تقرير

سر استحواذ "الوليد بن طلال" على نادي الهلال: أزمة سيولة وديون رؤية 2030

أحدثت الأنباء المتداولة حول رغبة الأمير الملياردير الوليد بن طلال في الاستحواذ الكامل على نادي الهلال السعودي زلزالاً في الأوساط الاقتصادية والرياضية على حد سواء.

ويأتي هذا التحرك في توقيت حساس يثير الكثير من التساؤلات الجوهرية حول المشهد العام في المملكة؛ فمنذ أحداث فندق “الريتز كارلتون” الشهيرة في عام 2017،

والتقارير الدولية تشير إلى فرض قيود صارمة على تحركات الأمير المالية والشخصية، بما في ذلك منعه من السفر خارج البلاد لسنوات.

ومع ذلك، يبرز التساؤل الصادم: كيف يضخ رجل أعمال يواجه مثل هذه التحديات استثمارات بهذا الحجم في قطاع الرياضة؟

إن الإجابة تكمن في قراءة ما وراء الخبر، وفهم التحالفات الجديدة التي تفرضها الضرورات الاقتصادية للمملكة

في مرحلة إعادة تقييم مشاريع الرؤية.

لغز الاستثمار تحت القيود: الوليد بن طلال والريتز

يرى مراقبون أن استمرار الوليد بن طلال في ضخ هذه السيولة الضخمة داخل السعودية ليس مجرد نشاط تجاري،

بل هو جزء من “تسوية استراتيجية” مستمرة.

فعلى الرغم من بقائه داخل الحدود وعدم تمكنه من إدارة استثماراته العالمية من الخارج كما في السابق،

إلا أن الدولة سمحت له -بل وشجعته- على تحويل ثقله المالي من “وول ستريت” إلى “الرياض”.

إن شراء حصة صندوق الاستثمارات العامة في الهلال يمثل رسالة سياسية مفادها أن الاستثمارات الوطنية هي الأولوية،

وأن رأس المال المحلي يجب أن يقود المرحلة الحالية لتخفيف العبء عن الخزينة العامة التي بدأت تعيد النظر في أولوياتها المالية.

سر استحواذ الوليد بن طلال على نادي الهلال
الأمير الوليد بن طلال أثناء تشجيع نادي الهلال السعودي

إن محاولة فهم سر استحواذ الوليد بن طلال على نادي الهلال تتطلب النظر إلى التغييرات الهيكلية في صندوق الاستثمارات العامة (PIF).

فالصندوق الذي كان يقود الصفقات المليارية للاعبين العالميين، يواجه الآن تحديات جسيمة بسبب ضخامة الإنفاق على المشاريع الإنشائية العملاقة.

ومن هنا، يبرز السؤال الجدلي: هل يشتري الوليد بن طلال الهلال من صندوق الاستثمارات؟

المؤشرات الحالية تؤكد أن الدولة ترغب في نقل ملكية الأندية إلى “الخواص” الأقوياء لتوفير السيولة لمشاريع أكثر إلحاحاً

واجهت مؤخراً تحديات تمويلية وجدولة زمنية جديدة.

استثمارات الوليد بن طلال في السعودية

خلال السنوات الخمس الماضية، شهدت محفظة الوليد بن طلال تحولاً جذرياً نحو الداخل السعودي.

لم يعد التركيز على حصص في “سيتي غروب” أو “ديزني”، بل تركزت استثماراته في قطاعات حيوية داخل المملكة

كنوع من التناغم مع رؤية 2030.

ففي عام 2022، قام ببيع جزء كبير من حصته في شركة “المملكة القابضة” لصالح صندوق الاستثمارات العامة بصفقة بلغت قيمتها حوالي 1.5 مليار دولار،

كما باع حصة الأغلبية في فنادق “فور سيزونز” العالمية للصندوق نفسه في صفقة مليارية ضخمة.

هذه التحركات حولت الأمير من مستثمر “عالمي مستقل” إلى “شريك وطني” للصندوق السيادي.

حجم ثروة الوليد بن طلال

أما فيما يخص حجم ثروة الوليد بن طلال 2026، فوفقاً لمؤشرات “بلومبرغ” المحدثة، تُقدر ثروته الحالية بحوالي 15.7 مليار دولار.

هذه الثروة الضخمة، المكونة من سيولة نقدية وأصول عقارية وتقنية ضخمة داخل المملكة وخارجها،

تجعل منه المرشح الوحيد القادر على إدارة ميزانية نادٍ بحجم الهلال، الذي تتجاوز مصاريفه السنوية حاجز الـ 500 مليون ريال.

إن الأمير لا يشتري الهلال بصفته مشجعاً فحسب، بل بصفته الملياردير الذي يريد حماية أصوله داخل المملكة عبر قطاع الرياضة الذي ينمو بسرعة الصاروخ.

مشاريع الرؤية المتعثرة: لماذا ألغت السعودية بعض مشاريع رؤية 2030؟

لا يمكن فصل صفقة الهلال عن الواقع الاقتصادي الذي دفع الحكومة السعودية مؤخراً إلى جدولة مشاريعها.

يتساءل الكثير من المواطنين بحذر: لماذا الغت السعودية بعض مشاريع رؤية 2030؟

والحقيقة أن ما حدث هو “إعادة ضبط” وليس إلغاءً كلياً. فقد تم تمديد الجدول الزمني لبعض أجزاء مشروع نيوم (The Line)، وتم تقليص ميزانيات بعض المرافق في مشروع المكعب بالرياض ومشروعات ترفيهية أخرى.

هذا التقليص جاء نتيجة رغبة الدولة في تجنب الانكشاف المالي المفرط وسحب السيولة من الصندوق السيادي لأغراض تشغيلية غير ربحية على المدى القريب.

وبناءً عليه، يظهر تأثير تقليص ميزانية نيوم على صفقات الهلال والنصر بوضوح؛ حيث توقفت الدولة عن منح الأندية “شيكات على بياض” من الصندوق السيادي، وطلبت من كبار المستثمرين التدخل.

وهنا يأتي دور الملياردير الوليد بن طلال ليقوم بالدور التمويلي الذي كان يلعبه الصندوق.

هذا التحول يضمن للهلال البقاء في القمة عالمياً، بينما يحرر أموال الدولة لتوجيهها لسداد التزامات مشاريع البنية التحتية والمدن الجديدة التي تستهلك تريليونات الريالات.

ميزان الديون السيادية والهروب من الاستدانة

تدرك الحكومة السعودية أن الاستمرار في تمويل قطاع الرياضة عبر الصندوق السيادي قد يرفع من حاجة المملكة للاقتراض من الخارج.

ووفقاً لآخر الإحصائيات المالية لعام 2025/2026، بلغ حجم ديون السعودية الخارجية والداخلية حوالي 1.15 تريليون ريال سعودي.

ورغم أن هذا الرقم لا يشكل خطورة مقارنة بالناتج المحلي، إلا أن التوجه الجديد يقضي بـ “تعظيم السيولة المحلية”.

لذا، فإن دخول الوليد بن طلال في صفقة الهلال هو وسيلة ذكية لتدوير الأموال السعودية “داخل” السعودية،

 بدلاً من الاقتراض من البنوك الدولية لتمويل صفقات اللاعبين الأجانب ورواتبهم الفلكية.

إن الحديث عن مستقبل الهلال بعد الاستحواذ الكامل للوليد بن طلال يفتح الباب أمام خصخصة حقيقية؛ حيث سيتحول النادي من كيان مدعوم حكومياً إلى “شركة استثمارية” مستقلة تماماً.

الأمير يسعى لرفع القيمة السوقية للنادي عبر حقوق البث، مبيعات التذاكر، والتسويق العالمي، مستفيداً من نجوم النادي العالميين.

الدولة من جانبها، تضمن استدامة المشروع الرياضي دون أن تتحمل ريالاً واحداً من ميزانيتها، وهو ما يتماشى مع خطط تقليص العجز المالي والاعتماد على القطاع الخاص الوطني.

حقيقة خصخصة التعليم في السعودية: الرسوم، الوظائف، ومستقبل الطلاب في رؤية 2030

الهلال والوليد.. تحالف الضرورة

في الختام، إن قصة الاستحواذ ليست مجرد شغف كروي، بل هي انعكاس لمرحلة “الاقتصاد الواقعي” في السعودية.

فرغم كل القيود والظروف التي أحاطت بـ الوليد بن طلال في السنوات الأخيرة، أثبت الأمير أنه الشريك المالي

الأكثر قدرة على تحمل أعباء “القوة الناعمة” للمملكة.

إن الدولة التي بدأت بجدولة بعض مشاريعها الكبرى في نيوم والرياض، وجدت في الأمير الملياردير شريكاً قادراً على حمل ملف الهلال الثقيل.

الديون الخارجية وإعادة تقييم مشاريع الرؤية كانت المحرك الأساسي لهذه الخصخصة المتسارعة.

فالمملكة اليوم تريد بناء مدنها المستقبلية بأموال الصندوق، وبناء أنديتها الرياضية بأموال رجال أعمالها الأقوياء،

وفي مقدمتهم الأمير الذي لا يزال، رغم كل شيء، المحرك الأكبر للسيولة في القطاع الخاص السعودي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى