سينما

«ذا لايت هاوس»: تحفة الرعب النفسي والعزلة في فيلم روبرت إيغرز

فيلم «ذا لايت هاوس» (The Lighthouse)، الذي صدر عام 2019، هو إنتاج أمريكي كندي يجمع بين الدراما والرعب والفانتازيا، ويُعد ثاني أعمال المخرج روبرت إيغرز بعد فيلمه الشهير «ذا ويتش».

يروي فيلم المنارة قصة حارسي منارة في جزيرة معزولة في تسعينيات القرن التاسع عشر،

يحاولان الحفاظ على سلامتهما العقلية وسط عاصفة عنيفة تحول حياتهما إلى كابوس من الهلوسة والصراع.

إصرار إيغرز على التصوير الأبيض والأسود

أصر المخرج روبرت إيغرز على تصوير الفيلم بالأبيض والأسود، رافضاً عرض تمويل إضافي قدره 6 ملايين دولار – نصف ميزانية الفيلم تقريباً – مقابل تحويله إلى فيلم ملون.

هذا الإصرار جاء ليحافظ على الطابع التاريخي والنفسي للعمل، مما أعطى الفيلم مظهراً يشبه أفلام العشرينيات والثلاثينيات.

كما بنيت جميع المباني في الفيلم، بما في ذلك المنارة الكاملة بطول 70 قدماً، خصيصاً له في نوفا سكوشا بكندا،

وسط أجواء قاسية من البرد والرياح والأمطار الغزيرة التي دمرت عدة كاميرات أثناء التصوير.

الكتابة والإلهام الأسطوري

كتب سيناريو فيلم ذا لايت هاوس، روبرت إيغرز بالتعاون مع شقيقه ماكس إيغرز، مستوحى جزئياً من حادثة حقيقية وقعت عام 1801 في ويلز،

معروفة بـ«تراجيديا سمولز لايت هاوس»، حيث جن أحد الحارسين بعد موت الآخر.

كما تأثر العمل بشدة بكتابات إتش بي لوفكرافت في الرعب الكوني والغموض.

أثناء الكتابة، كان إيغرز يشغل فيديوهات يوتيوب لأمواج البحر وأصواته ليغمر نفسه في الأجواء.

بعد إنهاء المسودة الأولى، وجد أنها واضحة جداً، فأعاد تعديلها بشكل جذري،

محذوفاً تفسيرات كثيرة ليترك الغموض يسيطر، مما جعل ما يراه الحراس في ضوء المنارة مفتوحاً للتأويل دون ذكر صريح في السيناريو.

فيلم ذا لايت هاوس
الممثل الأمريكي ويليم دافو

التصوير السينمائي: عمل جارين بلاشكي الاستثنائي

يُعد مدير التصوير جارين بلاشكي النجم الحقيقي بصرياً في فيلم المنارة، حيث استخدم كاميرا 35 مم أبيض وأسود حقيقية (Kodak Double-X 5222)، مع عدسات قديمة أصلية من عام 1918 إلى 1938 (بما فيها Baltar lenses). النسبة الجانبية 1.19:1 تجعل الشاشة شبه مربعة، تماماً كأفلام تلك الحقبة، مما يعزز الإحساس بالحبس والأصالة.

الخامة السينمائية حساسيتها منخفضة، فاحتاجت إضاءة قوية تصل إلى 15-20 ضعف الإضاءة العادية، مما دفع الممثلين إلى ارتداء نظارات شمسية في المشاهد الليلية الداخلية.

استوحى بلاشكي الشكل البصري من لوحات أندرو وايث، أرنولد بوكلين، وجين دلفيل، مع مزيج تصويري من مارك كورفن.

دمرت الأمطار والرياح ثلاث كاميرات، فاستخدم إيغرز أحياناً ثلاث كاميرات معاً لضمان اللقطات.

الموسيقى التصويرية والتوازن بين الرعب والكوميديا

اختار الملحن مارك كورفن، بناءً على طلب إيغرز، موسيقى تشبه صوت البحر بانسيابيتها، مستخدماً آلات برونزية وزجاجية بعيداً عن الآلات الوترية.

 كانت الموسيقى المخيفة أداة رئيسية لتقليل الطابع الكوميدي في بعض المشاهد، تحولها إلى رعب نفسي بدلاً من الضحك.

أداء البطولة: روبرت باتينسون وويليم دافو

يتقاسم بطولة فيلم “ذا لايت هاوس”، روبرت باتينسون في دور إفرايم وينسلو (الذي يتضح أنه توماس هاوارد منتحل الهوية)، وويليم دافو في دور توماس ويك.

أثر الجو البشع على الممثلين؛ لم يتحدثا خارج التصوير، وباتينسون كان ينعزل في غرفته من الإرهاق، بينما عاش دافو لوحده في كوخ صيد.

كان جدول التصوير قاسياً، مع مجهود بدني هائل يظهر في الأداء. باتينسون يسخن نفسه بالضرب الذاتي والدوران حتى الدوخة للمشاهد العنيفة، بأسلوب تفاعلي لحظي، عكس دافو المسرحي الهادئ والمنظم.

مشهد لعنة دافو على باتينسون بسبب طبخه («لا يعجبك اللوبستر الخاص بي؟») يُعد من أعظم المشاهد في تاريخ السينما؛ لم يرمش دافو لدقيقتين كاملتين، وصُور بلقطة واحدة.

شجع الفيلم السابق «ذا ويتش» كلا الممثلين على طلب العمل مع إيغرز.

ملخص الأحداث: رحلة الجنون

تبدأ أحداث فيلم The Lighthouse في جزيرة معزولة في أواخر القرن التاسع عشر، حيث يصل الشاب إفرايم وينسلو (روبرت باتينسون)، الذي يتضح لاحقاً أنه توماس هاوارد منتحل الهوية، مساعداً لحارس المنارة المخضرم توماس ويك (ويليم دافو) لمدة أربعة أسابيع، قبل أن يحل محلهما حارسان آخران.

يبدأ الجو بالبهجة الظاهرية، مع ويك مبسوطاً ورايقاً كصاحب المكان، بينما يبدو هاوارد مكروباً قليلاً.

يعزمه ويك على الخمر، لكنه يرفض أولاً لأنه ضد اللوائح، فيأمره ويك كرئيس مباشر بشربه قسراً، لكن هاوارد يشرب ماءً بدلاً من ذلك ويجده طعمه بشعاً لأن الخزان يحتاج تنظيفاً، وهذا يمثل أول صدام بينهما.

سلسلة من الأعمال الشاقة

يُكلف هاوارد بسلسلة من الأعمال الشاقة، مع منعه تماماً من الاقتراب من صيانة المنارة نفسها، حيث يلازم ويك اللمبة بنفسه ويشرب الخمر.

يجد هاوارد جثة عائمة على الماء، ثم يصحو ليجد ويك يسيطر على الإطار بأكمله وهو يؤدي مهامه.

يلاحق طائر نورس مزعج يراقبه لدقائق طويلة.

بعد أسبوعين، يبدأ هاوارد بالضيق من تسلط ويك، وويك ينتابه نفس الشعور من كآبة هاوارد.

يُكشف أن المساعد السابق جن وانتحر معتقدًا أن المنارة مسحورة. يضرب ويك هاوارد لأنه ضرب النورس، معتبراً أن النورس يحمل أرواح بحارة ماتوا، ويهدده بخصم من راتبه.

قتل النورس

يتعارفا أكثر، لكن هاوارد يقتل النورس بعنف مفرط في مشهد مضحك ومقرف في آن، فتغير الرياح اتجاهها فوراً وتهب عاصفة عنيفة.

في أيامهم الأخيرة، يشربان معاً ويغنيان ويحكيان قصصاً، لكن أول ما تُذكر المنارة يحدث خلاف.

في اليوم التالي، يعمل هاوارد في المطر ويجد حورية بحر مخيفة فيخرج منها مذعوراً.

ينتظران المركب لإعادتهما إلى البر الرئيسي، لكنها لا تأتي.

عاصفة مستمرة

 يفسد المطر المؤن، ومع مرور أسابيع والعاصفة مستمرة دون إنقاذ، يقل الطعام فيزداد شرب الخمر، ثم يخلطانه بالكيروسين (الجاز) مع نقصانه.

 يلعن ويك هاوارد في أعظم مشاهد الفيلم لأن طبخه لا يعجبه، خاصة اللوبستر.

مع الوقت، تزداد الهلوسات والغضب والشرب، ويعترف هاوارد أن اسمه الحقيقي توماس هاوارد، وأنه قتل زميله السابق وانتحل شخصيته.

يهددان بعضهما بأسرارهما بعد معرفة هاوارد أن ويك قتل مساعده السابق.

كل منهما يرى الآخر لا يبذل مجهوداً كافياً، ويتهمان بعضهما بفعل المهام نفسها.

مع زيادة الخمر والكيروسين، يفقدان السيطرة تماماً.

مقتل ويك

يجد هاوارد تقريراً يفيد بتسريحه بدون راتب، فيتقاتلان، يقتل هاوارد ويك، ثم يصعد المنارة ليكتشف السر المخفي، فيسقط من السلم، يصحو أعوراً، والطيور تأكل أحشاءه على الشاطئ، وينتهي الفيلم.

الرمزية البصرية والنفسية

الإطار المربع يخلق أصالة تاريخية وحبساً نفسياً؛ الشخصيات محاصرة داخل الفريم الضيق، حتى في المساحات الواسعة.

العمق الضحل يقرب الجدران، يعزز العزلة.

الصمت الطويل يبني توتراً، كجلوس مع شخص غير مرغوب. الإضاءة تخفي نصف الوجه في الظلام للدلالة على الأسرار. الزمن غائب، يُذكر فقط عند الحديث، مما يزيد عدم الثقة في الراويين الكاذبين.

لا فرق بين الحلم والواقع؛ مشاهد غريبة تحدث فعلياً أو هلوسة. تصاعد الغضب يتوازى مع سوء الجو وارتفاع الأمواج.

الرموز الأسطورية والنفسية

المنارة رمز ذكوري للهوس بالقوة والمعرفة المطلقة، مستوحاة من بروميثيوس الذي سرق النار فعوقب بأكل كبده يومياً – كما ينتهي وينسلو.

ويك يرمز لبروتيوس إله البحر العجوز، وينسلو لبروميثيوس الطامح. النورس أعور يرمز لأودن الذي ضحى بعين للحكمة، وقتله يجلب العواصف.

الحورية تمثل الكبت الجنسي وفقدان الرجولة.

الصراع طبقات: مدير-موظف، ذكوري، تحكم وأسرار.

التأثير والجوائز

حقق فيلم “ذا لايت هاوس” نجاحاً نقدياً هائلاً: 90% من النقاد و72% من الجمهور على Rotten Tomatoes، 83/100 على Metacritic، 7.4/10 على IMDb.

ترشح لأوسكار أفضل تصوير، فاز بجوائز عديدة في مهرجانات مثل كان، وحصل على عشرات الترشيحات.

يُعد تحفة في الرعب النفسي، مزيجاً بين الجمال والقرف، الضحك والرعب، يترك المشاهد في حالة من الدهشة والاضطراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى