المتحف المصري الكبير.. نحن أبناء “حضارتين”
رضا جمال خليل
في ليلةٍ تاريخيةٍ ، احتفل المصريون بافتتاح المتحف المصري الكبير بصورٍ اكتست بها مواقع التواصل الاجتماعي كالنيل في فيضانه؛ شباب يزهون بالزي الفرعوني، ونساء وأطفال يتوّجون بتيجان الفراعنة، في مشهدٍ شعبي عفويّ رائع، خالٍ من أي غرض سياسي أو مرض أيديولوجي.
جاء الاحتفاء تعبيرًا دامغًا عن حبِّ التراث، وفخرٍ عميقٍ بالانتماء إلى أول حضارةٍ مركزية في التاريخ، ورغبةٍ صادقةٍ في استعادة الذات من خلال قطع آثار بديعة تروي قصة أربعة آلاف عامٍ من العبقرية الإنسانية.
لكن هذه العبقرية الشعبية لم تمرّ دون أن تُفسر وتُؤول بألسنةٍ مغرضة. فمن جهة، رأى بعض النخبويين – الرافضين لأي حضارةٍ وثيقة الارتباط بالدين – في هذا الاحتفاء “انسلاخًا” من الحضارة العربية الإسلامية، ومحاولةً لإحياء أصولٍ فرعونيةٍ يجب أن تعود مصر إليها، معتبرين أن مظاهر التشدد الديني الحديثة ما هي إلا نتاج «ثقافة الصحراء» التي طغت على الهوية المصرية.
في الجهة المقابلة، اتخذ المتشددون موقفًا مستهجنًا من هذه الحالة الشعبية، فصوّروا الاحتفاء بالآثار القديمة وكأنه “ردةٌ على الإسلام”، وتهديد لحضارة كانت مصر فيها الفاعل الأكبر والمساهم الأعظم.
بيد أن كلا الفريقين، رغم تباينهما، يشتركان في خطيئةٍ واحدة: “وضع حضارتين عظيمتين في مواجهة بعضهما البعض”.
تجاهلا الفريقان قوانين التاريخ التي أثبتت على الدوام أن الحضارات لا تتصارع، بل تتكامل، وأن مصر لم تكن يومًا أرضًا للتناحر بين الماضي والحاضر، بل كانت دائمًا “جسر التكامل الحضاري والإنساني”.
وفي هذا الصدد، فإن آراء كبار المفكرين المصريين – الذين يستشهد بهم كلا الفريقين في الترويج لوجهات نظرهم الضيقة – تدحض هذه الفكرة وتنسفها من الأساس.
نجيب محفوظ: «أنا ابن حضارتين»
في كلمته الشهيرة بمناسبة جائزة نوبل عام 1988، أعلن الأديب العالمي “نجيب محفوظ” هويته الحضارية بكل وضوح:
«أنا ابن حضارتين: حضارة مصر القديمة التي أقامت أول دولة مركزية في التاريخ، وحضارة الإسلام التي أعطت العالم تراثًا إنسانيًا لا يزال يضيء الدرب. هاتان الحضارتان ليستا متعارضتين، بل هما جذران لشجرة واحدة، تتغذى من النيل وتغذي الإنسانية كلها.»
لم يكن محفوظ مجرد أديب، بل كان مفكرًا حضاريًا يرى في التراث الفرعوني جذورًا عميقة للوعي المصري، وفي الإسلام امتدادًا طبيعيًا لهذا الوعي. ثلاثيته الفرعونية (عبث الأقدار، رادوبيس، كفاح طيبة) لم تكن مجرد روايات تاريخية، بل كانت تأكيدًا على أن الاحتفاء بالفراعنة ليس رفضًا للإسلام، بل هو تأكيد على استمرارية الروح المصرية.
جمال حمدان: «الإسلام ابن مصر، والفرعونية جدها»
أما المفكر الجغرافي الكبير “جمال حمدان“، فقد صاغ العلاقة بين الحضارتين في صورةٍ بليغة في كتابه “شخصية مصر”:
«الحضارة الإسلامية بالنسبة لمصر كالأب للابن، والحضارة الفرعونية كالجد للحفيد. لا تعارض، بل تراكم. مصر لم تُسلم، بل أسلمت الإسلام، وجعلته ينمو على أرضها كما نما النخيل على ضفاف النيل.»
يرى حمدان أن مصر لم تكن مجرد أرضٍ استُقبل فيها الإسلام، بل كانت “حاضنةً خلَّاقة” حوَّلت الرسالة إلى حضارة، كما حوَّلت قبلها الرسالات السابقة إلى أنظمة إدارية وفنية وفكرية.
مصطفى محمود: «الفراعنة كانوا أول الموحدين»
وإذا كان المتشددون يستندون إلى أسماءٍ كبيرة لتأكيد هويتهم، فإن الدكتور “مصطفى محمود“– الذي لطالما تُحترم آراؤه في أوساطهم – يدحض مزاعمهم بكل وضوح.
في برنامجه الشهير “العلم والإيمان”، قال محمود:
«الحضارة المصرية القديمة لم تكن وثنية بالمعنى الذي يُروَّج له.
إخناتون كان أول من نادى بالتوحيد في التاريخ، قبل موسى وعيسى ومحمد بآلاف السنين. الفراعنة كانوا يبحثون عن الله الواحد، والإسلام جاء ليكمل هذا البحث، لا لينفيه.»
عباس محمود العقاد: «مصر أم الحضارات»
ويكمل عملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد اللوحة في كتابه “عبقرية محمد”:
«مصر لم تكن يومًا أرضًا للصراع بين الديانات أو الحضارات. هي أم الحضارات، تحتضن الجميع. استقبلت يوسف، وربت موسى، واحتضنت مريم والمسيح، ثم فتحت ذراعيها للإسلام فجعلته حضارةً عالمية. من يرى تعارضًا بين الفرعونية والإسلام، إنما يرى تعارضًا بين الجذور والأغصان.»
القرآن يشهد: مصر أرض الرسالات
ولعل أعظم شهادة على هذا التكامل تأتي من “القرآن الكريم” نفسه. قصة النبي يوسف – التي تُروى بتفصيلٍ لا مثيل له في الكتب السماوية – تؤكد أن مصر الفرعونية كانت “حاضنةً للرسالات السماوية”.
النبي يوسف لم يُحارب الفراعنة، بل أصبح وزيرًا لهم، وأنقذهم من المجاعة.
ومريم العذراء لم تهرب إلى أرضٍ غريبة، بل إلى “أرض الأمان” التي احتضنت المسيح طفلًا.
ولم تتوقف مصر عند هذا الحد. فقد احتضنت الفلسفة اليونانية في الإسكندرية، وحفظت التراث البيزنطي، وأنقذت العلوم الرومانية، ثم صاغت من كل ذلك “حضارة إسلامية” أضاءت العالم لقرون.



