مسلسل “محمد الفاتح”: ملحمة عثمانية تجمع بين التاريخ والدراما “ملخص”
يبرز مسلسل “محمد الفاتح: سلطان الفتوحات” Mehmed: Fetihler Sultanı كعمل يجسد طموحاً إنتاجياً كبيراً لإعادة سرد إحدى أعظم الملاحم الإسلامية.
ويأتي المسلسل ضمن عالم الدراما التاريخية التركية الذي يشهد ازدهاراً هائلاً منذ نجاح أعمال مثل “قيامة أرطغرل” و”المؤسس عثمان”.
يُعد مسلسل محمد الفاتح ، الذي عُرض لأول مرة في مارس 2024 على قناة TRT 1 الحكومية التركية،
استكمالاً لسلسلة الأعمال التي تهدف إلى الترويج للتاريخ العثماني كرمز للقوة والفتوحات.
أنتجته شركة “Tims&B” الشهيرة، بالتعاون مع TRT، تحت إشراف مخرج شفيق بال (Shafiq Balli)،
الذي اشتهر بأسلوبه الدرامي الغني بالمعارك والصراعات السياسية.
بدأ التصوير في أواخر 2023 في استوديوهات إسطنبول، مع مشاهد خارجية في مدن تركية تقلد المناطق التاريخية،
واستمر الإنتاج حتى أكتوبر 2025 ليغطي ثلاثة مواسم،
مع خطط لامتداد إلى أربعة أو خمسة مواسم إضافية كما أعلن المنتجون في يوليو 2025.
أبطال مسلسل محمد الفاتح
يضم المسلسل طاقماً فنياً قوياً يجسد الشخصيات التاريخية بأداء يجمع بين الإقناع والعمق العاطفي.
يقود البطل سيركان تشاي أوغلو في دور السلطان محمد الثاني (الفاتح)،
الذي يُصور كشاب طموح يجمع بين الذكاء الاستراتيجي والعواطف الإنسانية، وهو ما جعله يحصد إعجاب النقاد.
يشاركه سنان ألبايراك في دور زاغانوس باشا، الوزير المخلص،
وسليم بايراكتار كخليل جاندرالي، الوزير الأعظم الذي يمثل الصراع الداخلي.
كما تبرز شخصيات أخرى مثل تيومان كومباراجباشي في دور السلطان مراد الثاني (والد محمد)،
وستشكين أوزدمير كالإمبراطور قسطنطين الحادي عشر، بالإضافة إلى كنان تشوبان في دور بالي بك، قائد الغزاة الأقنجي.
أما النساء، فيتمثلن في شخصيات مثل إيرا غونر أوغلو كأميرة بيزنطية، مما يضيف طبقة رومانسية إلى السرد.
حتى نهاية نوفمبر 2025، بلغ عدد الحلقات 61 حلقة موزعة على ثلاثة مواسم (الموسم الأول: 30 حلقة،
الثاني: 19 حلقة، الثالث: 12 حلقة حتى الآن)،
مع مدة كل حلقة تتراوح بين 90 و120 دقيقة، مما يجعله واحداً من أطول الأعمال التركية التاريخية في السنوات الأخيرة.

قصة مسلسل محمد الفاتح
يروي المسلسل سيرة السلطان محمد الثاني، الذي تولى العرش العثماني في سن الـ21 عام 1451،
وسط صراعات داخلية وخارجية تهدد الإمبراطورية.
يركز السرد على حلمه بفتح القسطنطينية، المدينة التي نبئ بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأن فاتحها يكون من الأمة الأفضل،
وكيف يواجه مؤامرات الوزراء والتحالفات البيزنطية لتحقيق هذا الهدف.
بين السياسة والحرب، يبرز المسلسل الجانب الإنساني لمحمد كقائد يجمع بين الإيمان والطموح،
مع لمسات درامية تضيف صراعات عائلية ورومانسية.
النهاية المتوقعة في المواسم المقبلة تركز على توسع الإمبراطورية بعد الفتح،
مما يجعل القصة مزيجاً بين الملحمة التاريخية والدراما الشخصية،
مستوحاة من مصادر مثل كتب الطبري والإمام السيوطي، لكن مع إضافات خيالية لتعزيز التشويق.
ملخص أحداث المسلسل
يبدأ الموسم الأول (2024) بوفاة السلطان مراد الثاني عام 1451، حيث يُجبر محمد على العودة من مانيسا إلى أدرنة لتولي العرش، وسط معارضة من الوزير خليل جاندرالي الذي يخشى طموحاته.
تتطور الأحداث مع ظهور أورخان، الوريث العثماني المتنافس، الذي يُدعم من قبل البيزنطيين، مما يؤدي إلى مؤامرة لاغتياله.
ينجح محمد في كشف المخطط، ويبدأ في تعزيز جيشه بمساعدة زاغانوس باشا، قائد الإنكشارية المخلص.
في حلقات الوسط، يركز المسلسل على حملات محمد الأولى، مثل غزو صربيا والبندقية،
حيث يُظهر ذكاءه الاستراتيجي في استخدام المدافع الضخمة التي صُممت بواسطة مهندس عثماني.
تنتهي الحلقة 30 بإعداد محمد للحملة على القسطنطينية، مع مشهد درامي يظهر صلاته في المسجد، متذكراً الحديث النبوي.
حصار القسطنطينية
أما الموسم الثاني (أكتوبر 2024 – يونيو 2025)، فيغطي الحصار الفعلي للقسطنطينية عام 1453.
يبدأ ببناء محمد لأسطوله الضخم (أكثر من 400 سفينة) ونقله عبر البر فوق التلال لتجاوز الحصار البحري،
وهو حدث تاريخي حقيقي مُضخم درامياً.
يواجه محمد تحديات داخلية، مثل تمرد الإنكشارية بسبب الإرهاق، وخارجية مع الإمبراطور قسطنطين الذي يستعين بمحاربين من جنوى والبندقية.
في حلقة محورية (الحلقة 40)، يُصور سقوط المدينة بعد 53 يوماً من الحصار،
مع استخدام محمد للمدفع العملاق “باشورا” الذي يهدم الأسوار، ودخول الجنود العثمانيين في 29 مايو.
يُظهر المسلسل محمداً يدخل الآيا صوفيا ليحولها إلى مسجد، مع لمسة عاطفية حيث يبكي على القتلى من الجانبين.
تنتهي الحلقة 49 بتوحيد محمد للإمبراطورية، لكن مع تلميح إلى صراعات جديدة مع الصفويين.
توسع الإمبراطورية
في الموسم الثالث (يبدأ أغسطس 2025، حتى الآن 12 حلقة)، يحدث قفزة زمنية بـ8 سنوات،
حيث يُعدم محمد خليل جاندرالي بتهمة الخيانة (حلقة 52)، ويعين محمود باشا كوزير أعظم.
تركز الأحداث على توسع الإمبراطورية نحو البلقان وأوروبا الشرقية، مع حملات ضد المجر والبندقية.
تبرز صراعات داخلية مثل تمرد الإنكشارية مرة أخرى، وعلاقات محمد مع أبنائه، بالإضافة إلى قصة رومانسية مع أميرة بيزنطية.
في الحلقة 61 (أحدث حتى ديسمبر 2025)، يُصور محمداً في قمة مجده،
لكنه يواجه تهديداً من فلاد المخوزق (دراكولا)، مما يمهد لمواسم قادمة.
السرد يعتمد على مزيج من الوثائق التاريخية مثل “تاريخ ابن خلدون” و”فتح القسطنطينية” لدوجان بن حمد،
مع إضافات درامية لتعزيز التشويق، مثل حوارات خيالية بين محمد وقسطنطين.

أهم الانتقادات الموجهة للمسلسل.. الأخطاء التاريخية
رغم نجاحه التجاري الذي حقق أكثر من 10 ملايين مشاهدة أسبوعية في تركيا والعالم العربي، واجه مسلسل “محمد الفاتح” انتقادات حادة، خاصة من المؤرخين والنقاد المتخصصين في التاريخ العثماني.
أبرزها يتعلق بالأخطاء التاريخية التي اعتبرتها بعض الجهات “تحريفاً متعمداً” لصالح الرواية الدرامية.
على سبيل المثال، في الموسم الأول، يُصور المسلسل وفاة أورخان (الوريث العثماني المتنافس) كمؤامرة بيزنطية مباشرة،
بينما تاريخياً كانت وفاته طبيعية عام 1453، ولم تكن مرتبطة بمحمد مباشرة،
مما يُظهر محمداً كضحية أكثر مما هو في الواقع، كما انتقدت ذلك قناة “تاريخستان” في فيديو تحليلي بـ4 أبريل 2025.
كذلك، أثار تصوير خليل جاندرالي كخائن مطلق غضباً، إذ يُعدم في الموسم الثالث بعد اتهامه بالتجسس للبيزنطيين،
رغم أن إعدامه التاريخي كان بسبب معارضته للحرب، وليس خيانة مثبتة، وفقاً لمصادر مثل “تاريخ البيقلي”.
السرد التركي
هذا التصوير، حسب الناقد عماد الدين علي في منشور على فيسبوك بـ4 أبريل 2025، يشوه صورة الوزير كسياسي حكيم، ويخدم السرد التركي الحديث لتعزيز صورة السلطان كبطل مطلق.
أما في مشاهد الفتح، فيُضخم المسلسل دور المدفع “باشورا”، حيث يُظهر 10 محاربين فقط يدخلون الأسوار في حلقة 40،
بينما كان الفتح يشمل عشرات الآلاف، كما أشار نقاد على يوتيوب في فيديو “أخطاء مسلسل السلطان محمد الفاتح” بـ17 نوفمبر 2025،
معتبرين ذلك إخراجاً ضعيفاً يقلل من البُعد الملحمي.
أدوات درامية رومانسية
بالإضافة إلى ذلك، وُجهت انتقادات للنساء في المسلسل، حيث تُصور كأدوات درامية رومانسية دون دور سياسي حقيقي،
خلافاً للواقع حيث كانت أمهات السلاطين قويات. كما اتهم بعض المراجعين،
مثل تلك في “أكاذيب عن السلطان محمد الفاتح” على يوتيوب بـ15 يوليو 2025، المسلسل بـ”التزييف التاريخي” في تغيير تواريخ الحملات، مثل تسريع غزو صربيا بسنوات.
هذه الأخطاء، رغم أنها شائعة في الدراما التاريخية، أدت إلى حملات هاشتاج #أخطاء_محمد_الفاتح على تويتر، مطالبة بمزيد من الدقة.
ومع ذلك، يدافع المنتجون بأن المسلسل “دراما تاريخية” لا وثائقية، مما يبرر الإضافات للتشويق.
في الختام، يظل “محمد الفاتح” عملاً يعيد إحياء تراث إسلامي عظيم، رغم عثراته، ويُعد خطوة نحو فهم أعمق للعصر العثماني في عصرنا.
مع استمرار المواسم، قد يصحح بعض الأخطاء أو يثير جدلاً أكبر، لكنه بالتأكيد يُلهم جيلاً جديداً بقصة الفتح الخالدة.



