نفاق "التعاطف الانتقائي": بين ملاجئ إسرائيل المدللة وأزمات الكلاب في كومبوندات مصر
في اللحظات التي تشتعل فيها سماء المنطقة بالصواريخ البالستية، وتدوي صفارات الإنذار في المدن الإسرائيلية معلنةً عن هجوم إيراني، تهرع العائلات إلى الملاجئ المحصنة.
لكن ثمة مشهد تكرر بغرابة في الصور الملتقطة من داخل تلك الملاجئ: مواطنون يحتضون كلابهم وقططهم برقة متناهية، يلفونها بالأغطية الدافئة، ويهمسون في آذانها بكلمات طمأنة، حريصين على ألا تصاب “أرواح هذه الكائنات” بأذى أو ذعر.
هذه المشاهد الإنسانية في ظاهرها، تخفي خلفها شذوذاً أخلاقياً مرعباً؛ فذات الأشخاص الذين يظهرون هذا القدر من الحنان تجاه حيوان أليف،
لم يذرفوا دمعة واحدة على آلاف الأطفال والنساء في قطاع غزة، الذين سحقهم جيشهم تحت أنقاض منازلهم.
هنا يبرز مفهوم “التعاطف الانتقائي“ كأداة لتفكيك هذا النفاق، حيث يتم “أنسنة” الحيوان في مقابل “شيطنة” أو “تغييب” الإنسان المختلف عرقياً وسياسياً.
سيكولوجية الملاجئ في إسرائيل.. الكلاب أولاً!
نشرت صحف غربية مثل “نيويورك تايمز” و”ذا غارديان” تقارير حول الروابط العاطفية القوية بين الإسرائيليين
وحيواناتهم الأليفة خلال فترات الحرب.
يرى علماء النفس أن الكلب في المجتمع الإسرائيلي يمثل “امتداداً للذات الغربية المتحضرة”.
في الملاجئ، يصبح الحفاظ على حياة الكلب فعلاً أخلاقياً يُشعر صاحبه بالسمو.
ولكن، عندما نقارن هذا المشهد بما يحدث على بعد كيلومترات قليلة في غزة، نجد مفارقة صادمة.
بينما يحرص الإسرائيلي على توفير “مأوى آمن للكلاب”، نجد “ضحايا غزة من المدنيين” يفتقرون لأبسط مقومات الحياة.
إن عملية المواجدة العاطفية المجزأة تسمح للمواطن الإسرائيلي بإغلاق قلبه تماماً أمام “الطفل الفلسطيني” الذي يراه تهديداً ديموغرافياً،
وفتحه على مصراعيه لـ “الكلب الذهبي” (Golden Retriever) الذي يراه رفيقاً وفياً.
هذا الانفصال الوجداني هو ما يسمح باستمرار آلة الحرب؛ فالقدرة على حب الحيوان مع كراهية “الإنسان الآخر”
هي قمة مراحل “نزع الإنسانية” (Dehumanization).
النخبة المصرية وأزمة الكلاب الضالة.. صراع الكومبوند والعشوائيات
لا يقتصر هذا النوع من التراحم المشروط على مناطق النزاع المسلح، بل يمتد ليشكل ظاهرة اجتماعية وطبقية في مصر.
في السنوات الأخيرة، تصاعدت وتيرة الدفاع عن “حقوق الكلاب الضالة” بشكل غير مسبوق من قبل فئات تُصنف نفسها كـ “نخبة مثقفة”.
ولعل دعوة الفنانة “فيدرا” مؤخراً للتبرع لملاجئ الكلاب، هي قمة هذا الجبل الجليدي.
تعيش هذه النخبة في “كومبوندات” (التجمعات السكنية المغلقة) المنعزلة تماماً عن واقع الشارع المصري.
داخل هذه الأسوار، الكلاب هي حيوانات أليفة مدللة، والحديث عن حقوقها هو جزء من “برستيج” اجتماعي يحاكي الثقافة الغربية.
لكن خارج هذه الأسوار، في القرى والمدن المكتظة، يتحول “انتشار الكلاب الضالة في مصر” إلى كابوس حقيقي.
هناك “أطفال الشوارع” و”الفقراء” الذين يتعرضون يومياً لحوادث عقر تؤدي أحياناً للوفاة أو التشويه الدائم، في ظل منظومة صحية تكافح لتوفير المصل.
لماذا يحب العنصريون كلابهم ويكرهون البشر؟ تفكيك ظاهرة التعاطف الانتقائي
الفجوة الطبقية والأزمة الاقتصادية.. طعام الكلاب أم رغيف الخبز؟
يعيش الشعب المصري منذ سنوات تحت وطأة “ظروف اقتصادية غاية في الصعوبة”، حيث يكابد السواد الأعظم من المواطنين
لتوفير “الاحتياجات الأساسية من الطعام والشراب”.
في هذا السياق، تظهر دعوات التبرع لغذاء الكلاب واستيراد “البروتين” المخصص لها كمستفز للمشاعر الشعبية.
إن التحيز الوجداني الطبقي يجعل ساكن الكومبوند يرى في “كلب الشارع” قضية وجودية تستحق التمويل،
بينما يغض الطرف عن جاره الفقير الذي لا يجد ثمن وجبة واحدة لأطفاله.
هذه الفجوة ليست مجرد اختلاف في الرأي، بل هي “انفصال عن الواقع الإنساني”.
عندما تصبح تكلفة رعاية كلب واحد في الشهر تعادل دخل أسرة مصرية كاملة، فإننا نتحدث عن خلل بنيوي في منظومة القيم الاجتماعية.
النخبة التي تدافع عن الكلاب، غالباً ما تتجاهل أن “أذى الكلاب للأطفال” هو واقع مرير يدفعه الفقراء،
الذين لا يملكون سيارات فارهة تحميهم من نباح العراء أو عضات الجوع.
المقارنة الدولية.. “أنسنة” الحيوان كغطاء للعنصرية
تشير العديد من الدراسات السوسيولوجية في أوروبا وأمريكا إلى أن الاهتمام المفرط بالحيوانات في المجتمعات اليمينية
غالباً ما يرتبط بـ “كراهية الأجانب” أو “العنصرية”.
في إسرائيل، يُستخدم حب الحيوان لتصوير المجتمع كـ “واحة للرقي” وسط “صحراء من المتوحشين”.
وبالمثل، نجد في مصر أن بعض المدافعين عن الكلاب يستخدمون خطاباً “استعلائياً” ضد الفئات الشعبية التي تطالب بحل جذري لأزمة الكلاب، واصفين إياهم بـ “الجهل” أو “انعدام الرحمة”.
هذا التآزر العاطفي الانتقائي هو سلاح ذو حدين؛ فهو يُستخدم كـ “درع أخلاقي” (Moral Shield) للهروب من استحقاقات العدالة الاجتماعية.
بدلاً من المطالبة بحقوق الإنسان الفقير في السكن والأمان، يتم الهروب إلى قضية “حقوق الكلب”
لأنها لا تتطلب مواجهة مع السلطة أو تغيير في موازين الثروة.
إنها “رحمة رخيصة” لا تكلف صاحبها سوى تبرع بسيط أو منشور على فيسبوك، بينما تظل معاناة “الطبقات الكادحة”
مستمرة خلف أسوار تجاهلهم.
تحليل الظاهرة من منظور “حقوق الإنسان أولاً“
إن الدفاع عن الحيوان هو قيمة نبيلة، لكنها تفقد معناها تماماً عندما تصبح “بديلاً” عن الدفاع عن الإنسان.
المشهد الإسرائيلي الذي يقدس الكلب ويقصف الطفل، والمشهد المصري الذي يطالب بالتبرع للكلب
ويتجاهل جراح الطفل المعقور أو الجائع، هما وجهان لعملة واحدة.
إن هذا الاستغراق في التعاطف الانتقائي يعكس حالة من “الفوضى الأخلاقية”.
فالمجتمعات التي تفقد بوصلتها الإنسانية، تبدأ في بناء جدران نفسية ومادية (كومبوندات) تفصلها عن آلام المقهورين.
في مصر، أزمة الكلاب الضالة هي أزمة “إدارة وأمن اجتماعي” قبل أن تكون قضية “رفق بالحيوان”.
الأطفال الذين يرتعدون خوفاً في الأزقة المظلمة من قطعان الكلاب، لديهم حق أصيل في “الأمان”
يفوق حق الكلب في التجول الحر وسط المناطق السكنية المزدحمة.
نحو وعي إنساني شامل
إن مأساة “التعاطف الانتقائي” تكمن في أنها تجعلنا نفقد رؤية “الكل” في سبيل “الجزء”.
الرحمة لا تتجزأ، ولا يمكن لمن يدعي الرفق تجاه حيوان أن يظل صامتاً أو مؤيداً لإبادة شعب، أو متجاهلاً لفقر أخيه في الوطن.
على النخبة في مصر أن تدرك أن “أوجاع الطبقات الفقيرة” ليست مادة للسخرية أو التغييب،
وأن أمان الطفل في شوارع مصر “المنسية” أغلى من أي شعار براق حول حقوق الحيوان يُرفع من داخل كومبوند
محاط بالحراسة أو من إناس يعيشون وهم الثقافة والرقي.
وبالمثل، على العالم أن يدرك أن “دموع الإسرائيلي على كلبه” في الملجأ هي دموع زائفة ما لم يرافقها غضب ضد أشلاء الأطفال في غزة.
الحضارة لا تُقاس بكيفية معاملتنا للحيوانات فقط، بل تُقاس أولاً وقبل كل شيء بكيفية حمايتنا لأكثر البشر ضعفاً وهشاشة.
إن غياب “الإنسان” عن معادلة الرحمة هو إعلان رسمي عن موت الضمير العالمي، وتحويل “الرفق بالحيوان”
من قيمة أخلاقية إلى “أداة عنصرية وطبقية” تُستخدم لتمويه القسوة البشرية.



