«السيدة الأولى»: رواية تعيد رسم شخصية “خديجة بنت خويلد” قبل البعثة وبعدها
في زمن تتسارع فيه الإصدارات الأدبية، وتتنافس الروايات التاريخية على جذب القارئ العربي،
برزت رواية «السيدة الأولى» لتُقدّم سيرة السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها بأسلوب روائي سلس، جمع بين التشويق والتوثيق.
انتهت الطبعة الأولى من رواية السيدة الأولى خلال أشهر قليلة، بسبب أسلوبها الجذاب،
فيما تستعد دار «مكتبة الرشد» بالسعودية لإطلاق الطبعة الثانية قريبًا.
الرواية، التي جاءت في 350 صفحة من القطع المتوسط، ليست مجرد سيرة تقليدية،
بل عمل أدبي يُعيد رسم شخصية «أم المؤمنين» في سياق حياتها التجارية والعاطفية والإيمانية قبل البعثة وبعدها.
بداية صادمة ونهاية ملهمة
تبدأ الرواية بمقولة نبوية تُلخص عمق العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلم وخديجة:
«إذ حرمني الناس ورزقني الله عز وجل ولدَها، إذ حرمني أولاد النساء».
هذا الاقتباس، الذي يُروى عن النبي في سياق وفاة ابنه إبراهيم من مارية القبطية،
يُستخدم هنا ليُبرز مكانة خديجة كأم لستة من أبنائه، وكشريكة حياة لم يعوّضها أحد في قلبه.
الكاتب – الذي لم يُعلن عن اسمه بعد – يأخذنا في رحلة عبر قوافل التجارة التي كانت تديرها خديجة،
أغنى امرأة في مكة، وكيف التقى بها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الشاب الأمين الذي اشتهر بالصدق قبل النبوة.
الرواية لا تكتفي بسرد الزواج، بل تُفصّل كيف نشأت المحبة، وكيف تحولت علاقة عمل إلى شراكة حياة،
ثم إلى حب عميق أقرّ به النبي علنًا: «رُزقتُ حبَّها».
أسلوب سردي يجمع بين الدقة والخيال المُضبوط
ما يميّز رواية السيدة الأولى هو توازنها بين التوثيق التاريخي والخيال الأدبي المُضبوط.
فهي لا تُقدّم رواية خيالية بحتة، بل تستند إلى نصوص الحديث والسيرة، مع توسيع بعض المشاهد لإضفاء الحيوية.
على سبيل المثال، تُصوّر الرواية لحظة نزول الوحي الأولى في غار حراء،
وكيف كانت خديجة أول من آمن، وأول من طمأن النبي بقولها: «كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا».
كذلك، تُركز على فترة الحصار في شعب أبي طالب، حيث عانت خديجة مع النبي ثلاث سنوات من الجوع والعزلة،
حتى توفيت بعد أشهر من رفع الحصار، في عام الحزن الذي فقد فيه النبي عمه أبا طالب وزوجته.
هذه الفترة تُقدَّم كذروة درامية، تُبرز تضحية خديجة التي بذلت مالها ونفسها في سبيل الدعوة.
تحرير فني وأدبي مُتقن
أشرفت على التحرير الفني الدكتورة ريم رياض الباني، بينما تولى التحرير الأدبي إسلام عبد الحميد.
النتيجة كانت نصًا سلسًا، خاليًا من التعقيدات اللغوية، مع فقرات قصيرة ومشاهد مترابطة،
تجعل القارئ ينتقل من صفحة إلى أخرى دون ملل.
حجم الكتاب المتوسط – أصغر قليلاً من الكتب التقليدية – جعله رفيقًا للقراءة في أي مكان، سواء في المواصلات أو قبل النوم.
ردود فعل القراء وتفاعل الدار
أحد القراء، وهو ناقد هاوٍ، روى تجربته مع الكتاب قائلاً: «بدأت أقرأ الصفحة والاثنتين،
فوجدت نفسي أنهي خمسًا وعشرًا، حتى قاربت النصف في جلسة واحدة».
هذا القارئ تواصل مع الدار لمناقشة بعض النقاط التي استشكلها، فوجد ترحيبًا وانفتاحًا على النقد البناء،
مما يعكس رغبة «مكتبة الرشد» في تطوير أعمالها المستقبلية.
الدار أكدت أن الطبعة الأولى نفدت خلال أقل من ثلاثة أشهر من إصدارها،
وهو ما يُعد إنجازًا في سوق الكتاب الديني-التاريخي.
وأضافت أن الطبعة الثانية ستحمل بعض التحسينات بناءً على ملاحظات القراء، مع الحفاظ على الجوهر الأدبي والتوثيقي.
لماذا نجحت رواية السيدة الأولى؟
1. الشخصيات المحورية: النبي صلى الله عليه وسلم وخديجة رضي الله عنها، شخصيتان لا يملّ القارئ من معرفة تفاصيلهما.
2. التركيز على الجانب الإنساني: حب الزوجين، التضحية، الصبر، الثقة المتبادلة.
3. التوثيق الذكي: استخدام الأحاديث والآيات في سياقها الدرامي دون إثقال النص.
4. الإيقاع السريع: أحداث مترابطة، مشاهد قصيرة، حوارات حية.
5. القيمة التربوية: تعزيز الارتباط بالسيرة النبوية بطريقة غير تقليدية.
اقتباسات مُلهمة من الرواية
– «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تَلُمني فيما تملك ولا أملك» – دعاء النبي يُبرز حبه لخديجة بنت خويلد.
– «كانت تاجِرةً ناجحة، لكنها اختارت أن تكون زوجةً مخلصة» – وصف لتحول خديجة.
– «في شعب أبي طالب، كانت الجوع يأكل الأجساد، لكن الإيمان يُغذّي القلوب» – مشهد من الحصار.
أخيرًا «السيدة الأولى» ليست مجرد رواية، بل جسر بين التاريخ والأدب، بين السيرة والخيال المُضبوط.
إنها تُعيد لخديجة رضي الله عنها مكانتها كأول داعمة للرسالة،
وكأم للمؤمنين، وكامرأة قوية استثمرت مالها و قلبها في سبيل الله.
في زمن يغلب فيه الترفيه على التعليم، تأتي هذه الرواية لتُذكّرنا أن أجمل القصص هي تلك التي تجمع بين المتعة والفائدة.
وإذا كنت تبحث عن كتاب يُقرأ في ليلة واحدة، ويبقى في الذاكرة لسنوات، فابحث عن «السيدة الأولى» في الطبعة الثانية القادمة.



