شركة شيفرون الأمريكية: الذراع النفطية لواشنطن واللاعب الخفي في هندسة المصالح العالمية
تتحدث الولايات المتحدة دائماً بلغة المصالح التي لا تعرف الجمود؛ فهي القوة التي تدعم صناعة الطائرات حين تقتضي الحاجة،
وتحمي قلاعها في ديترويت مثل “فورد” و”جنرال موتورز” حين يشتد زحف المنافسين من آسيا وأوروبا.
لكن، في قطاع الطاقة، حيث تتصدر أمريكا قائمة المنتجين عالمياً بـ 20 مليون برميل يومياً،
تتراجع نبرة الاندفاع نحو الطاقة المتجددة بمجرد أن يتطلب الأمر حماية عمالقة “الذهب الأسود”.
وفي أروقة البيت الأبيض، وبينما يجتمع الرؤساء مع قادة الصناعة لرسم ملامح سياسة واشنطن المقبلة،
يبرز اسم شركة شيفرون الأمريكية ليس كشركة طاقة فحسب، بل كشريك سياسي وممثل غير رسمي للمصالح الأمريكية
في أكثر مناطق العالم تعقيداً.
ما هو دور شركة شيفرون في السياسة الأمريكية؟
لفهم النفوذ الذي تتمتع به شركة شيفرون الأمريكية، يجب النظر إلى ما وراء ميزانياتها الضخمة.
الشركه التي تملكها مؤسسات استثمارية عملاقة مثل “فانغارد“، “ستيت ستريت”، “بلاك روك”، و”بيركشاير هاثاواي”،
تمثل قلب النفوذ المالي الأمريكي.
في الاجتماعات الرفيعة المستوى، مثل تلك التي ضمت عمالقة النفط مع الإدارة الأمريكية،
يظهر بوضوح أن شيفرون تُعامل كلاعب سياسي بقدر ما هي شركة طاقة.
دور شركة شيفرون في فنزويلا بعد التأميم
يتبدى هذا الدور في قدرة الشركة على فتح أبواب مغلقة؛ فبينما غادر المنافسون مثل “إكسون موبيل” فنزويلا بعد تأميم القطاع في عهد هوغو تشافيز وخسروا المليارات،
ظلت شيفرون الحاضر الوحيد، مستفيدة من استثناءات وتفاهمات سياسية سمحت لها بالاستمرار في إنتاج النفط الثقيل وتصديره للمصافي الأمريكية.
هذا “النفوذ الاستثنائي” جعلها ورقة رابحة في يد الدبلوماسية الأمريكية،
حيث يمرر الساسة أوراقهم للاستفسار عن الأوضاع الأمنية في مناطق النزاع عبر عدسة خبراء شيفرون الميدانيين.
صفقات شيفرون: التوسع تحت مظلة الدعم السياسي
لم يكن استحواذ شيفرون على شركة “هس” (Hess) مقابل 55 مليار دولار مجرد صفقة تجارية عابرة في صناعة النفط،
بل كانت خطوة باركتها الإدارة الأمريكية لتعزيز سطوة الشركات الوطنية.
هذه الصفقة أدخلت “جون هس”، المعروف بعلاقاته الوثيقة وتبرعاته السخية للحزب الجمهوري، إلى مجلس إدارة شيفرون،
مما عزز من نفوذ شركات النفط داخل دوائر صنع القرار.
إن هذا التشابك بين المال والسياسة يظهر بوضوح في تمويل الحملات الانتخابية وحفلات التنصيب الرئاسية، حيث تساهم شيفرون بملايين الدولارات،

لتتحول لاحقاً إلى شريك أساسي في مشاريع طاقة حساسة تمس الأمن القومي،
ليس فقط في القارة الأمريكية، بل وفي قلب الشرق الأوسط.
ما هي أهم مشاريع شيفرون في المنطقة العربية؟
تعد منطقة الشرق الأوسط وحوض المتوسط الساحة الأبرز لتجلي استثمارات شيفرون ذات البعد الجيوسياسي.
الإجابة على سؤال ما هي أهم مشاريع شيفرون في المنطقة العربية؟ تتشعب لتشمل دولاً تعاني من أزمات طاقة أو اضطرابات سياسية:
- حقل ليفياثان والغاز الإقليمي: تشرف شيفرون على زيادة إنتاج الغاز من هذا الحقل العملاق، وهي خطوة لا تهدف فقط للربح، بل لرفع الإمدادات نحو مصر والأردن، مما يعزز أمن الطاقة الإقليمي تحت إشراف أمريكي مباشر.
- العودة إلى العراق: بعد سنوات من تراجع النفوذ النفطي الأمريكي لصالح الشركات الصينية والروسية، عادت شيفرون بقوة عبر تطوير مشروع الناصريه، وهي اليوم تقترب من وراثة أصول شركة “ليوك أويل” الروسية في حقل غرب القرنة 2، في تحول لافت لموازين القوى في العراق.
- الاختراق السوري واللبناني: في خطوة مفاجئة، استقبلت دمشق وفداً من شيفرون بحضور مبعوثين أمريكيين لبحث التنقيب عن النفط والغاز على السواحل السورية، مع احتمالات تمتد إلى لبنان،
مما يشير إلى أن الشركة تعمل كرأس حربة لتمهيد الطريق لمصالح واشنطن حتى في الدول التي تخضع لعقوبات مشددة.
الجدوى الاقتصادية مقابل الأجندة الجيوسياسية
يثور تساؤل جوهري بين الخبراء والمراقبين: هل تحركات شيفرون مبنية على الربحية أم على دور سياسي مرسوم؟
يرى المستشار النفطي الكويتي الدكتور عبد السميع بهبهاني أن الجانب الجيوسياسي يطغى في كثير من الأحيان على الجدوى الاقتصادية الصرفة.
فمشاريع الاستكشاف في أعماق البحار، كما في المتوسط حيث يصل العمق إلى 2000 متر،
تتطلب تكنولوجيا مكلفة ورأس مال ضخم قد لا يكون “مربحاً” بالمعايير التجارية التقليدية في بدايته.
لكن، وبدعم من الحكومة الأمريكية، تغامر شيفرون في هذه المناطق لأنها تدرك أن السيطرة على منابع الطاقة تعني السيطرة على القرار السياسي.
وفي فنزويلا، استطاعت الشركة عبر مشاريع مشتركة (Joint Ventures)
مع شركات مثل “ريبسول” الإسبانية أن توائم “المزاج المحلي” وتستمر في الإنتاج،
مما أمن للمصافي الأمريكية نوعية النفط الثقيل التي صممت من أجله، وهو ما عجز عنه المنافسون.
كيف تؤثر شيفرون على أسعار النفط؟
إن تأثير شركة شيفرون الأمريكية على أسعار النفط العالمية يتجاوز حجم إنتاجها اليومي.
يكمن التأثير الحقيقي في قدرة الشركة على التأثير في نبرة واشنطن تجاه الدول المصدرة.
فعلى سبيل المثال، كانت تحذيرات شيفرون من أن أي استهداف للمنشآت الإيرانية
قد يؤدي لاضطراب الشحن في مضيق هرمز ورفع الأسعار بمقدار 20 دولاراً للبرميل،
سبباً رئيسياً في تهدئة الخطاب العسكري الأمريكي خشية اشتعال التضخم داخلياً.
ترامب يُشعل أزمة “جرينلاند” مجدداً: رسوم جمركية عقابية على أوروبا و”السلام العالمي” على المحك
علاوة على ذلك، فإن “حالة عدم اليقين” التي تساهم الشركات الكبرى في إدارتها أدت إلى رفع المخزون التجاري العالمي
إلى قرابة 3 مليار برميل، مما أفقد السوق توازنه التقليدي بين العرض والطلب.
السياسة هنا هي المحرك الأول للسعر؛ فالخصومات التي تضطر دول محاصرة لتقديمها، والمنافسة الشرسة على الحصص السوقية،
كلها خيوط تمسك بها شركات كبرى مثل شيفرون بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية.
مستقبل النفوذ: هل تحمي العقود الدول المضيفة؟
في ظل هذا التشابك المعقد، تجد الدول التي هي بأمسّ الحاجة لعائدات النفط، مثل سوريا ولبنان والعراق، نفسها أمام تحدي حماية ثرواتها.
يرى الخبراء أن غلبة الجانب الجيوسياسي تفرض صياغة عقود أكثر تعقيداً وانضباطاً.
فلم يعد نظام “الإتاوة والضريبة” التقليدي مرضياً لهذه الشركات التي تغامر برأس مال ضخم في بيئات مضطربة،
بل بات التوجه نحو نظام “المشاركة في الإنتاج” والبيع المباشر هو الضمانة التي تطلبها شيفرون لضمان استمرارية نفوذها.
أخيراً، إن شركة شيفرون الأمريكية ليست مجرد شعار يوضع على محطات الوقود، بل هي مؤسسة تمثل السيادة الأمريكية في عالم الطاقة.
من ملاعب السياسة في واشنطن إلى حقول الغاز في شرق المتوسط وصراعات النفوذ في العراق وفنزويلا،
تظل شيفرون “اللاعب الذي لا يغادر الطاولة”.
ومع استمرار معركة التضخم العالمية والتحولات في موازين القوى، سيبقى دور هذه الشركة محورياً في رسم خارطة الطاقة والسياسة الدولية للعقود القادمة.



