“رجال في الشمس”.. عندما تتحول أحلام العودة إلى صرخة مكتومة في جوف الصحراء
منذ صدورها عام 1963، لم تكن رواية “رجال في الشمس” للأديب الفلسطيني غسان كنفاني مجرد عمل أدبي عابر،
بل كانت وثيقة إدانة وصرخة مدوية في وجه الصمت العربي والدولي تجاه المأساة الفلسطينية.
في هذا النص، لا يكتب كنفاني حكاية لجوء، بل ينحت من رمال الصحراء ومن حديد جدران الخزان ملحمة وجودية لثلاثة أجيال تائهة،
بحثت عن الحياة في ممرات الموت.
شخصيات رواية رجال في الشمس.. حلم واحد وخيبات متعددة
تبدأ الحكاية من مخيم الشاطئ، حيث تلتقي مصائر أربعة رجال يجمعهم اليأس ويقودهم الأمل الزائف نحو الكويت.
“أبو قيس”، الرجل المسن الذي يقتله الحنين لشجرتي زيتون في قريته، يمثل جيل النكبة الذي شبع انكساراً.
وبجواره “أسعد”، الشاب المندفع الذي خذله الأقرباء وتجار البشر، ساعياً لإثبات ذاته بعيداً عن حطام الماضي.
أما “مروان”، الفتى اليافع الذي قذفت به الظروف ليكون عائل أسرته الوحيد، فيمثل براءتنا التي اغتالتها الحاجة.
هؤلاء الثلاثة وجدوا أنفسهم مرغمين على الارتماء خلف جدران الخزان هرباً من جحيم اللجوء إلى سراب الثراء.
“أبو الخيزران”.. ربان السفينة المحطمة
يتوسط المشهد في رواية رجال في الشمس شخصية “أبي الخيزران”، المهرب وسائق الشاحنة الذي فقد رجولته في حرب 48.
هو شخصية براجماتية معقدة، يمثل القيادة العاجزة التي تقايض أرواح البشر بالمال.
هو الرابط الذي جمع الرجال الثلاثة وأقنعهم بأن الموت اختناقاً هو ثمن مستحق للعبور نحو “الجنة” الموعودة.
وبإشرافه، بدأت الرحلة القاتلة عبر صحراء العراق القاحلة، حيث تحولت الشاحنة إلى فرن صهر للأجساد والأحلام خلف جدران الخزان.
الخيانة واللحظة الصفر: لماذا لم يدقوا؟
تصل الرواية إلى ذروتها المأساوية عند نقطة التفتيش الحدودية. فبينما كان الرجال يحترقون بصمت داخل الخزان تحت شمس حارقة،
انشغل “أبو الخيزران” بحديث تافه عن “راقصة” مع حرس الحدود.
طال الوقت، وتلاشت الأنفاس، وعجز الرجال عن الصراخ؛ إما خوفاً من الانكشاف أو استسلاماً لعجز جماعي أصاب الروح قبل الجسد.
وعندما انفتح الغطاء، لم يجد السائق سوى جثثاً هامدة، فقام بإلقائها في مكب للنفايات، مستولياً على ما تبقى من أوراقهم ونقودهم.
رواية “شارع الأعشى”: دليل شامل لأحداث الرواية والفروقات بينها وبين المسلسل
الصرخة التي هزت ضمير التاريخ
ينتهي ملخص رواية رجال في الشمس بالسؤال الذي ما زال يتردد صداه حتى اليوم في ضمير كل فلسطيني وعربي:
“لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟”.
إنها صرخة غسان كنفاني ضد السلبية والرهان على الحلول الفردية.
لقد أراد كنفاني القول إن الخلاص لا يأتي بالهروب أو الصمت خلف جدران الخزان،
بل بالمقاومة والعمل الجماعي ورفض التواري عن الأنظار.
هي دعوة للشجاعة في وجه القدر، وتحذير من أن الموت بانتظار كل من يختار الصمت وسيلة للنجاة.
تحليل رواية رجال في الشمس
تُعد رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني حجر الزاوية في أدب المقاومة، إذ تتجاوز كونها قصة هجرة غير شرعية
لتصبح تشريحاً سياسياً ونفسياً للمأساة الفلسطينية بعد نكبة 1948.
تكمن قوة الرواية في رمزيتها المكثفة؛ فالشخصيات الثلاث (أبو قيس، أسعد، مروان) لا يمثلون أفراداً فحسب، بل يختزلون أجيالاً فلسطينية كاملة: جيل النكبة المتشبث بالماضي، وجيل الوسط الضائع، وجيل الشباب الذي سُرقت طفولته وأُجبر على الكدح.
تتجلى عبقرية كنفاني في اختيار “خزان المياه” مكاناً للموت؛ فالمفارقة تكمن في أن الوسيلة التي يُفترض أن تحمل “الحياة” (الماء)
تحولت إلى قبر حديدي خانق.
القيادة العاجزة
أما “أبو الخيزران”، السائق الذي فقد رجولته في الحرب، فهو رمز للقيادة العاجزة التي تقود الشعب نحو المجهول،
وهي منشغلة بأحاديث جانبية تافهة بينما يلفظ الشعب أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الظروف القاسية.
الصحراء في الرواية ليست مجرد جغرافيا، بل هي حالة من “التيه” والضياع الوجودي.
والصمت هنا هو “البطل السلبي”؛ فموت الرجال دون محاولة “دق جدران الخزان” يعكس حالة الاستسلام والرهان على الخلاص الفردي والهروب من المواجهة.
صرخة إدانة
تنتهي الرواية بصرخة: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟“، وهي ليست سؤالاً للسائق، بل هي إدانة وجهها كنفاني للشعب والأنظمة على حد سواء.
إنها دعوة لنبذ السلبية والانتقال من حالة “اللجوء الصامت” إلى “المقاومة الفاعلة”.
يخلص التحليل إلى أن الرواية كانت صرخة مبكرة للتنبيه بأن الموت هو المصير الحتمي لكل من يختار الاختباء في توابيت الوهم
بدلاً من المواجهة الجماعية لاسترداد المصير.
لميتا الوصفية(Meta Description)
تحليل أدبي وصحفي لرواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني. استكشف رمزية الأجيال الفلسطينية، مأساة الهجرة غير الشرعية، والصرخة الخالدة: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟”.



