سينما

«أحدهم طار فوق عش المجانين».. حين يصبح الجنون وسيلة للحرية

في عام 1975، هزّ فيلمٌ أمريكيّ هادئ المظهر، عميق الجوهر، وجدانَ العالم بأسره. لم يكن فيلمًا عن الطب النفسي بقدر ما كان عن الإنسان في مواجهة السلطة، عن الحرية حين تصير تهمة، وعن الجنون حين يغدو الشكل الأصدق للعقل.

هذا الفيلم هو «أحدهم طار فوق عش المجانين» (One Flew Over the Cuckoo’s Nest)، الذي أخرجه التشيكوسلوفاكي ميلوش فورمان، واقتبسه عن رواية الكاتب الأمريكي كين كيسي الصادرة عام 1962.

أصبح العمل لاحقًا من أعظم الأفلام في تاريخ السينما، وأحد ثلاثة أفلام فقط نالت الجوائز الخمس الكبرى في الأوسكار: أفضل فيلم، وأفضل مخرج، وأفضل ممثل، وأفضل ممثلة، وأفضل سيناريو مقتبس.

بذرة القصة: من رواية رفضها النظام

في بداية الستينيات، كان كين كيسي شابًا يعمل ممرضًا ليليًا في مستشفى للأمراض النفسية في ولاية أوريجون الأمريكية.

هناك، اختلط بالمرضى، وشهد كيف يُمكن للمجتمع أن يقمع المختلفين تحت ستار “العلاج”.

كتب روايته One Flew Over the Cuckoo’s Nest متأثرًا بتلك التجربة وبالمناخ السياسي المحافظ الذي كان يخنق روح الحرية في أمريكا ما بعد الحرب.

لم تكن الرواية فقط صرخة ضد السلطة، بل أيضًا ضد فكرة “العقل الجمعي” الذي يقتل في الإنسان فرادته باسم النظام.

لكنها كانت شديدة الجرأة، حتى أن الحكومة الأمريكية منعت كيسي من زيارة المستشفى مجددًا بعد نشرها.

من كيرك دوغلاس إلى ميلوش فورمان: رحلة الفيلم إلى الشاشة

كان تاريخ تحويل الرواية إلى فيلم ” أحدهم طار فوق عش الوقواق” هو قصة مثيرة بحد ذاتها.

فقد اشترى الممثل الأسطوري “كيرك دوغلاس” حقوق الرواية بعد أن قرأها وأدّاها على المسرح في برودواي عام 1963، لكنه لم يجد منتجًا يغامر بتصويرها في ذلك الوقت. مرّت السنوات،

وكبر دوغلاس في السن، فانتقلت الحقوق إلى ابنه “مايكل دوغلاس”، الذي رأى في القصة فرصة ذهبية لجيل جديد.

بعد بحث طويل، اختار المخرج التشيكي ميلوش فورمان، الذي كان قد هرب من النظام الشيوعي في بلاده،

وأدرك فورًا المعنى العميق وراء النص: “لقد رأيت في القصة ما رأيته في براغ.

مؤسسة تفرض النظام بالقوة، وتهشم روح الإنسان باسم الانضباط”، كما قال لاحقًا في أحد حواراته.

داخل المصحّ الحقيقي: حين امتزج الواقع بالخيال

قرر فورمان أن يصوّر الفيلم داخل مستشفى حقيقي للأمراض العقلية في ولاية أوريجون، مستخدمًا بعض المرضى الحقيقيين في لقطات الخلفية،

بل واستعان بطبيب نفسي حقيقي ليشرف على التمثيل.

كان الممثلون يعيشون أدوارهم فعلاً، يأكلون وينامون مع المرضى، لتتلاشى الحدود بين الواقع والتمثيل.

وخلال التصوير، وقعت حادثة مأساوية حين ألقى أحد المرضى بنفسه من النافذة، ما دفع الكونغرس الأمريكي للتحقيق في ظروف الإنتاج،

لكن فورمان دافع قائلاً: “لم نصنع فيلمًا عن الجنون، بل عن الحرية التي يخافها الناس.”

ماكميرفي وراتشد: صراع الإنسان مع النظام

يبدأ فيلم “طار أحدهم فوق عش المجانين” بدخول راندل ماكميرفي، السجين المتمرّد الذي يؤدي دوره جاك نيكلسون، إلى مصحة عقلية هربًا من الأشغال الشاقة.

هناك، يلتقي بمجموعة من المرضى الخاضعين للنظام الحديدي الذي تفرضه الممرضة راتشد (التي جسدتها ببراعة لويز فليتشر).

راتشد لا تصرخ ولا تعذّب أحدًا جسديًا، لكنها تستخدم أكثر الأسلحة رعبًا: التحكم في العقول.

بصوت هادئ ونظرة باردة، تفرض “النظام” في الجلسات الجماعية، وتحوّل العلاج إلى طاعة، والدواء إلى خضوع.

لكن ماكميرفي يرفض الانصياع. يضحك، يعبث، يدخّن، ويقنع المرضى بالخروج من جدران خوفهم.

يُعلّمهم الصيد والضحك والتمرد على الممرضة، ليصير رمزًا للحرية داخل عالم مغلق.

الجنون كفعل مقاومة

في مشهد رمزي خالٍ من الخطابة، يحاول ماكميرفي تحريك جهاز ماء ضخم في قاعة الاستحمام أمام أعين المرضى. يفشل، فيسخرون منه.

لكنه يلتفت قائلاً: “على الأقل حاولت يا رفاق.”

إنها الجملة التي تلخّص فلسفة الفيلم: المحاولة نفسها هي الحرية، حتى لو انتهت بالفشل.

حين تُقرر الممرضة معاقبته بعملية “فص الفص الجبهي”، يتحوّل ماكميرفي إلى جسد بلا روح.

وفي لحظة مؤثرة، يقتله صديقه “الزعيم برومدن” خنقًا بالمخدة، ثم يهرب محطمًا الجدار الزجاجي.

إنها النهاية التي أرادها فورمان: ليست انتصارًا أو هزيمة، بل تحررًا واحدًا أخيرًا.

أداء نيكلسون وفليتشر: مواجهة لا تُنسى

يُعد أداء جاك نيكلسون في هذا الفيلم أحد أكثر الأدوار إتقانًا في تاريخ السينما.

كان يجسّد الجنون لا كمظهر خارجي، بل كشرارة حياة.

قال فورمان عنه: “جاك لا يمثّل، إنه ينفجر أمام الكاميرا.”

أما لويز فليتشر، فقد قدمت شخصية الممرضة راتشد بأداء مرعب في هدوئه، حتى أصبحت رمزًا للسلطة البيروقراطية في الثقافة الأمريكية.

رغم أن ظهورها لم يتجاوز 22 دقيقة، إلا أن حضورها كان طاغيًا، وحصدت عنه جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة.

صوت الموسيقى والفراغ

الموسيقى التي ألّفها جاك نيتشي لا تقل أهمية عن الصورة. فهي تبدأ بأصوات غريبة لمزمار هندي، وكأنها أنين الطبيعة في مواجهة الآلة.

لا يوجد لحن بطولي أو نغمة انتصار، بل موسيقى تحوم بين الهدوء والاضطراب، تعكس عالمًا بلا اتزان.

وفي لقطات المصحّ الصامتة، يصبح الصمت نفسه موسيقى؛ فالسكوت الطويل بين المرضى والممرضين يعبّر عن الفراغ النفسي أكثر مما تفعله الكلمات.

النجاح المدوي: حين فاز الجنون على هوليوود

حقق فيلم “طار أحدهم فوق عش المجانين” نجاحًا نقديًا وجماهيريًا غير مسبوق.

 تجاوزت إيراداته 100 مليون دولار — رقمًا هائلًا بمعايير السبعينيات — وظلّ معروضًا في دور السينما السويدية لمدة اثني عشر عامًا متواصلة.

في حفل جوائز الأوسكار عام 1976، حقق ما لم يحققه إلا القليل: الجوائز الخمس الكبرى.

وأشاد النقاد به باعتباره أحد أكثر الأفلام إنسانية في التاريخ. كتب الناقد الأمريكيروجر إيبرت: “هذا فيلم يذكّرنا بأننا كلنا نعيش في مصحّ كبير، نحتاج إلى ماكميرفي صغير يذكّرنا بأن نحلم.”

رمزية سياسية وإنسانية

رغم أن فيلمone Flew Over the Cuckoo’s Nest  أمريكي في سياقه، فإن مخرجه التشيكي حمّله رمزية عالمية. فالممرضة راتشد تمثل السلطة المطلقة — سواء كانت حكومة أو نظامًا دينيًا أو حتى مؤسسة اجتماعية — بينما المرضى يمثلون الشعب المقهور، المبرمج على الطاعة.

إنه، في عمقه، فيلم عن الفرد ضد الجماعة، وعن حرية الروح في مواجهة قوالب المجتمع.

قال فورمان في أحد لقاءاته: “نشأت في بلد يقولون فيه إن الحرية خطر على الناس.

حين وصلت إلى أمريكا، وجدتهم يقولون الشيء نفسه ولكن بوجه مبتسم. لذلك صنعت هذا الفيلم.”

إرث لا يشيخ

بعد نصف قرن على صدوره، ما زال One Flew Over the Cuckoo’s Nest حاضرًا بقوة في ذاكرة السينما.

أعيد ترميمه أكثر من مرة، وأدرج في قوائم معهد الفيلم الأمريكي ضمن أفضل 20 فيلمًا في القرن العشرين.

تحولت شخصية الممرضة راتشد إلى رمز ثقافي، حتى خصّصت لها شبكة “نتفليكس” مسلسلًا بعنوان “Ratched” عام 2020، يعيد تخيّل ماضيها.

أما جاك نيكلسون، فقد ارتبط اسمه إلى الأبد بوجه المتمرّد الذي ضحك في وجه السلطة حتى النهاية.

الجنون بوصفه خلاصًا

ليس من المبالغة القول إن هذا الفيلم لم يُقدّم مجرد دراما عن مصحٍّ نفسي،

بل قدّم تشريحًا للمجتمع الحديث بكل ما فيه من رقابة وامتثال وخوف من الاختلاف.

في كل زمن تُحاول فيه السلطة قولبة البشر، يظهر “ماكميرفي” جديد — ربما فنان أو كاتب أو متمرّد — يذكّرنا بأن الحرية ليست هدوءًا، بل فوضى كريمة، وأن الجنون، أحيانًا، هو آخر ملاذ للعقل السليم.

لقد طار أحدهم فوق عش المجانين فعلًا،

لكن صدى جناحيه لا يزال يُسمع في ضمير العالم حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى