المدونة

لماذا يحب العنصريون كلابهم ويكرهون البشر؟ تفكيك ظاهرة التعاطف الانتقائي

في عام 2020، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بحادثة “إيمي كوبر” في سنترال بارك بنيويورك؛ امرأة بيضاء كانت تداعب كلبها برقة متناهية،

لكنها في لحظة خلاف بسيطة، استدعت الشرطة برعب زائف ضد رجل أسود، مستغلةً لون بشرته لتهديد حياته.

هذه الحادثة فتحت الباب أمام تساؤل سوسيولوجي عميق طرحته صحيفة نيويورك تايمز:

 كيف يمكن لشخص أن يمتلك قلباً يتسع لآلام حيوان، بينما يمتلئ حقداً تجاه إنسان لمجرد اختلاف العرق أو الدين؟

سيكولوجية “التعاطف الانتقائي”: عندما يصبح الحيوان بديلاً للإنسان

يشير علماء النفس في تقارير نشرتها صحيفة ذا غارديان إلى أن التعاطف تجاه الحيوانات الأليفة أسهل بكثير من التعاطف مع البشر المعقدين.

فالكلاب تمنح حباً غير مشروط، ولا تتحدى المعتقدات السياسية أو الدينية لصاحبها، ولا تذكره بامتيازاته الطبقية أو العرقية.

بالنسبة للعديد من أصحاب التوجهات العدوانية، يصبح الكلب “امتداداً للأنا”، بينما يظل الإنسان المختلف (الغريب) “تهديداً” يجب إقصاؤه.

هذا النوع من المواجدة  العاطفية الموجهة حصراً للحيوانات يمنح الشخص شعوراً زائفاً بالنبل الأخلاقي.

هو يرى نفسه “إنساناً صالحاً” لأنه أنقذ كلباً من الشارع، وهذا الشعور بالصلاح يمنحه “رخصة أخلاقية” لممارسة العنصرية أو التهميش ضد الأقليات أو المهاجرين، دون أن يشعر بتأنيب الضمير.

الجذور التاريخية: تفضيل الحيوان كأداة للتفوق العرقي

ليست هذه الظاهرة حديثة؛ فالتاريخ الاستعماري مليء بالأمثلة.

تذكر صحيفة “ذي إندبندنت” أن بعض القادة النازيين، وعلى رأسهم هتلر، كانوا يقدسون الكلاب ويضعون قوانين صارمة لحمايتها،

في الوقت الذي كانوا يشرفون فيه على إبادة ملايين البشر.

وفي هذا السياق، لم يكن حب الحيوان نابعاً من قيمة الرحمة الشاملة، بل كان شكلاً من أشكال التراحم العنصري؛ حيث يُنظر إلى الحيوان “الخاص بالمتفوقين” على أنه أسمى من البشر “الأدنى” في سلم العرق.

أما في المجتمعات الغربية المعاصرة، يلاحظ علماء الاجتماع أن “ثقافة الكلاب” في المناطق التي تتعرض لعمليات التغيير الديموغرافي (Gentrification) تُستخدم أحياناً كأداة لتحديد من “ينتمي” للمكان ومن هو “غريب”،

 حيث تُعطى الأولوية لمساحات تنزه الكلاب على حساب احتياجات السكان الأصليين من ذوي البشرة الملونة.

فيلم «نورمبرغ» (Nuremberg): القصة الحقيقية للطبيب النفسي الذي غاص في عقول النازيين

تأليه الحيوان وشيطنة “الآخر

عندما يفتقر الفرد إلى الحس الإنساني تجاه أخيه الإنسان، فإنه غالباً ما يبحث عن رابطة عاطفية “آمنة”.

البشر المختلفون يطالبون بالمساواة، بالاحترام، وبمشاركة الموارد؛ وهذا ما يثير حفيظة الشخص العنصري أو العدواني.

أما الكلب، فهو كائن تابع تماماً.

هذا التآزر  مع الكائنات غير الناطقة يسمح للشخص بالهروب من استحقاقات العيش المشترك في مجتمع متنوع.

إنهم يميلون إلى “أنسنة” الحيوان (منحه صفات البشر) وفي المقابل يقومون بـ “نزع الإنسانية” (Dehumanization)

عن البشر المختلفين عنهم في اللون أو العرق أو المعتقد، مما يسهل عليهم ممارسة العنف اللفظي أو الجسدي ضدهم.

المنظور الاجتماعي: “الكلب” كدرع للهوية

في المجتمعات المنقسمة، يصبح نوع الكلب وتربيته جزءاً من “الهوية الطبقية والعرقية”.

تشير الدراسات المنشورة في دوريات علم الاجتماع الغربية إلى أن البعض يستخدم اهتمامه المفرط بالحيوانات كوسيلة لتمييز نفسه

عن فئات يراها “أقل تحضراً” أو “أكثر وحشية” لأنها لا تشاركه نفس الهوس بتربية الحيوانات داخل المنازل.

هنا، يتحول الحنان  تجاه الكلب إلى سلاح رمزي يُستخدم لإدانة ثقافات أخرى ووصفها بالتخلف، مما يغذي خطاب الكراهية والعنصرية المبطنة.

الخلاصة: نحو رحمة لا تتجزأ

إن فضح هذه الظاهرة لا يهدف إلى التقليل من قيمة الرفق بالحيوان، بل الهدف منه هو كشف “النفاق الأخلاقي”.

الإنسانية الحقيقية لا تتجزأ؛ فالشخص الذي يدعي الرحمة لأنه يعتني بكلب،

بينما يمارس الاضطهاد ضد إنسان بسبب لون بشرته أو دينه، هو شخص يعاني من خلل عميق في منظومة القيم.

 إن اختبار الأخلاق الحقيقي ليس في كيفية تعاملك مع كائن يطيعك ويحبك بلا شروط،

بل في كيفية تعاملك مع إنسان يختلف عنك ويمتلك كامل الحق في مشاركتك هذا الكوكب بكرامة ومساواة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى