ملخص”سيكولوجية الجماهير”: دراسة في العقل الجمعي لـغوستاف لوبون

يُحلّل المؤرخ الفرنسي الشهير غوستاف لوبون في كتابه “الحشد” أو ما يعرف بـ” سيكولوجية الجماهير” الآليات النفسية،
والعمليات المعرفية، والقوى الأخلاقية التي تُشكل وتُوجّه سلوك الجماهير.
كما يوضح كيف يحوّل الحشد الأفراد الواعين، والأحرار، والمسؤولين إلى كائنات متهورة، ومنعزلة، وغريزية.
يُعدّ الكتاب مرجعًا في علم النفس الاجتماعي، وهو من الكلاسيكيات التي لا تزال نظريتها صالحة حتى يومنا هذا.
فمع أنَّ الطوائف، والناخبين، والجمهور، والمستهلكين قد تغيرت، إلّا أنَّ الدوافع، والآليات، وعوامل التأثير في التلاعب بالحشود بقيت كما هي.
الخلفية التاريخية لكتاب “سيكولوجية الجماهير“
في نهاية القرن التاسع عشر، شهد جوستاف لوبون حقبة من الفوضى وعدم اليقين.
كانت تلك فترة انتقالية تميزت بانهيار الركائز الدينية والأخلاقية التي قامت عليها البنى السياسية والاجتماعية الأوروبية من جهة،
ومن جهة أخرى بظهور ظروف معيشية وأفكار جديدة تمنح الجماهير (الطبقات السياسية، والنقابات، والجمعيات المهنية) سلطة شبه مطلقة،
كانت في الماضي حكرًا على الملوك والأمراء ورجال الدين.
وبحسب المؤلف، فإنَّ هذه القطيعة بين العالم القديم المدمر والعالم الجديد قيد الإنشاء
كشفت عن تغيير جذري حدث في عقول الناس وفي الخلفية الوراثية للمعتقدات والأفكار.
لقد حدث هذا الاضطراب التاريخي من خلال أبشع الفظائع وأعمال العنف التي ارتكبتها حشود هائجة، استنادًا إلى إثارة اللحظة.
ومن ثم، كان من الأهمية العملية بمكان أن يُحلّل لوبون الآليات النفسية والفكرية التي تُشكل أساس ديناميكيات الحشود،
باستخدام أكثر الإجراءات العلمية صرامة، وأن يضع حجر الأساس
لتخصص جديد قادر على إلقاء الضوء على عدد كبير من الظواهر التاريخية والاقتصادية التي كانت حتى ذلك الحين خارجة عن الفهم.
الفصل الأول: الخصائص العامة للحشود
القانون النفسي لوحدتهم العقلية
تقوم نظرية لوبون في “سيكولوجية الجماهير” على مبدأ أنَّ الجماهير يجب أن تُحلّل باعتبارها كيانًا نفسيًا لا يمكن اختزاله في العناصر التي تتألف منها.
هذا المفهوم يميز الجماهير نفسيًا عن مجموع الأفراد البسيط.
تحكم الجماهير وحدة ذهنية عابرة وعقل جماعي يدمج ويوجه كل الأفراد في نفس الاتجاه.
هذا التساوي العاطفي والفكري يضعف كل إرادة شخصية ويلغي كل قدرة فردية.
العقل الجماعي هو مجموعة السمات المشتركة التي تفرضها الوراثة على كل أفراد عرق معين،
وهو الركيزة اللاواعية التي تتراكم عليها السمات الخاصة التي قد يكتسبها الحشد في ظروف معينة.
ولكن تشكيل عقل جماعي من خلال تجميع الصفات العادية ليس مصدرًا للذكاء، بل مصدرًا للرتابة.
- المسؤولية: الانتماء إلى حشد يُخدّر الموانع ويمنح الفرد شعورًا بالقوة التي لا تُقهر.
- العدوى: تشير إلى ميل الأفراد في حشد من الناس إلى اتباع الأفكار السائدة دون شك، والتأثر بمشاعر مشتركة، حيث تحل المصلحة الجماعية محل المصلحة الفردية.
- القابلية للتأثر بالمؤثرات: هي الميل إلى تحويل الأفكار المقترحة إلى أفعال على الفور.
يكون الجمهور في حالة من الانتباه المتوقع، مثل الشخص المنوم مغناطيسيًا، وتنشأ هذه الحالة من عقل قديم لا واعٍ ذي طبيعة بدائية.

الفصل الثاني: مشاعر وأخلاق الجماهير
الاندفاع والحركة والانفعال لدى الحشود
إنَّ علم نفس الجماهير، مثل الكائنات البدائية التي يحكمها العقل الغريزي المندفع، يخضع لمستويات مختلفة من الانزعاج والإثارة.
فهو بطبيعته متحرك وديناميكي وقادر على الانتقال من الفظائع المروعة إلى البطولة المطلقة.
ويمكنه أن يمر عبر مجموعة من المشاعر المتناقضة، ولكنه يكون دائمًا تحت تأثير إثارة اللحظة.
الجماهير تريد الأشياء بشدة، ولكنها لا تريدها لفترة طويلة.
إنها عاجزة عن الإرادة كما هي عاجزة عن التفكير.
قابلية الجماهير للتأثر والتصديق
يؤكد لوبون أنَّ حالة الترقب لدى الحشود تعمل على تضخيم تأثير الاقتراحات من خلال العدوى، وتسهل تحويل الأفكار إلى أفعال.
فالجماهير الخالية من أي عقل نقدي لا يمكن أن تكون إلا ساذجة إلى حد مفرط.
كما تتغير طريقة إدراكها للأحداث، حيث لا شيء مستحيل بالنسبة لها.
وقد تفسر هذه الحالة العقلية العدد الكبير من الهلوسات الجماعية التي تعاني منها الحشود.
لا يكاد يفصل الجمهور بين الذاتي والموضوعي، فهم يعتقدون أنَّ الصور التي تُستحضر في أذهانهم حقيقية،
والتي غالبًا ما تكون لها علاقة بعيدة بالحقيقة.
لقد كان الأبطال الأسطوريون، وليس الأبطال الحقيقيون، هم الذين أثروا في عقول الجماهير.
المبالغة في المشاعر وبساطتها
إنَّ البساطة والمبالغة هما السمتان المشتركتان بين كل الحشود. فالحشد يميل إلى النظر إلى الأشياء ككل فقط،
حيث لا تستطيع عقوله البدائية إدراك الحالات العابرة.
إنَّ الجماهير التي لا تستطيع اكتشاف الفروق الدقيقة لا تعرف الشك ولا عدم اليقين.
وتؤدي المبالغة في المشاعر حتمًا إلى استخدام القوة الغاشمة والتجاوزات.
التعصب والاستبداد والمحافظة على الحشود
يرى لوبون أنَّ الجماهير تمتلك عقلًا ثنائيًا، يقبل المعتقدات بالكامل كحقائق مطلقة أو يرفضها باعتبارها أخطاء.
لا تدعم الحشود التناقض والمناقشة، وهي سلطوية وغير متسامحة مع المعارضين.
هذه الحالة الذهنية تدفع الحشود إلى البحث عن الأمن والاستقرار مع المعتقدات الراسخة أو مع سلطة قوية وحامية.
وهذا يشير إلى سمة أخرى نموذجية للحشود، وهي محافظتهم فيما يتعلق بالأفكار والمعتقدات والعادات المنقوشة في خيال المجموعة.
احترامهم للتقاليد مطلق، ورعبهم اللاواعي من كل ما هو جديد متجذر بعمق.
أخلاقيات الحشود
إنَّ الطبيعة الغريزية والاندفاعية للحشود لا تعني أنها غير قابلة للتحلي بالأخلاق الفاضلة.
وتظهر الأخلاق الفاضلة في هيئة أعمال التضحية بالنفس والتفاني المطلق.
وكثيرًا ما تتحقق هذه الأخلاق غير الرسمية من خلال استحضار مشاعر المجد والشرف والدين والوطنية.
يستطيع حشد من الناس أن يهاجم قصرًا ويدمر كل شيء فيه باسم فكرة لا يفهمها هو نفسه،
دون أن يسرق أحد أفراده شيئًا واحدًا من القصر.
من المؤكد أنَّ هذه المظاهر اللاواعية للأخلاق العالية تنبع من عقل مضطرب نفسيًا،
ومع ذلك فمن الواضح أنه بدونها لم تكن التغيرات العظيمة في التاريخ البشري لتحدث أبدًا.
الفصل الثالث: أفكار الجماهير واستدلالها وخيالها
إنَّ الحشود محافظة بطبيعتها، فهي تغير أفكارها الأساسية ببطء على مدى عدة أجيال.
قد تُظهر في بعض الأحيان افتتانًا عابرًا بأفكار عابرة، ولكن تأثيرهم عابر فقط.
ولكي تقبل الجماهير فكرة ما، فلا بد أن تكون بسيطة، وغير محددة، ومطلقة، وتتخذ شكل صورة واضحة تؤثر على الخيال الجماعي.
ونتيجة لهذا، فلا بد أن تُعرض الأفكار والنظريات الفلسفية الأكثر تعقيدًا في شكل أقل دقة، وأن تُجرد من عظمتها الأصلية حتى يتسنى لها الوصول إلى العقل البدائي للجماهير بعد تأخير كبير.
وهكذا، فإنَّ الأفكار التي طورها فلاسفة عصر التنوير لم تتمكن من النزول إلى الجماهير إلا بعد عدة عقود من الزمن.
ولكن بمجرد غرسها في عقول الناس، أزعجت الجماهير بما يكفي لبدء الثورة.
تفكير الجماهير
إن تفكير الجماهير يتبع تسلسلًا بسيطًا جدًا، ويتميز بترابط الأفكار والصور دون وجود روابط منطقية.
فمفاهيم الفروق الدقيقة والنسبية تفلت تمامًا من ذكاء الجماهير البدائي،
كما أن التفكير الذي يتطلب جهدًا في التأمل غير منتج ويشكل عقبة أمام الرغبة المباشرة للجماهير.
على العكس من ذلك، يتطلب الأمر فكرة استثنائية ذات شدة عاطفية قوية لإغواء وإقناع نفسية الجماهير.
يُعتقد أن الكائنات التي هي أقل تطورًا نفسيًا وفكريًا تُطوّر خيالًا تمثيليًا نشطًا وقويًا للغاية وقابلًا للتأثير بشدة.
ففي الشخص المنوم مغناطيسيًا، تمتلك الصور التي تستحضر ذكرى مؤلمة أو شخصية محترمة أو مجدًا ماضيًا حيوية الأشياء الحقيقية.
وفي حشد من الناس، وتحت تأثير الإيحاءات القوية، يمكن للأوهام والهلوسة أن تتجلى بسهولة من خلال عملية العدوى.
تدعم هذه الركيزة العاطفية البدائية الجانب الغامض والأسطوري للأحداث التي يحضرها الجمهور.
تميل هذه الجماهير بطبيعتها إلى التأثر فقط بالصور الأكثر كثافة وإثارة للإعجاب.
إن العقول البسيطة تكره التفاصيل وتفضل العموميات وتكثيف الحقائق والصور والآراء.
على سبيل المثال، إعلان عاطفي مفرط عن حادث تحطم طائرة يخلف مئة ضحية يلفت انتباه العقول
أكثر من آلاف حوادث السيارات التي تتسبب في عشرات الآلاف من الوفيات سنويًا.
وفي هذا الصدد، يشير المؤلف إلى نظام ضريبة القيمة المضافة باعتباره الحل الضريبي الأكثر ذكاءً.
فدفع مبلغ كبير على مدى فترة زمنية معينة أكثر قبولًا لدى الجمهور من دفع مبلغ أصغر دفعة واحدة.
الفصل الرابع: الأشكال الدينية التي تتبناها كل معتقدات الجماهير
تترك المشاعر الدينية أثرها على كافة فئات المعتقدات التي يعتنقها حشد من الناس.
يشمل هذا الشعور كل المظاهر الخاصة بالمعتقدات الدينية، كالتعصب والاستبداد وعدم التسامح مع المعارضين والخضوع الأعمى والمحافظة والتطرف.
إن إخضاع الجسد والروح لفكرة أو شخص أو منظمة يكفي لتطوير أعراض الشعور الديني دون وعي.
فالملحد المتعصب والقومي المتطرف والعنصري الفاشي قد يظهرون سمات التدين تمامًا مثل الأصولي الديني.
آراء ومعتقدات الجماهير
الفصل الأول: العوامل البعيدة في اعتقادات الجماهير وآرائها
إن ميلاد الأفكار في عقول الجماهير يأتي بعد عملية طويلة من التحضير تعتمد على عدة عوامل متباعدة تتعلق بالعرق والتقاليد والمؤسسات والتعليم.
وعلى هذه الأرض المخصبة بالأعمال الأدبية والفلسفية والعلمية، تنشأ أفكار جديدة تحت التأثير الملح لعوامل مباشرة أخرى، مثل: الصور والكلمات والصيغ.
العرق: هو العامل القوي الذي يحدد من خلال قوانينه الوراثية كل الإيحاءات الاجتماعية.
كل بقايا التاريخ محفورة في الجينات العرقية، وتحت الطبقة السطحية للحشد تختبئ السمة المميزة للأسلاف.
التقاليد: التركيب العرقي موجود في التقاليد، وتدعم نظرية التطور حقيقة مفادها أنه لا يمكن فصل كائن حي عن ماضيه الذي يشكل هويته.
الزمن وحده هو المسؤول عن تغيير التقاليد عندما تفقد فائدتها.
يدعو غوستاف لوبون إلى إيجاد توازن بين الاستقرار والتنوع لإتمام تغيير العادات بسلاسة.
المؤسسات السياسية والاجتماعية: لا يوجد مرسوم أو مؤسسة لديها القوة اللازمة لبدء تغيير في الشخصية المشتركة
التي تحدد هوية أمة ما، فقط التحول البطيء لقوانين العرق هو الذي يسمح بذلك.
بالنسبة لغوستاف لوبون، فإن الأنظمة والمؤسسات السياسية تتحدد من خلال العوامل العنصرية وعادات الشعوب وليس العكس.
على سبيل المثال، كانت الديمقراطية في البلدان اللاتينية تحمل دلالة مختلفة تمام الاختلاف عن الدلالة التي أعطاها الأنجلو ساكسوني لنفس المفهوم السياسي.
التعليم: مهما كان التعليم فعالًا، فإنه لا يملك القوة اللازمة لتغيير أو تحسين الغرائز الوراثية أو أخلاق المواطنين تلقائيًا.
يخصص غوستاف لوبون جزءًا كبيرًا من كتابه لنقد نظام التعليم الفرنسي في ذلك الوقت، واصفًا إياه بأنه مصنع لإنتاج خريجين غير مؤهلين
يتم احتجازهم في سنواتهم المفيدة والنشطة في مدرسة حيث تُحشى رؤوسهم بأكوام من الكتب المدرسية النظرية عديمة الفائدة.
يؤدي هذا التناقض إلى زيادة أعداد العاطلين عن العمل، ويهيئ الأرض للاضطرابات الاجتماعية.
الحل لهذا التناقض يكمن في إنشاء تدريب مهني يعزز روح المبادرة لدى الشباب ويعتمد على الانغماس المباشر للطلاب في سوق العمل.
الفصل الثاني: العوامل المباشرة لآراء الجماهير
إن التقبل الخاص بالجماهير يعتمد على العوامل الأساسية المفصلة أعلاه.
وعلى هذا الأساس تتراكم عوامل أخرى مباشرة، مثل: الصور، والكلمات، والأوهام التي يمكنها التلاعب بعقل الجماهير وتحفيزها على العمل في اتجاه محدد.
الصور والكلمات والصيغ: في الحشود، لا تحمل الكلمات أي معنى حقيقي باستثناء الصور الحية التي تثيرها في الخيال الجماعي.
إن قوة الكلمة ترتبط بالآمال التي تثيرها في أذهان البشر.
الواقع أن المصطلحات التي تتسم بغموض شديد، مثل: “الديمقراطية” و”الحرية”، هي التي تمارس سحرًا عظيمًا على الجماهير
من خلال أوهام السعادة والرفاهية التي تستحضرها في أذهانهم.
في هذا المجال، يستخدم المتلاعبون بالحشود كلمات مناسبة تمارس تأثير السحر على عقول ومشاعر الناس.
يؤكد غوستاف لوبون أنه بعد الثورات الأكثر دموية، تقوم المؤسسة الجديدة بتزيين الهياكل القديمة
التي أطاحت بها بأسماء جديدة لجعل الناس ينسون الصور المؤلمة للماضي التي أثارتها الكلمات القديمة.
وهكذا، حلت “الرخصة” محل “ضريبة النقابات”، و”الأخوة” محل “التحمس”.
فن قيادة الحشود يتلخص في دس محتوى الرسالة في حاوية الصور.
ومن المؤكد أن هتلر لم يخترع هذا التكتيك،
فقد تم تثبيت أكثر الأنظمة استبدادًا وقتلًا للحريات على يد رجال دولة
يتمتعون بالذكاء والقدرة على استخدام الكلمات التي تدعو إلى الحرية والمساواة والمجد والإخاء.
إن الأوهام والآمال الخيالية هي التي تحرك الجماهير، والتي تصنع الحضارات العظيمة أو تحطمها.
إن هذا ليس مجرد عيب، بل إن التاريخ البشري سوف يكون كتابًا فارغًا بلا روح أو لون
لولا كل هذا الإرث الذي خلفته لنا الآثار والأعمال الفنية والمكتبات، والتي كان مصدر إلهامها الأول على وجه التحديد أوهامًا دينية وسياسية واجتماعية.
وبغض النظر عن مدى حماسة العلم في محاولته لتضليل العقول من خلال تقليص الظواهر إلى واقعها الأكثر وضوحًا،
فإن العامل الأعظم في تطور الشعوب لم يكن أبدًا الحقيقة غير السارة، بل الخطأ المغري.
وفي هذا الصدد، أوضح جوستاف لوبون أن “كل من يستطيع أن يزودهم بالأوهام هو بسهولة سيدهم،
ومن يحاول تدمير أوهامهم هو دائمًا ضحيتهم”.
الفصل الثالث: زعماء الحشود ووسائل إقناعهم
إن الانفعال والاندفاع اللذين يميزان ديناميكيات الحشود يجعلانها غير قادرة على ضبط النفس
وفوضوية وغير منظمة في غياب زعيم موحد يجسد أفكار وتطلعات المجموعة.
ووراء قوة المجموعة وأعدادها الكبيرة يكمن التعب والذل والضعف وانعدام الأمن النفسي لدى الكائنات البدائية.
إن أعضاء الحشد الذين يفتقرون إلى أي إرادة شخصية يتجهون إلى الزعيم الذي يتمتع ببعض الإرادة،
وهو غالبًا رجل عمل ونادرًا ما يكون رجل فكر.
وهو في حد ذاته رجل بلاغة بارع يتمتع بإيمان لا يتزعزع وإرادة حديدية،
ومستعد للتضحية بكل شيء في سبيل المثل العليا التي يدافع عنها.

إن زعيم الرجال يحظى دومًا بمكانة عالية في نظر الجماهير،
فكلماته المقدسة تشكل أوامر لا تقبل الجدل، وترتفع شخصيته إلى مرتبة الأساطير.
وهنا أيضًا، لا تهم الجماهير الطبيعة البشرية المشتركة للزعيم،
بل الصورة التي يستحضرها في أذهان الناس، وترتبط صورة القائد هذه بحق بالتطلعات الخيالية للجماهير.
ويستشهد جوستاف لوبون في كثير من الأحيان بنجاح نابليون الأول، الزعيم الرجالي المتميز، كمثال على هذه الظاهرة.
التكراروالعدوى
إن آلية تحويل الجماهير إلى معتقد أو جعلهم أتباعًا لفكرة تعتمد على التأكيد والتكرار والعدوى.
إن الأفكار التي يتم تقديمها بطريقة حاسمة وإيجابية وبسيطة وخالية من أي منطق أو أي دليل، تخترق عقول الجماهير دون صعوبة كبيرة.
والتكرار هو العملية التي تسمح للأفكار بأن تترسخ بشكل دائم في اللاوعي كحقيقة،
والسياسة والحرب النفسية وإنشاء المدارس الفكرية.
ولتشويه سمعة سياسي أمام الرأي العام، لا يوجد شيء أفضل من إعدامه إعلاميًا،
حيث يتم إعادة إنتاج نفس التصريحات الشيطانية مرارًا وتكرارًا.
وهنا تتدخل الآلية الطبيعية للحشود: العدوى والتقليد.
وهذه القوة الجبارة تجعل الأفكار تنتقل من عقل إلى آخر عن طريق قوة غير مرئية مثل الموجة المغناطيسية أو التخاطر.
ويمكن الاستشهاد بالموضة كمثال على قوة العدوى في عقول حشد معين من المستهلكين.
ففي هذا المجال، يتم استخدام النماذج التي يقلدها الجمهور اللاواعي بسهولة.
ويرتبط المنتج مهما كان عاديًا بصورة أحد المشاهير (ممثل أو رياضي أو غير ذلك) الذي يروج له من خلال مكانته التي تملأ عقول الناس.
إن الهيبة هي الهيمنة العاطفية المشلولة التي تمارسها قوة مغناطيسية تتمثل في اعتقاد ما، سواء كان شخصًا أو إلهًا.
ولا تقبل هذه القوة المناقشة وتمنع كل أشكال الحكم، وتمنع الفطرة السليمة من التمييز بين الحقيقة والخطأ.
وعلى الهيبة التي تمارس على الجماهير بُنيت الديانات العظيمة وأمجاد الأباطرة وانتهاكات أشد الطغاة رعبًا.
يؤكد جوستاف لوبون: “أَسِئْ معاملة الرجال كما تشاء، واذبح بالملايين،
واقُدْ الغزوات تلو الغزوات، كل هذا مسموح به إذا كنت تمتلك المكانة بدرجة كافية والموهبة اللازمة للحفاظ عليها”.
ومن ناحية أخرى، فإن الفشل والضعف والمناقشة تجعل الهيبة تفقد تأثيرها على العقول.
فالهيبة لا تكتسب بالإقناع واللطف، بل بالإعجاب.
الفصل الرابع: حدود تباين معتقدات وآراء الجماهير
الأولى: المعتقدات الثابتة
هناك أسئلة فلسفية تظل بلا إجابة إلى الأبد: “ما هي القوة غير المرئية التي يمارسها الرجل الميت من أعماق قبره،
الاستبداد العاطفي على عقول الحشود؟”
إن كل الحضارات مبنية على بنية جامدة ثابتة تشكلها المعتقدات الراسخة وخصائص العرق.
ولا تخضع هذه الركائز للتغيير إلا على حساب الثمن الباهظ المتمثل في الانقطاع المؤلم
والاضطرابات الكبرى عندما تفقد المعتقدات سيطرتها على العقول بالكامل تقريبًا.
ولذلك، يدافع الناس بشدة عن قناعاتهم مهما كانت سخافتها الفلسفية؛ لأنها تشكل أساس توازنهم النفسي.
يخلص جوستاف لوبون إلى أن “زلزلة التغيير” تأتي من التمزق العميق للمعتقدات،
ثم نشهد في الوقت نفسه تشنجات المعتقدات المحتضرة، وظهور قناعات جديدة بشكل غير مؤكد.
إن الأمة التي لا تمتلك معتقدات قوية هي بمثابة جثة بلا روح.
ومن الناحية النفسية، يفقد اللاوعي توازنه واستقراره عندما تهتز العقائد التي تترسخ فيه تحت ضوء العقل أو تفقد قوتها العاطفية.
آراء الجماهير المتغيرة
على هذه الأسس المتينة، تنشأ أفكار جديدة عابرة، تنشأ وتختفي اعتمادًا على مدى فائدتها في وقت معين،
ولكنها مطبوعة بصفات ومثل الجنس البشري.
إن النظريات الأكثر صحة من الناحية الفلسفية لا يمكن أن تدوم طويلًا إذا كانت معارضة لتوجهات المعتقدات العميقة للغاية.
هذه الملاحظة تتجلى بوضوح في تأثير وسائل الإعلام والإنترنت وتقنيات المعلومات الجديدة على العقول والنفسيات.
إن الجهات المنظمة للرأي كثيرة جدًا، ومصادر المعرفة والمعلومات كثيرة، الأمر الذي يجعل من الصعب توجيه الجماهير من خلال مركز واحد للنفوذ أو القوة.
والصحف التي كانت في السابق ناطقة باسم الأنظمة الحاكمة، لا تعكس إلا رأي الجماهير.
أما رجال الدولة فإنهم لا يوجهون الرأي العام، بل يسعون فقط إلى اتباعه.
إن هذا الافتقار التام إلى التوجيه السليم للرأي العام، وفي الوقت نفسه تفكك المعتقدات العامة،
يؤدي إلى انهيار كامل لجميع المعتقدات وإلى اللامبالاة المتزايدة لدى الجماهير تجاه الأشياء التي لا تؤثر بشكل واضح على مصالحهم المباشرة.
إن الإنسان المعاصر تغزوه اللامبالاة بشكل متزايد.
تصنيف ووصف أنواع الحشود المختلفة
الفصل الأول: تصنيف الحشود
حشود غير متجانسة
يشير هذا الاسم إلى كل المجموعات المكونة من أفراد من طبقات اجتماعية مختلفة وآفاق فكرية مختلفة،
والتي تشكل تحت تأثير ظروف معينة حشدًا نفسيًا تتلاشى فيه الفرديات الواعية تحت نير اللاوعي الجماعي.
وإذا كانت أشكال الديمقراطية والاشتراكية والتحرر كثيرة بقدر عدد الأمم،
فإن ذلك يرجع إلى الاختلافات التي نصادفها على مستوى خصائص أعراق الشعوب،
فالتركيبة العقلية الوراثية تؤثر على طريقة تفكير وسلوك وشعور الجماهير، وبالتالي على النظريات السياسية والتنظيمات الاجتماعية.
يطرح المؤلف قانونًا أساسيًا: “إن السمات الأدنى للحشود تقل وضوحًا كلما كانت روح العرق قوية”.
حشود متجانسة
تشمل الحشود المتجانسة الطوائف والطبقات.
الطائفة هي مجموعة من الأشخاص يرتبطون بمعتقد ديني مشترك أو رأي سياسي، وتمثل هذه القضية أفرادًا من نفس المهنة، وبالتالي يتمتعون بمستوى تعليمي وخلفيات متشابهة تقريبًا.
يجمع الفصل بين الأفراد الذين تربطهم اهتمامات معينة وعادات حياتية وتعليمية متشابهة للغاية.
الفصل الثاني: الحشود المسماة بالحشود الإجرامية
إن الحشد يتأجج فالتسامح يحل محل الوحشية الفظيعة لفترة وجيزة. ومن المرجح أن تغير صورة قوية وموحية مسار الأحداث من الأعلى إلى الأسفل.
كم من الأبرياء أطفال وشيوخ ذبحوا لمجرد انتمائهم إلى جماعة من الأعداء!
إن الجماعة الإجرامية تميل بعقلها البسيط إلى تعميم كل ما هو خاص، ولا تسمح بأي قدر من التبسيط.
الفصل الثالث: هيئات المحلفين الجنائية
إن أحكام هيئة محلفين في محكمة الجنايات، مهما كان تشكيلها، هي مثال على اتخاذ القرارات من خلال علم النفس الجماعي الذي يفشل في تلبية أي حكم عادل للعدالة.
إن مداولات هيئة المحلفين، مثل جميع الحشود، عرضة للتلاعب من خلال الهيبة أو الصورة أو التمثيل الذي يثير إما مشاعر الإحسان والتساهل، أو مشاعر الاشمئزاز والكراهية.
كما هو الحال مع أنواع أخرى من الحشود، فإن هيئة المحلفين غالبًا ما تكون تحت تأثير عدد قليل من الأعضاء المرموقين.
كما يسعى المحامي الماهر في مرافعاته إلى كسب أعضاء هيئة المحلفين المؤثرين الذين يتمتعون بالسلطة اللازمة لإملاء القرار العام.
الفصل الرابع: الحشود الانتخابية
إن الحقيقة والتفوق العددي يسيران جنبًا إلى جنب.
إن عقيدة التصويت الشعبي هي التي تمتلك اليوم القوة التي كانت تتمتع بها العقائد الدينية في الماضي.
وتعتمد الآلية المتبعة لاستقطاب الجماهير الانتخابية على نفس الإجراءات: التأكيد، التكرار، الهيبة، والعدوى.
إن المرشح للانتخابات لا بد أن يتمتع بعامل الهيبة؛ الثروة والمنصب واللقب.
وبالإضافة إلى هذا العنصر الرأسمالي، فإن الناخبين يقبلون المرشح البارع الذي يعرف كيف يرضي غرورهم ويخدعهم بأكثر الوعود العامة غرابة.
ولا بد أن يتم اختيار الكلمات والصيغ المستخدمة على نحو يخلف تأثيرًا قويًا على مشاعر وخيال الجماهير.
إن الحشد الانتخابي، تحت تأثير التسوّية العقلية، ليس مستعدًا فكريًا لاتباع حجة مدعومة بالأرقام والأدلة.
وغالبًا ما تكون قاعات الانتخابات مجرد تأكيدات وإساءات وترهيب وهتاف وصراخ.
فهل ينبغي لنا إذاً أن ننتقد هذا المبدأ العالمي للديمقراطية؟
يزعم جوستاف لوبون أن هذا من شأنه أن يتعارض مع مجرى الطبيعة.
إن النقص العقلي الذي تعاني منه كل المجتمعات، أيًا كانت تركيبتها، يشكل حقيقة واضحة.
الفصل الخامس: الجمعيات البرلمانية
يمثل النظام البرلماني المثل الأعلى لكل الشعوب المتحضرة الحديثة، وهو يعكس هذه النظرية الخاطئة من الناحية النفسية
التي يعتقد بها الجميع: “إن العديد من الرجال مجتمعين أكثر قدرة من قلة منهم على اتخاذ قرار ذكي وحر بشأن قضية معينة”.
ومع ذلك، فإن بساطة الآراء هي واحدة من أهم خصائص هذه الجمعيات.
وهناك ميل ثابت لحل أكثر المشاكل الاجتماعية تعقيدًا بأبسط المبادئ المجردة والقوانين العامة القابلة للتطبيق على جميع الحالات.
فضلًا عن ذلك، فإن زعماء الأحزاب السياسية هم رجال يتمتعون بذكاء متوسط للغاية، ولكنهم رجال عمليون ومتمكنون من الخطابة.
أما الرجال العباقرة الحقيقيون فهم مجرد شخصيات هزيلة في الجمعيات البرلمانية، يميلون إلى عرض الجانب المعقد من الأمور.
إن خاصية الأتمتة قد تضرب التجمعات المَثْـلَـبَة والمنومة مغناطيسيًا، وفي ظروف استثنائية قد تدفعها إلى الموافقة على أكثر القوانين والاتفاقيات دموية ووحشية.
ومع ذلك، فإن خلل النظام البرلماني لا يقلل بأي حال من فائدته العملية؛ لأنه يحمي من تجاوزات الدكتاتورية والطغيان الناتج عنها.
خلاصة كتاب سيكولوجية الجماهير
يُعدّ كتاب “الحشد” أو “سيكولوجية الجماهير“أحد كتبي المفضلة في علم النفس الاجتماعي.
لقد كان بمثابة نقطة تحول كاملة بالنسبة لي في هذا المجال من المعرفة الذي يتسم بالخصوصية والتعقيد.
إن النظريات التي تناولها كتاب “الجماهير” لا تزال صالحة حتى اليوم، وهي تنير لنا الطريق إلى كل الظواهر المرتبطة بالتلاعب بالجماهير.
ولعل استغلال علم نفس الجماهير اتخذ أشكالًا أخرى أكثر دقة، ولكن وراء هذه الأشكال توجد نفس الآليات التي شرحها الكتاب.
ووفقًا لجوستاف لوبون، أيًا كان مجال التلاعب، سواء كان في السياسة أو الإعلان أو الحروب،
فمن السهل دائمًا جعل الجمهور المستهدف يقبل ادعاءات عامة مقدمة في مصطلحات مذهلة، حتى لو لم يتم التحقق منها أبدًا، وقد لا تكون قابلة للتحقق.
يؤكد جوستاف لوبون أن فن قيادة الحشود يتمثل في وضع محتوى الرسالة في حاوية الصورة.
إن قوة هذه الآلية والتأثير المحتمل للتواصل من خلال الصور، تشمل الضجيج الإعلامي الذي يخلق تأثيرًا معديًا على المستهلكين،
وبالتالي يفرض ليس فقط طرقًا معينة للتفكير، ولكن أيضًا بعض طرق الشعور.
إن الارتباطات المختلفة تمامًا للأفكار، مثل “أنا أدخن السجائر وبالتالي أنا راعي بقر” أو “أنا أقود سيارة رياضية وبالتالي أنا بطل”، مفيدة.
كما يوفر لنا كتاب “الحشد” أداة تحليلية ممتازة يمكن أن تساعدنا في تشخيص الظواهر الجديدة المتعلقة بارتفاع معدلات الجريمة الجماعية،
وعودة الإرهاب الديني، والاضطرابات الاجتماعية في خضم الأزمات الاجتماعية والمالية والهوية بشكل أكثر عقلانية.
وبالإضافة إلى ذلك، ومن خلال إدراكنا للمخاطر الحقيقية للتلاعب، يمكننا حماية أنفسنا منه من خلال تبني سلوكيات واعية واستخدام التفكير النقدي وتنمية الذكاء العاطفي.
كان هذا ملخص كتاب “الحشد” للمؤلف جوستاف لوبون.