التفاصيل الكاملة لقصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون: من الاستعباد إلى النصر المبين
تعتبر قصة سيدنا موسى عليه السلام الملحمة الأكثر تفصيلاً في التاريخ الإنساني، حيث تداخلت فيها السياسة بالعقيدة، والمعجزة بالواقع.
نستعرض في هذا التقرير المفصل المسيرة الكاملة لبني إسرائيل في مصر، وكيف تحولوا من أعزة القوم إلى مستضعفين، وصولاً إلى لحظة شق البحر وغرق الطاغية فرعون.
جذور الوجود: كيف وصل بنو إسرائيل إلى أرض مصر؟
تعود البداية التاريخية لتواجد بني إسرائيل في مصر إلى عهد نبي الله يوسف عليه السلام. فعندما تولى يوسف مقاليد الحكم وأصبح المسؤول عن خزائن مصر، دعا والديه وإخوته الأحد عشر من أرض فلسطين للاستقرار معه.
استوطن بنو إسرائيل -وهم ذرية يعقوب عليه السلام- مصر لعقود طويلة، وعاشوا في رغد من العيش وعزّ مكين، نظراً لمكانة يوسف عليه السلام المرموقة في الدولة. وتكاثرت نسلهم حتى صاروا قوة بشرية لا يستهان بها في المجتمع المصري آنذاك.
نقطة التحول: الصراع بين الأقباط وبني إسرائيل
بعد وفاة يوسف عليه السلام وتعاقب السنين، بدأت موازين القوى تتبدل. نشبت نزاعات وعداوات بين الأقباط (وهم أهل مصر الأصليين) وبين بني إسرائيل. ومن المهم توضيح أن كلمة “قبطي” في ذلك السياق كانت تعني “المصري” كدلالة عرقية وقومية وليست دينية.
مع تصاعد الحروب الداخلية، تمكن الفراعنة من بسط نفوذهم وغلبوا بني إسرائيل، لتبدأ رحلة من الاستعباد والتنكيل والقتل، حيث فُرضت عليهم الأعمال الشاقة والحرمان من الحقوق.
طغيان فرعون.. حين ادعى البشر الألوهية
في هذه الأجواء المشحونة، ظهر فرعون الذي فاق كل من سبقه بطشاً وظلماً. لم يكتفِ بالاستبداد السياسي، بل طغى وتجبر وادعى الربوبية من دون الله، ونادى في قومه قائلاً: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
اتبع فرعون سياسة تمزيق المجتمع، فجعل أهل مصر شيعاً وفرقاً، واستضعف طائفة بني إسرائيل على وجه الخصوص، فذبح أبناءهم واستحيى نساءهم (أي أبقاهن للخدمة)، وسخر الرجال في أردأ الصنائع وأدنى الحرف، ليكون بذلك رمزاً للفساد في الأرض.
الرؤيا المفزعة وقرار الإبادة الجماعية
شهدت حياة فرعون تحولاً درامياً إثر رؤيا شاهدها في منامه؛ رأى ناراً عظيمة أقبلت من جهة بيت المقدس، فأحرقت بيوت الأقباط في مصر جميعاً، ولم تمس بيوت بني إسرائيل بسوء.
استدعى فرعون الكهنة والسحرة لتفسير الحلم، فأجمعوا على أن غلاماً سيولد من بني إسرائيل، وسيكون هلاك ملك فرعون وزوال دولته على يديه. جن جنون الطاغية، وأصدر قراراً دموياً بذبح كل مولود ذكر يولد لبني إسرائيل فور ولادته، ونشر الجواسيس والقوافل لتتبع النساء الحوامل.
سياسة “العامين” وولادة الكليم في عام القتل
مع استمرار القتل، خشي وزراء فرعون من هلاك القوة العاملة من بني إسرائيل، فاقترحوا عليه ذبح المواليد في عام وتركهم في عام آخر. في عام “المسامحة” ولد هارون عليه السلام، أما موسى عليه السلام فقد ولد في “عام القتل”.
ضاقت أم موسى ذرعاً وخوفاً على وليدها، لكن الله ربط على قلبها وألهمها تدبيراً إلهياً؛ أن تضع الصغير في صندوق خشبي وتلقيه في نهر النيل إذا خافت عليه، مع وعد إلهي برده إليها وجعله من المرسلين.
معجزة النيل: موسى في قصر عدوه
سار الصندوق في النيل حتى توقف أمام قصر فرعون. التقطته الجواري وحملنه إلى آسية بنت مزاحم (امرأة فرعون)، التي ما إن رأته حتى قذف الله حبه في قلبها. وعندما أراد فرعون قتله، دافعت عنه قائلة: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
وتحقيقاً لوعد الله، رفض موسى الرضاعة من جميع النساء، حتى قادتهم أخته إلى أمه الحقيقية، فرضع منها، وعاد إلى حضنها لتربيه في قصر فرعون تحت رعاية الدولة وبأجر يدفعه فرعون نفسه.
الحادثة التي غيرت المجرى: قتل القبطي والهروب
نشأ موسى في القصر حتى بلغ أشده وآتاه الله حكماً وعلمًا. وذات يوم، تدخل لفض نزاع بين رجل من بني إسرائيل وقبطي، فوكز القبطي وكزة أدت لوفاته دون قصد القتل.
شاع الخبر، وعلم فرعون بالأمر وأمر بقتل موسى. فجاء رجل صالح (يُدعى شمعون) مسرعاً ليحذر موسى قائلاً: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾. خرج موسى هائماً على وجهه بلا زاد حتى وصل إلى أرض مدين.
سنوات مدين واللقاء بالشيخ الكبير
عند بئر مدين، وجد موسى امرأتين تمنعان أغنامهما عن الماء حتى يفرغ الرجال. وبشهامته المعهودة، رفع موسى حجراً ضخماً لا يقوى على رفعه إلا عشرة رجال وسقى لهما.
دُعي موسى إلى بيت والدهما (الذي قيل إنه من أتباع النبي شعيب)، وقص عليه قصته، فطمأنه الشيخ قائلاً: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وتزوج موسى إحدى ابنتي الشيخ مقابل العمل لديه ثماني أو عشر سنوات، وقد أتم موسى الأجل الأطول (عشر سنوات).
العودة بالرسالة: بلايا فرعون والآيات التسع
بعد انتهاء المدة، عاد موسى إلى مصر نبياً مكلماً من الله. واجه فرعون بالدعوة، لكن الأخير استكبر. عندها بدأت سلسلة من الابتلاءات الإلهية لآل فرعون:
- السنين: أعوام من الجدب والقحط.
- نقص الثمرات: هلاك المحاصيل والماشية.
- الجراد: أكل كل شيء حتى مسامير الأبواب.
- القمل: حشرات وسوس سلطه الله على بيوتهم وطعامهم.
- الضفادع: ملأت أوانيهم وفراشهم.
- الدم: تحولت مياه الآبار والأنهار إلى دم بمجرد أن يلمسها آل فرعون.
في كل مرة كان فرعون يرجو موسى أن يدعو ربه لرفع البلاء مقابل إرسال بني إسرائيل معه، فإذا رفع الله البلاء نكث فرعون عهده واستكبر.
رحلة الخروج العظيم وشق البحر
أوحى الله لموسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً قاصدين بلاد الشام. علم فرعون فخرج بجيشه الجرار لمطاردتهم، حتى حوصر بنو إسرائيل بين البحر أمامهم وجيش فرعون خلفهم.
صرخ أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فرد موسى بيقين الأنبياء: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. أوحى الله لموسى أن يضرب البحر بعصاه، فانفلق البحر إلى اثني عشر طريقاً يابساً، وكان الماء عن اليمين واليسار كالجبال العظيمة.
نهاية الطاغية: غرق فرعون في يوم عاشوراء
عبر موسى وقومه بسلام. وعندما حاول فرعون وجنوده اقتحام البحر، انطبق عليهم الماء وغرقوا جميعاً. في لحظاته الأخيرة، حاول فرعون إعلان إيمانه، لكن جبريل عليه السلام دس الطين في فمه -كما ورد في الأثر- غضباً من ادعائه الألوهية سابقاً، وقيل له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾.
نجى الله بدن فرعون ليكون آية للأجيال. وقد حدث ذلك في يوم عاشوراء، فصامه موسى شكراً لله، وأمر النبي محمد ﷺ المسلمين بصيامه ليكون ذكرى سنوية لنصر الحق على الباطل.



