فيلم "الست": كيف تعمد صناع العمل تشويه الصورة الذهنية لأسطورة كوكب الشرق؟
في مهرجان مراكش السينمائي الدولي، حيث يلتقي الشرق بالغرب في احتفاء بالسينما، عُرض فيلم “الست” لأول مرة عالمياً، ليثير موجة من الجدل حول تصويره لأسطورة العربية أم كلثوم، كوكب الشرق.
الفيلم، الذي أخرجه مروان حامد وكتبه أحمد مراد، وأنتجته شركة Film Square، لم يكن مجرد سيرة ذاتية، بل محاولة جريئة – وربما متعمدة – لإعادة صياغة صورة الأيقونة الثقافية بطريقة تبتعد عن التبجيل التقليدي، مفضلة الإنسانية الخامة على الرمزية المقدسة.
أبطال فيلم الست
فيلم الست من بطولة منى زكي في دور أم كلثوم، إلى جانب نجوم مثل محمد فراج، سيد رجب، أحمد خالد صالح، تامر نبيل، نيللي كريم،
وكريم عبد العزيز وأحمد حلمي كضيوف شرف .
يُقدم الفيلم رحلة حياة الست من التمرد إلى السلطة، لكنه يُتهم بتشويه الذاكرة الجماعية للأمة العربية،
محولاً الأسطورة إلى شخصية معرضة للنقد والتساؤل.
اختيار منى زكي وإثارة الجدل
الاختيار الأبرز، وأكثر ما أثار الجدل، كان تكليف منى زكي بدور كوكب الشرق.
زكي، المعروفة بأدوارها الدرامية الشبابية في أفلام مثل “أولاد العم” و”وإحكي يا شهرزاد”، لم تكن الخيار الأ مثل لدى الجمهور،
خاصة بعد دورها المثير للجدل في فيلم ” أصحاب ولا أعز”.

منذ إصدار البرومو التشويقي، انفجر السوشيال ميديا بانتقادات حادة تركز على عدم التشابه الجسدي أو الصوتي بينها وبين أم كلثوم.
“كيف تُجسد ممثلة حديثة أيقونة لها صوت يهز العروش؟”، هكذا سأل أحد المتابعين على تويتر، مشبهاً الاختيار بـ”تغيير وجه التاريخ”.
الإنتقادات لم تقف عند الشكل؛ بل امتدت إلى مخاوف من “تشويه” التراث، خاصة مع تصوير مشاهد حميمة أو شخصية
تكشف عن وحدة الست ومعاناتها العاطفية، بعيداً عن الهالة التاريخية التي بناها الزمن.
مهرجان مراكش يشيد بأداء منى زكي
ومع ذلك، أشاد مهرجان مراكش بأداء زكي، واصفاً إياه بـ”الراقي”، مما يعكس التباين بين النخبة السينمائية والجمهور العريض.
في مؤتمر الصحافة بمراكش، الذي غطته تقارير إعلامية واسعة، دافعت زكي عن اختيارها بهدوء يليق بنجمة ناضجة. “كنت مدركة منذ البداية لحساسية تقديم أم كلثوم.. الجمهور لديه تعلق وجداني كبير، وأحترم كل الآراء”،
قالت، مشيرة إلى أنها لم تغضب من الانتقادات، بل اعتبرتها جزءاً من الحوار الثقافي.
وأضافت: “قبلت الدور بسبب السيناريو الإنساني لأحمد مراد، الذي رأى في الست امرأة تعاني وتحب وتتمرد، وثقتي الكاملة بمروان حامد كمخرج يعرف كيف يقدم الشخصيات بعمق”.
رؤية فنية لنزع القداسة
هذه التصريحات، التي جاءت في سياق الفيديو الوثائقي للمؤتمر، تكشف عن رؤية فنية تركز على “الإنسان خلف الأسطورة”،
لكنها تُفسر من قبل النقاد كمحاولة لـ”نزع القداسة” عن أم كلثوم، محولة إياها إلى شخصية درامية عرضة للعيوب البشرية.
مروان حامد، بدوره، أكد في المؤتمر أن الفيلم “لغة إخراجية حديثة وسرد غير خطي”، يستعرض “ملامح كوكب الشرق من قلب التناقضات”، مشدداً على أن الهدف ليس التبجيل، بل الفهم.
تصريحات مثيرة للجدل
أما أحمد مراد، الكاتب الذي يُعرف بأعماله الجريئة مثل “الفيل الأزرق”، فقد أشعل الفتيل بتصريحاته المثيرة للجدل.
في المؤتمر نفسه، وصف العمل بأنه “من أصعب الأفلام التي مرت عليّ أنا ومروان حامد، لأنه يخلو من الإثارة التي تجذب الجمهور”،
مقارناً إياه بـ”فيلم عن حياة الرسول” في صعوبة الكتابة.
هذه المقارنة أثارت غضباً واسعاً على وسائل التواصل، حيث وُجهت له اتهامات بالاستهانة بالتراث الديني والثقافي،
ووصف البعض تصريحه بـ”التعمد في الاستفزاز”.
مراد، الذي أشادت زكي بسيناريوه “كتلة مشاعر مكتوبة على الورق”، يبدو أنه سعى إلى تحويل السيرة إلى ميلودراما ملحمية،
تكشف عن علاقات أثرت في مسيرة أم كلثوم، مثل تعاملها مع الفرقة والمرض والوحدة.
تشويه الصورة الذهنية
لكن هذا النهج، حسب النقاد، يُشوه الصورة الذهنية للست كرمز وطني، مفضلاً التركيز على الجوانب السلبية ليبني دراما شخصية،
مما يفقد الفيلم الاحترام للأسطورة.
في الختام، يُمثل “الست” نقطة تحول في السينما العربية، حيث يتحدى صناعه الحدود بين الفن والتراث،
لكنه يدفع ثمناً باهظاً في فقدان الاحترام الجماعي.
اختيار منى زكي، رغم إشادات مراكش، يُرى كخطوة متعمدة لإنساننة الست، بينما تصريحات مراد وإخراج حامد يعززان الشعور بـ”التشويه”.
هل نجح الفيلم في إعادة اكتشاف أم كلثوم، أم أنه أضعف هالتها الأبدية؟ الإجابة تكمن في الصالات، حيث يواجه الجمهور هذا التحدي الجريء.



