزامن مع تصاعد النبرة الأمريكية حول “عسكرة القطب الشمالي” وضرورة السيطرة على جرين لاند.

ورغم أن التحرك الألماني يندرج ظاهرياً تحت إطار مناورات الناتو أو تأمين الملاحة، إلا أن الخبراء الاستراتيجيين قرأوا فيه رسالة مزدوجة:

  • الأولى: تذكير بأن ألمانيا لم تنسَ دروس الحرب العالمية الثانية، وأنها تدرك أن أي صراع عالمي قادم سيبدأ من تلك المياه الباردة.
  • الثانية: إشارة سياسية بأن أوروبا (بقيادة ألمانيا) لن تقبل بأن تتحول أراضي أوروبا والناتو (بما في ذلك الدنمارك وجرين لاند) إلى مجرد “مخزن خلفي” للجيش الأمريكي دون شراكة حقيقية، خاصة مع تلميحات ترامب بإمكانية استخدام القوة الناعمة أو الخشنة للاستحواذ.

سيناريو يوم القيامة النووي

الخلاصة ، إن الحديث عن شراء جرين لاند ليس نكتة، ولا هو بحث عن اليورانيوم فحسب.

إنه استعداد لسيناريو “يوم القيامة”، كما أشار الخبير العسكري الأدميرال نيلز وانغ،رئيس أكاديمية الدفاع الملكية الدانماركية، والذي اعتبر أن القيمة الحقيقية للجزيرة تكمن في كونها خط الدفاع الأول ضد سيناريو ‘يوم القيامة’ النووي،

 حيث تعتبر راداراتها العين الوحيدة القادرة على رصد الصواريخ الروسية العابرة للقطب الشمال .

فكما كانت هذه الجزيرة مفتاح النصر في معركة الأطلسي ضد هتلر، يرى المخططون في واشنطن أنها ستكون “الدرع والسيف” في الحرب العالمية الثالثة.

من يسيطر على جرين لاند ” أكبر جزيرة في العالم” اليوم، يملك مفاتيح السماء والمحيط في حرب الغد.

المصدر: الريبورتاج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى