“المغتالون الصامتون” .. سيكولوجية المؤذين الذين يقتاتون على تحطيم الأرواح الرقيقة ( قصة بسنت سليمان)
بينما يرى المجتمع في الانتحار فعلاً فردياً نابعاً من يأس الضحية، تغفل الأعين غالباً عن “المحرض الصامت” أو “المؤذي النفسي”
الذي نصب الفخ، وأحكم الحصار، وظل ينهش في ثبات الضحية حتى لم يترك لها خياراً سوى الرحيل.
هؤلاء ليسوا مجرد أشخاص عابريين، بل هم “ساديون اجتماعيون” يزدهرون فوق ركام الأرواح التي حطموها.
لذلك فإن قصة بسنت سليمان ، السيدة ألقت بنفسها من الطابق الـ13 بسموحة بالإسكندرية فجر اليوم،
بعد معاناة نفسية طويلة مع طليقها ليست قصة عابرة.

1. سيكولوجية “المؤذي”: لماذا يستهدفون رقاق القلوب؟
المؤذي النفسي (سواء كان نرجسياً، سيكوباتياً، أو متنطاعاً انتهازياً) لا يستهدف الضعفاء، بل يستهدف “الطيبين والأنقياء”؛
لأنهم يمتلكون ما يفتقر هو إليه: الضمير، الإحساس، والقدرة على الحب والتعلق.
- الاستنزاف الممنهج: يرى المؤذي في “رقة القلب” ثغرةً يمكن من خلالها الدخول وتدمير الثقة بالنفس.
- لذة السيطرة: يشعر هؤلاء بنشوة غامرة عندما يتمكنون من تحويل إنسان مقبل على الحياة إلى جثة تتحرك، يجدون في كسر “الروح الحالمة” إثباتاً لقوتهم المشوهة.
فاجعة تهز الإسكندرية.. انتحار “موديل” من الدور الـ13 في بث مباشر بسموحة: “خلوا بالكم من بناتي”
2. سلاح “الاغتيال المعنوي”: كيف يدفعونهم للانتحار؟
لا يدفع هؤلاء ضحيتهم للموت بكلمة مباشرة، بل عبر استراتيجيات نفسية خبيثة، منها:
- التشكيك في الواقع (Gaslighting): جعل الضحية تشعر أنها “مجنونة” أو “مبالغة” أو أنها هي المخطئة دائماً، حتى تفقد الضحية بوصلتها النفسية.
- عزل الضحية: قطع صلتها بالأهل والأصدقاء (كما نرى في حالات العلاقات السامة)، بحيث يجد الشخص نفسه وحيداً تماماً أمام جلاده، تماماً كما وصفت بسنت سليمان: “كأني خلفتهم لوحدي“.
- التحقير المستمر: إشعار الضحية بأنها “عبء” على من حولها، وأن العالم سيكون مكاناً أفضل بدونها.
هذا الشعور بـ “أنني عبء” هو المحرك الأسرع لقرار الانتحار.
3. “مصاصو الدماء النفسيون”: العيش على أنقاض المأساة
الظاهرة الأكثر رعباً هي أن هؤلاء المؤذين لا يشعرون بالندم بعد انتحار الضحية، بل غالباً ما يستثمرون هذا الموت لصالحهم:
- لعب دور الضحية: قد يظهر المؤذي في الجنازة أو على السوشيال ميديا كأكثر المتأثرين والمصدومين، مستجلبين عطف الناس ومحققين مكاسب اجتماعية من مأساة هم صانعوها.
- التخلص من الدليل: بانتحار الضحية، يموت “الشاهد الوحيد” على جرائم المؤذي النفسية،
مما يمنحه شعوراً بالحرية المطلقة لبدء رحلة صيد جديدة ضحيتها “قلب رقيق” آخر.
- الشعور بالتفوق: يرى الانتهازيون أن رحيل هؤلاء “الطيبين” هو تنقية للساحة لهم، لأن “قواعد اللعبة” التي يتقنونها لا تعترف إلا بالقساة والمخادعين.
4. العلاقة بين “النطاعة” والانتهازية وهاوية الموت
في مجتمع يوصف بـ “البائس واليائس”، تبرز طبقة من “الانتهازيين” الذين يتقنون “لعبة الشيطان”.
هؤلاء يعلمون أن الطيبين هم “ضمير المجتمع”، وبما أن الضمير يؤرق الظالمين، فإنهم يعملون بوعي أو بدون وعي على سحقه.
- هم الذين يسرقون مجهود الزميل “الرقيق” في العمل حتى ينهار.
- هم الذين يبتزون عاطفياً الشريك “المخلص” حتى ينكسر.
- هم الذين يمارسون “التنمر” تحت مسمى المزاح، و”النطاعة” تحت مسمى الشطارة.
5. لماذا ينجو “القفازون” ويهلك “الأنقياء”؟
لأن الانتهازي يمتلك “جلداً سميكاً” وقلباً لا يعرف الندم، فهو لا يشعر بوطأة الظلم الذي يوقعه على الآخرين.
أما رقيق القلب، فهو يشعر بوجعه ووجع العالم، وعندما يواجه خيانة من قريب أو ظلماً من سلطة أو غدراً من صديق،
لا يمتلك “المخالب” اللازمة للمواجهة، فيختار الانكفاء على الذات، ومن ثم الهروب الكبير (الانتحار).
الخاتمة: الموت الذي يُطبخ على نار هادئة
إن انتحار بسنت سليمان وغيرها ليس “قراراً مفاجئاً”، بل هو نتيجة “جريمة قتل بالتقسيط“ نفذها مؤذون نفسيون يتجولون بيننا بحرية.
هؤلاء الذين ينامون ملء جفونهم بينما ضحاياهم يصارعون رغبة الموت، هم الثقب الأسود في ثوب المجتمع.
ما نحتاجه اليوم ليس فقط الوعي بالمرض النفسي، بل الوعي بـ “الإجرام النفسي“.

يجب تسمية الأشياء بمسمياتها؛ فالمؤذي الذي يدفع إنساناً لليأس هو “قاتل” وإن لم يلمس السكين،
والمجتمع الذي يحمي الانتهازيين ويترك الطيبين للعجز هو شريك في “جريمة الهدر” هذه.
ستظل دماء الأبرياء تلاحق “القفازين” الذين يظنون أنهم نجوا، فالحياة التي تُبنى على أنقاض الموتى هي حياة مشوهة،
حتى وإن بدت براقة في عيون الناس.



