سينما

“موسكو لا تؤمن بالدموع”: قصة فيلم سوفيتي فاز بالأوسكار وأصبح تحفة سينمائية خالدة “مشاهدة”

في ليلة فبراير 1981، فاز فيلم سوفييتي متواضع بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، متفوقاً على عمالقة مثل كوروساوا وتروفو.

كان اسم الفيلم «موسكو لا تؤمن بالدموع»، من إخراج فلاديمير مينشوف عام 1979، وبطولة زوجته فيرا ألينتوفا.

الفيلم يتناول قصة ثلاث فتيات يصلن إلى موسكو في الخمسينيات بحثاً عن حلم أكبر،

يبدأ الفيلم ككوميديا خفيفة مليئة بالضحك والشباب، ثم يقفز عشرين عاماً ليصبح دراما عميقة عن الطموح والوحدة والحب الذي يأتي متأخراً جداً… لكنه يأتي.

في قلب الفيلم كاترينا: فتاة خدعتها المدينة الكبيرة في شبابها، فحولت نفسها إلى امرأة قوية ناجحة، ثم اكتشفت أن النجاح لا يسد مكان الحب.

في النهاية، يضحكك الفيلم حتى الثمالة، ثم يجعلك تبكي من الفرح في المشهد الأخير.

«موسكو لا تؤمن بالدموع» ليس مجرد تحفة سوفييتية، بل واحد من أجمل الأفلام الرومانسية في تاريخ السينما كله،

ودليل أن الحب الحقيقي قد يطرق الباب بعد أن تفقد الأمل تماماً… ويستحق الانتظار كله.

فكرة الفيلم وهيكله

فيلم Moscow does not believe in tears مقسم إلى جزأين زمنيين متباعدين 20 سنة تقريباً: الجزء الأول (1958): ثلاث فتيات ريفيات يصلن إلى موسكو بحثاً عن حياة أفضل.

الجزء الثاني (1978-1979): نرى مصير كل واحدة منهن بعد عشرين عاماً.

الرسالة المركزية التي يحملها العنوان «موسكو لا تؤمن بالدموع» هي: المدينة الكبيرة قاسية، لا مكان فيها للشكوى أو الاستسلام، لكن من يجتهد ويؤمن بنفسه يمكنه أن ينتصر.

الشخصيات الرئيسية

كاترينا (كاتيا): بطلة الفيلم، فتاة طموحة، ذكية، لكنها ساذجة عاطفياً في شبابها.

تتعرض للخيانة والحمل غير الشرعي، لكنها تتحول إلى مديرة مصنع ناجحة وامرأة قوية.

  1. ليودميلا: تبحث عن الزواج من «رجل موسكو» الغني، تعتقد أن الحياة لعبة قمار. تنتهي مطلقة وتعيسة.
  2. أنطونينا: الفتاة الطيبة البسيطة التي تتزوج حباً حقيقياً وتعيش حياة هادئة سعيدة مع زوجها العامل نيكولاي.
  3. غوشا: الرجل الغامض، ميكانيكي عبقري، ذو شخصية قوية وكرامة عالية، يرفض أن يرتبط بامرأة أعلى منه مقاماً.
فيلم موسكو لا تؤمن بالدموع
أبطال فيلم موسكو لا تؤمن بالدموع في الجزء الأول

ملخص كامل لأحداث فيلم «موسكو لا تؤمن بالدموع»

فيلم Москва слезам не верит  مقسّم إلى جزأين زمنيين، بينهما قفزة قدرها حوالي 19-20 سنة.

الجزء الأول – موسكو 1958

ثلاث فتيات في العشرين من العمر يعشن معاً في سكن عمالي بموسكو:

– كاترينا (كاتيا) – طالبة ذكية في كلية الكيمياء مسائياً، تعمل نهاراً في مصنع، طموحة جداً وحالمة.

– ليودميلا (ليودا) – عاملة في مخبز، جميلة، ذكية بشكل ماكر، تعتقد أن الحياة في موسكو «لعبة قمار» وأفضل طريقة للعيش هي عن الزواج من رجل غني وناجح من خلال التظاهر بالانتماء إلى  طبقة أعلى.

– أنطونينا (تونيا) – طيبة، بسيطة، تعمل نجارة، تحب شاباً بسيطاً اسمه نيكولاي يأتي كل يوم ينتظرها عند المصنع.

في صيف 1958، تذهب قريبة كاتيا الثرية (أستاذة جامعية) إلى الخارج لشهرين وتترك شقتها الفاخرة في وسط موسكو تحت تصرف كاتيا.

كاتيا وليودميلا تقرران استغلال الفرصة: يعيشان في الشقة، يرتديان ملابس فاخرة ويتظاهران بأنهما ابنة بروفيسور ولاعبة جمباز مشهورة.

في إحدى الحفلات يتعرفان على شبان من الطبقة المخملية:

– ليودميلا تبدأ علاقة مع سيرغي غورين، لاعب هوكي شهير.

– كاتيا تقع في حب رودولف (روديك) راكوفيلوف، مصور التلفزيون المتعجرف والوسيم.

في الوقت نفسه، تونيا تتزوج نيكولاي حباً حقيقياً وتنتقل للعيش في كوخ ريفي قرب موسكو وتبدأ حياة هادئة سعيدة.

كاتيا تحمل من رودولف.

عندما تخبره بالحمل يسخر منها ويقول لها «من أنتِ أصلاً؟ عاملة في مصنع!» ويتركها.

في المشهد الشهير، تأتي والدة رودولف معه للسكن العمالي ويصوّران كاتيا بالكاميرا وهي تبكي وتتوسل، ثم ينشران الشريط في التلفزيون كنوع من السخرية.

كاتيا تحاول الانتحار بشرب الخل لكنها تتراجع، تلد ابنتها ألكسندرا (ساشا) وتقرر تربيتها وحدَها وإكمال دراستها مهما كلف الأمر.

الجزء الثاني – موسكو أواخر 1978 وأوائل 1979

بعد عشرين سنة تقريباً، نرى مصير الصديقات الثلاث:

– تونيا متزوجة سعيدة من نيكولاي، لديهما ثلاثة أبناء، يعيشان حياة ريفية بسيطة مليئة بالحب والدفء.

– ليودميلا تزوجت سيرغي غورين ثم طلقته عندما أصيب وانتهت مسيرته الرياضية، أصبحت مدمنة خفيفة على الكحول، تعمل في مغسلة كيماوية ولا تزال تبحث عن «الرجل المناسب».

– كاتيا حققت إنجازاً نادراً: مديرة مصنع كيميائي كبير، نائبة في المجلس المحلي، لديها شقة فاخرة وسيارة فولغا مع سائق، لكنها وحيدة تماماً.

ابنتها ألكسندرا (17 سنة) مراهقة متمردة تعيش معها، وكاتيا لم تتزوج أبداً ولا علاقات عاطفية منذ رودولف.

في أحد الليالي، بعد يوم عمل طويل، تركب كاتيا القطار الكهربائي للعودة إلى البيت، وهناك تلتقي بغيورغي إيفانوفيتش (يُدعى غوشا)،

رجل في الأربعين المتأخرة، ميكانيكي في معهد أبحاث، ذكي جداً، قارئ نهم، شخصية قوية وكاريزما طبيعية، لكنه يشرب الكحول أحياناً ويعيش مع أمه العجوز في شقة صغيرة.

حوارعفوي

يبدأ بينهما حوار عفوي في القطار، ثم يلتقيان صدفة مرة أخرى في بيت ريفي عند تونيا ونيكولاي (حيث يذهبان كلاهما لزيارة الصديقة القديمة في نفس اليوم).

يقع غوشا في حب كاتيا بسرعة، وتبدأ علاقتهما.

غوشا رجل مبادئ: يكره الكذب، يرفض أن يأخذ فلوساً من امرأة، يعتبر أن الرجل يجب أن يكون «رأس الأسرة».

في البداية لا يعرف أن كاتيا مديرة مصنع كبير، يظنها موظفة عادية.

عندما يكتشف الحقيقة (من خلال ليودميلا التي تخبره عمداً لتفرّق بينهما)، يختفي غوشا فجأة ويترك كاتيا.

يشعر أن كرامته جُرحت لأنها أخفت عنه منصبها ودخلها الأعلى بكثير من دخله، ويعتقد أنها كانت تستخف به.

كاتيا تنهار لأول مرة منذ عشرين سنة.

تبحث عنه في كل مكان، تذهب إلى ورشته، إلى بيته، لا تجده. تبكي وتقول لصديقاتها الجملة الشهيرة: «عشتُ أربعين سنة ولم أبكِ إلا مرتين: عندما تركني رودولف وهو الآن».

أم غوشا

أخيراً، بعد أسبوع من الاختفاء والشرب، تعود أم غوشا إلى البيت وتجد كاتيا وابنتها وتونيا وليودميلا جالسات معها يشربن الشاي.

الأم تقول له ببساطة: «ما الذي تفعله يا ولدي؟ هناك امرأة تحبك تنتظرك منذ ثمانية أيام!».

يدخل غوشا الغرفة، يرى كاتيا، عيناه تمتلئان بالدموع فجأة (مشهد باتالوف الخالد)، ويقول بصوت مختنق: 

«كم انتظرتُ هذه اللحظة… كم انتظرتُكِ».

الفيلم ينتهي على مائدة العشاء في بيت كاتيا: غوشا وكاتيا وألكسندرا والأصدقاء جميعهم مجتمعين، والكاميرا تبتعد ببطء ونسمع صوت كاتيا خارج الكادر وهي تبكي من السعادة وتقول: 

«أخيراً… أخيراً وجدتُه».

الشاشة تُظلم وعلى الشاشة السوداء تظهر العبارة الشهيرة: 

«سيستمر الفيلم الجزء الثاني… بعد قليل».

هذا هو «موسكو لا تؤمن بالدموع» كاملاً، من الضحك إلى الدموع، من الألم إلى الأمل، في ساعتين ونصف فقط.

التحليل الفني والجماليات السينمائية

  1. البناء الدرامي المزدوج (الزمن) مينشوف استخدم تقسيم الفيلم إلى جزأين زمنيين بفاصل 20 سنة ببراعة شديدة، بحيث يصبح الجزء الأول مقدمة نفسية واجتماعية للثاني.

هذا التقسيم يشبه روايات القرن التاسع عشر (تولستوي، ديكنز) أكثر من الأفلام السوفييتية المعاصرة له.

  • التصوير (إيغور سلابنيفيتش)

الجزء الأول مفعم بالألوان الدافئة والإضاءة الطبيعية الصيفية، يعكس الشباب والأمل.

الجزء الثاني يستخدم ألواناً باردة، شتاء موسكو الرمادي، شقق حديثة لكنها فارغة عاطفياً.

مشهد القطار الكهربائي الذي يلتقي فيه غوشا وكاتيا للمرة الأولى مصور بطريقة شبه وثائقية، كأن الكاميرا تتجسس على حياة الناس العاديين.

  • الموسيقى (سيرغي نيكيتين) أغنية «ألكسندرا» الشه bienية التي تُغنى في الحفلة أصبحت نشيداً وطنياً غير رسمي.

الموسيقى تجمع بين الطابع الشعبي الروسي والحداثة السبعينياتية.

  • الواقعية الاجتماعية مع لمسة شعرية على عكس معظم الأفلام السوفييتية التي كانت إما دعائية أو تجريبية، نجح مينشوف في تقديم صورة صادقة ومؤثرة للحياة اليومية في الاتحاد السوفييتي دون شعارات.

الناس يضحكون، يبكون، يحبون، يخطئون، تماماً كأي مكان في العالم.

  • الكوميديا والمأساة معاً الفيلم يبدأ ككوميديا خفيفة شبيهة بأفلام الستينيات الإيطالية، ثم يتحول تدريجياً إلى ملحمة إنسانية عميقة.

هذا التحول السلس هو أحد أسباب عبقريته.

لماذا لا يزال الفيلم عظيماً بعد 45 سنة؟

لأنه يحكي قصة عالمية: فتاة فقيرة تتحدى المجتمع وتنجح، ثم تكتشف أن النجاح المادي لا يكفي، وأن السعادة الحقيقية تأتي متأخرة أحياناً، لكنها تأتي.

ولأن موسكو في الفيلم ليست مجرد مدينة، بل هي رمز للحلم الكبير الذي يبتلع الضعفاء ويكافئ الأقوياء.

“موسكو لا تؤمن بالدموع” ليس فقط أجمل فيلم رومانسي سوفييتي، بل واحد من أعظم الأفلام الرومانسية في تاريخ السينما العالمية.

إذا لم تشاهده بعد،ففي هذا المقال رابط لمشاهدته.. واستعد للبكاء في النهاية، ليس من الحزن، بل من الفرح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى