رواية

رواية "الجدار" لجون بول سارتر: عندما يصبح العبث هو المخرج الوحيد من الموت

تعتبر قصة “الجدار” (The Wall) للفيلسوف والروائي الفرنسي جون بول سارتر واحدة من أعمق الأعمال الأدبية التي جسدت الفلسفة الوجودية في مواجهة العدم.

في هذه الرواية ، ننتقل إلى قلب الحرب الأهلية الإسبانية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص وبرد الزنزانات.

رواية الجدار ليس مجرد توثيق لاعتقال سياسي، بل هي رحلة سيكولوجية داخل النفس البشرية وهي تقف أمام “الجدار” الأخير.. جدار الموت.

يسلط هذا الموضوع الضوء على التفاصيل الدقيقة لهذا العمل الدرامي، مستعرضاً الشخصيات، والموضوعات الفلسفية، وملخصاً شاملاً للأحداث، مع تحليل نقدي يربط بين النص والواقع الإنساني.

شخصيات الجدار: أرواح معلقة على حافة الفناء

تتحرك الشخصيات في “الجدار” داخل مساحة ضيقة (القبو)، لكن صراعاتها الداخلية تمتد لتشمل الوجود كله:

  1. بابلو أبياتا (البطل): فوضوي إسباني، يتميز بوعي حاد وجسارة فلسفية. هو الشخصية التي تراقب تحلل الروح والجسد أمام الموت، وهو الذي سيواجه العبث في نهاية المطاف.
  2. توم: مناضل في الفرقة الدولية، يمثل الصمود الجسدي الذي يتهاوى أمام رعب الانتظار. يحاول الكلام والتحرك ليهرب من فكرة الفناء.
  3. جوان ميربال: مراهق صغير، ذنبه الوحيد أنه شقيق لمناضل. يمثل البراءة المذبوحة، والخوف الخام الذي لم ينضج بعد ليصبح “موقفاً حازماً”.
  4. الطبيب البلجيكي: شخصية باردة، يمثل العلم الذي يراقب الألم دون أن يشعر به. وجوده ليس للمواساة، بل لرصد ردود فعل الأجسام المحتضرة، وهو ما يثير اشمئزاز السجناء.
  5. المحققون والضباط: يمثلون السلطة القمعية التي تحاول تحويل الموت إلى صفقة تجارية (الحياة مقابل الوشاية.(
  6. رامون جري: القائد المختبئ، وهو المحرك الغائب للأحداث، وصديق بابلو الذي تتمحور حوله الحبكة النهائية.
الجدار جون بول سارتر
الأديب الفرنسي جون بول سارتر

الموضوعات: أكثر من مجرد حرب

تناول النص مجموعة من القضايا الجوهرية التي تشغل الفكر الوجودي:

  • الموت والعدم: كيف تتغير نظرة الإنسان للحياة عندما يعلم موعد رحيله بدقة؟
  • العبث (The Absurd): تظهر ذروة العبث في النهاية الصادمة، حيث تتحول النكتة إلى حقيقة مميتة.
  • الغربة عن الجسد: يصف سارتر بدقة كيف يشعر السجين بأن جسده لم يعد ملكه (العرق البارد، الارتجاف، الرائحة).
  • الالتزام والوفاء: الصراع بين النجاة الفردية والولاء للقضية أو الصديق.

ملخص أحداث الجدار: ليلة في انتظار الرصاص

تبدأ الأحداث في قاعة كبيرة باردة، حيث يقف مجموعة من المساجين أمام محكمة عسكرية صورية.

الحراس يدفعونهم، والقضاة يرتدون ملابس مدنية ويدققون في الأوراق ببرود مخيف.

يُستجوب “بول” المدرس، ثم “توم” الذي يُتهم بالخدمة في الفرقة الدولية، وصولاً إلى “جوان ميربال” الصغير الذي يحاول يائساً إثبات براءته من أفعال شقيقه “جوزيه” الفوضوي.

وأخيراً، يأتي الدور على “بابلو أبياتا”، الذي يُسأل عن مكان اختباء القائد “رامون جري”.

بعد الاستجواب، يُنقل بابلو وتوم وجوان إلى قبو مستشفى قديم، استُخدم كزنزانة مؤقتة.

التحلل النفسي

المكان قذر، بارد، ومليء بغبار الفحم. هنا يبدأ سارتر في رصد التحلل النفسي للشخصيات.

توم يحاول القيام بحركات رياضية ليهزم البرد، لكنه يدرك أن جسده الذي يعتني به سيصبح قريباً كتلة من اللحم الممزق بالرصاص.

جوان الصغير يغرق في صمت كئيب، يتحول لاحقاً إلى بكاء وانهيار، فهو أصغر من أن يستوعب فكرة نهايته الوشيكة.

يدخل عليهم طبيب بلجيكي، يدعي أنه جاء لمواساتهم، لكن بابلو يدرك بخبرته أن هذا الطبيب ليس إلا “مراقباً” يدرس ردود أفعالهم الفسيولوجية تجاه الموت.

يراقب الطبيب نبض الصغير جوان، ويدون ملاحظاته بينما يتصبب السجناء عرقاً رغم البرد القارس.

عرق الموت

يصف بابلو هذا العرق بأنه “عرق الموت”، حيث يبدأ الجسد في الانفصال عن الإرادة.

تتحول الليلة إلى كابوس ممتد.

يتحدث توم عن تفاصيل الإعدام، عن البنادق الثمانية التي ستصوب نحوهم، عن الرغبة في الاندفاع نحو الجدار للاختباء منه.

 بابلو، من جانبه، يبدأ في مراجعة حياته.

يكتشف أن كل ما كان يهمه (النساء، الحرية، إسبانيا) قد فقد معناه تماماً. الموت، بالنسبة لبابلو، جرد الحياة من سحرها وزخرفها، وحولها إلى “أكذوبة قذرة”.

الساحة الخلفية

مع بزوغ الفجر، يأتي الحراس.

يُقتاد جوان وتوم إلى الساحة الخلفية. يُسمع صوت طلقات الرصاص؛ لقد انتهى الأمر بالنسبة لهما.

يبقى بابلو وحيداً، فينتقل إلى غرفة استجواب أخرى.

الضباط يقدمون له عرضاً أخيراً: “حياتك مقابل مكان رامون جري”.

هنا يصل العمل إلى قمة الحبكة.

بابلو، الذي لم يعد يبالي بحياته أو بحياة رامون، يقرر أن يلعب “مزحة” على المحققين.

يخبرهم كذباً أن رامون جري يختبئ في “المقبرة”، في كوخ الحفارين.

كان بابلو يعلم (أو يعتقد) أن رامون في منزل أقاربه، وأنه اختار المقبرة تحديداً لأنها مكان يثير السخرية في سياق الموت.

ينطلق الجنود إلى المقبرة، ويظل بابلو ينتظر إعدامه وهو يشعر بنوع من الانتصار الأخلاقي والعبثي عليهم.

المفاجأة

لكن المفاجأة تقع عندما يعود أحد السجناء (الخباز جارسيا) ليخبر بابلو أنهم قبضوا على رامون جري وقتلوه!

كيف؟ لقد ترك رامون مخبأه عند أقاربه بعد خلاف، وقرر الاختباء في “المقبرة” تحديداً، في كوخ الحفارين.

تنتهي المسرحية بصدمة بابلو الذي ينهار ضاحكاً بشكل هستيري.

لقد تحولت كذبته التي أراد بها السخرية من القدر إلى حقيقة أدت لمقتل صديقه ونجاته هو.

هذا هو “الجدار” الذي اصطدم به الجميع في النهاية.

تحليل رواية الجدار: فلسفة المواجهة والضحكة الأخيرة

يعد “الجدار” تجسيداً أدبياً للفلسفة الوجودية التي نادى بها سارتر.

 إليك تحليل لأهم الجوانب الفنية والفلسفية في النص:

1. سيكولوجية الانتظار

يركز النص على “الزمن” كعنصر تعذيب.

السجناء لا يعانون من الألم الجسدي بقدر ما يعانون من “فكرة” الألم القادم.

سارتر يبرع في وصف الردود الفسيولوجية (التعرق، الارتجاف، فقدان الإحساس بالكتفين) كدليل على أن الروح تبدأ في مغادرة الجسد قبل وصول الرصاصة.

2. الطبيب والحياد البارد

تمثل شخصية الطبيب البلجيكي “الآخر” في فلسفة سارتر.

هو الذي ينظر إلينا كأشياء (Objects) وليس كبشر.

ملاحظاته حول نبض جوان أو عرق بابلو هي ذروة التشييء الإنساني، حيث يتحول الإنسان في لحظاته الأخيرة إلى مادة للدراسة العلمية.

3. انهيار القيم أمام العدم

يوضح بابلو كيف أن الموت “ينتزع سحر كل شيء”.

القيم الكبرى كالحب والنضال السياسي تنهار وتصبح بلا معنى عندما يواجه الإنسان نهايته الفردية.

بابلو لم يعد يحب “كنشا” ولم يعد يهتم بـ “رامون”، ليس لأنه خائن، بل لأن الموت يجعله وحيداً تماماً، منعزلاً في وعيه الخاص.

4. المفارقة العبثية (The Final Twist)

النهاية هي ما يجعل “الجدار” عملاً خالداً.

إن نجاة بابلو لم تكن بفضل شجاعته، ومقتل رامون لم يكن بفضل ذكاء المحققين، بل كان “الصدفة العبثية” هي البطل.

سارتر يريد أن يقول إن الوجود لا يخضع لمنطق عقلاني؛ فالمزحة قد تصبح حقيقة، والصدق قد يؤدي للهلاك.

الضحك الهستيري لبابلو في النهاية هو “ضحك الوجودية” أمام عبثية القدر.

لماذا نعود لـ “الجدار” اليوم؟

رغم أن النص كُتب في سياق الحرب الأهلية الإسبانية، إلا أنه يظل راهناً في كل عصر.

“الجدار” هو كل عائق يواجه حرية الإنسان، وهو الموت الذي يتربص بالجميع.

يعلمنا سارتر من خلال بابلو أن المواجهة الحقيقية ليست مع العدو الخارجي فقط، بل مع الخواء الداخلي والعبث الذي يحكم العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى