ملخص مسرحية “تاجر البندقية”: قصة أشهر يهودي في الأدب الإنجليزي
“تاجر البندقية” (1596-1598) مسرحية كتبها وليم شكسبير في عصر إليزابيثي يغيب فيه اليهود رسميًا عن إنجلترا بعد طردهم عام 1290،
لكن الصورة النمطية لـ”اليهودي المرابي الجشع” كانت حاضرة بقوة في الخيال الشعبي.
استلهم شكسبير قصة مسرحية تاجر البندقية من حكايات إيطالية، أبرزها قصة “إيل بيكولوميني”.
ظلت شخصية شايلوك –رغم شرّه– أكثر تعقيدًا وإنسانية من أي يهودي في الأدب الإنجليزي قبله، مما جعل البعض يراها أول محاولة لكسر الصورة النمطية، وآخرون يرونها تعزيزًا لها.
طوال قرون، اعتُبرت المسرحية معادية للسامية، خاصة بعد استخدام النازيين لها دعائيًا.
أما أبرز اقتباساتها السينمائية فكان فيلم مايكل رادفورد (2004) بطولة آل باتشينو بشايلوك المأساوي الذي حاول تقديم الشخصية بتعاطف أكبر، محولًا النص من كوميديا سوداء إلى دراما إنسانية.
شخصيات مسرحية تاجر البندقية
أولاً: الشخصيات الرئيسية
1. أنطونيو (Antonio)
التاجر المسيحي الطيب كريم الخلق، صديق باسانيو المقرّب، ويوافق على الاقتراض من شايلوك بضمانه، فيقع ضحية العقد القاسي الذي يهدّد حياته.
2. باسانيو (Bassanio)
الشاب النبيل وصديق أنطونيو، يسعى للزواج من بورشيا، فيستدين المال ويذهب إلى بلمونت ليجتاز اختبار الصناديق وينال يدها.
3. بورشيا (Portia)
سيدة أرستقراطية ثرية من بلمونت، جميلة وذكية، فُرض عليها اختبار الصناديق لاختيارزوجها. تتنكر في هيئة محامٍ (بلطزار) وتنقذ أنطونيو في المحاكمة.
4. شايلوك (Shylock)
المرابي اليهودي المشهور في المسرحية، شخصية معقدة تجمع بين الظلم والاضطهاد وبين القسوة والانتقام. يعقد اتفاقًا مع أنطونيو لاقتطاع “رطل من لحمه” إن لم يسدد الدين.
5. جيسيكا (Jessica)
ابنة شايلوك التي تهرب من منزل والدها بسبب قسوته واضطهاد المجتمع، وتتحول إلى المسيحية وتهرب مع لورينزو.
ثانيًا: الشخصيات الثانوية المهمة
6. لورينزو (Lorenzo)
شاب مسيحي وصديق لباسانيو، يقع في حب جيسيكا ويهرب معها، ويصبح لاحقًا وريثًا لثروة شايلوك.
7. غراتيانو (Gratiano)
صديق أنطونيو وباسانيو، شخص مرح وصاخب، يتزوج من نيريسّا وصيفة بورشيا.
8. نيريسّا (Nerissa)
وصيفة بورشيا المقربة وصديقتها، تشاركها في التنكّر أثناء المحاكمة وتتزوج من غراتيانو.
9. الأمير المغربي (Prince of Morocco)
أحد الخطّاب الذين يتقدمون لبورشيا، ويختار صندوق الذهب فيفشل في الاختبار.
10. الأمير أراجون (Prince of Arragon)
أحد الخطّاب المتعجرفين، يختار صندوق الفضة فيفشل أيضًا.
11. دوق البندقية (The Duke of Venice)**
القاضي الأعلى في المدينة، يشرف على محاكمة شايلوك وأنطونيو ويحاول إقناع شايلوك بالعفو ولكن دون جدوى.
12. لانسيلوت غوبو (Lancelot Gobbo)
خادم بسيط ومرح، يترك خدمة شايلوك ويلتحق بخدمة باسانيو.
13. غوبو الأب (Old Gobbo)
والد لانسيلوت، عجوز كفيف يظهر في مشاهد كوميدية قصيرة.
قصة المرابي شايلوك
شايلوك هو أشهر يهودي في تاريخ الأدب من أوله لآخره، تلك الشخصية المعقدة التي لا تعرف كيف تتعامل معها: هل تحبها وتتعاطف معها وتشفق عليها، أم تكرهها وتفرح بما أصابها وتقول: “ما هي تستاهل”؟
الحقيقة أن الموضوع أكبر من مجرد مشاعر حب وكره، لأنه مرتبط بتاريخ اليهود في أوروبا، وتاريخ معاداة اليهود أو “معاداة السامية”، وبالسؤال الأزلي:
هل الاضطهاد الذي تعرض له اليهود هو الذي جعل بعضهم شريرًا وحاقدًا؟ أم أن طباعه وأفعاله السيئة هي التي دفعت الناس إلى اضطهاده؟
وشخصية شايلوك في المسرحية تمثّل الصورة النمطية لليهودي المرابي الجشع الذي يستغل حاجة الناس ويُقرضهم بالربا.
هذه الصورة النمطية جعلت البعض يتّهم شكسبير بمعاداة السامية بسبب تكريس صورة سلبية وتقديمها كواقع، مما ساعد على انتشارها.
بينما يرى آخرون أنّ شكسبير لم يخترع شيئًا، بل نقل الواقع كما هو، بل وعرض اضطهاد اليهود وسمح لشايلوك بالدفاع عن نفسه في مشاهد كثيرة، مما جعل بعض القراء يتعاطفون معه.
لكن هذا النقاش كله ليس موضوعنا الآن؛ مقدمتنا فقط لنعرف من هو شايلوك ونُركّز على شخصيته أثناء سرد القصة.
نصل الآن إلى مدينة البندقية سنة 1596.
ملخص مسرحية تاجر البندقية لويليام شكسبير
تبدأ القصة بأنطونيو، التاجر المسيحي المخلص والكريم، الذي كان يساعد الناس ويُقرِضهم بلا فوائد، ولهذا كان محبوبًا في البندقية.
وكان لأنطونيو صديق مقرّب هو باسانيو، وهو شاب أرستقراطي من أصل ثري، لكنه بدّد ماله بإسرافه.
وكان معتادًا أن يستلف من أنطونيو كلما ضاقت به الحال.
في يوم من الأيام، جاء باسانيو إلى أنطونيو وقال له إنه وجد طريقة لسداد جميع ديونه: سيتقدم للزواج من بورشيا، فتاة ثرية جدًا تعيش في مدينة بلمونت.
كان قد رآها من قبل وتبادلا الإعجاب، لكنها بعد وفاة والدها ورثت ثروة كبيرة، وأصبح يتقدم لها الخطّاب من كل مكان.
طلب باسانيو من أنطونيو مبلغًا ليجهّز نفسه للسفر والتقدم لها، ووعده بأنه سيسدد كل شيء لو تم الزواج.
لكن أنطونيو لم يكن يملك سيولة نقدية لأن سفنه كلها خرجت للتجارة في رحلة خطرة، ومع ذلك وعده بأنه سيضمنه أمام أي مُقرِض.
ذهب باسانيو إلى المرابي اليهودي شايلوك ليطلب منه 3000 دوقية لمدة ثلاثة أشهر بضمان أنطونيو.
نعرف هنا أن شايلوك كان يكره أنطونيو، ليس لأنه مسيحي فقط، بل لأن أنطونيو يفسد تجارته، إذ يقرض الناس بلا فوائد ويمنعهم من اللجوء للمرابين.
وكان أنطونيو بدوره يحتقر شايلوك، ويهينه في الشارع ويبصق عليه ويعامله كالكلب، بينما لا يستطيع شايلوك الرد لأن اليهود في ذلك الزمن كانوا مضطهدين، ويسكنون مناطق معزولة تسمى “الجيتو”، ولا يُسمح لهم بالخروج منها بعد الغروب إلا وهم يرتدون قبعة حمراء.
مواجهة أنطونيو وشايلوك
ذهب باسانيو مع أنطونيو إلى شايلوك ودار بينهم الحوار الشهير…
وبعد أخذٍ وردّ، وافق شايلوك أن يقرض المال دون فوائد، شرط أن يقتطع رطلاً من لحم أنطونيو إذا تأخر عن السداد.
اعترض باسانيو على الشرط، لكن أنطونيو طمأنه لأن سفنه ستصل قبل موعد السداد، فوافق ووقّع العقد.
ننتقل إلى بلمونت، حيث كانت بورشيا حزينة لأنها لا تستطيع اختيار زوجها، تنفيذًا لوصية أبيها الذي وضع اختبارًا للعرسان:
ثلاثة صناديق — ذهب، فضة، ورصاص — واحد منها فقط يحتوي على صورتها.
اختار أمير المغرب صندوق الذهب فوجد جمجمة وورقة تقول: “ليس كل ما يلمع ذهبًا”.
واختار أمير أرجون صندوق الفضة فوجد صورة مغفل.
وأخيرًا اختار باسانيو صندوق الرصاص، فوجد صورة بورشيا وورقة تهنئه.
وبذلك فاز باسانيو بالزواج منها.
هروب جيسكا
نعود إلى البندقية لنتعرف على جيسيكا، ابنة شايلوك، التي كانت تعاني من بخل أبيها ومن الاضطهاد الواقع على اليهود.
قررت الهرب مع حبيبها المسيحي لورينزو، بل وسرقت مال أبيها قبل أن تهرب.
عاد شايلوك ليجد ابنته هاربة وأمواله مسروقة، فكان حزنه شديدًا.
وفي بلمونت، كان الجميع سعيدًا بزواج باسانيو وبورشيا، وبزواج خادميهما أيضًا.
لكن الأخبار السيئة جاءت من البندقية:
سفن أنطونيو تأخرت وربما غرقت، وشايلوك مصمم على تنفيذ شرط العقد وأخذ رطل اللحم.
عاد باسانيو مسرعًا إلى البندقية بعد أن أتمّ الزواج، وأخذ مالًا من بورشيا لمحاولة إنقاذ صديقه.
وقبل أن يغادر، أعطته بورشيا خاتمًا وطلبت منه ألا يخلعه مهما حدث.
مشهد المحكمة
نصل إلى مشهد المحاكمة الشهير.
وقف أنطونيو وشايلوك أمام دوق المدينة. حاول الدوق والناس إقناع شايلوك بالرحمة لكنه رفض.
عرض باسانيو مضاعفة المبلغ، لكن شايلوك تمسّك بالعقد قائلاً إنه يريد “رطل اللحم”.
كان من المفترض أن يأتي محامٍ كبير للدفاع عن أنطونيو، لكنه أرسل مكانه شابًا اسمه “بلطزار” — وكان في الحقيقة بورشيا متنكرة — ومعها كاتبها، الذي كان وصيفتها متنكرة أيضًا.
بدأت بورشيا بالدعوة للرحمة، لكن شايلوك أصر على العدالة الحرفية.
وفي اللحظة التي استعدّ فيها لقطع لحم أنطونيو، صاحت بورشيا:
العقد ينص على “رطل من اللحم”، لكنه لا يجيز سفك “قطرة واحدة من الدم”!
وإن سالت قطرة واحدة، تُصادر أملاك شايلوك وفق قانون البندقية.
ثم كشفت له ثغرة أخرى: عليه أن يأخذ الرطل كاملًا دون زيادة أو نقصان حتّى قدر شعرة واحدة، وإلا يُحكم عليه بالموت.
انهار شايلوك وطلب فقط استرداد أصل المال، لكن بورشيا ذكّرته أنه رفض ذلك سابقًا.
ضربة قانونية
ثم وجّهت ضربة قانونية أخرى: أي أجنبي يحاول قتل مواطن يُصادر نصف ماله لصالح المواطن والنصف للدولة، ويترك أمر حياته للدوق.
عفا الدوق عنه من الإعدام، وتنازل أنطونيو عن نصف نصيبه بشرطين:
أن يتحول شايلوك للمسيحية،
وأن يورّث أمواله بعد موته لابنته جيسيكا وزوجها لورينزو.
وافق شايلوك وانصرف مكسورًا.
بعد ذلك ظهرت حقيقة أن المحامي كان بورشيا، وأعادت الخواتم لزوجها بعد أن عاقبته قليلًا على خلعها.
وجاءت رسالة بأن سفن أنطونيو وصلت بسلام.
وفرح لورينزو وجيسيكا بكونهم الورثة المستقبليين لثروة شايلوك.
وهكذا انتهت القصة،
بسعادة كل الأطراف… ما عدا شايلوك.
تحليل مسرحية “تاجر البندقية” لوليم شكسبير
تُعدّ “تاجر البندقية” (1596-1599) من أكثر مسرحيات شكسبير إثارة للجدل، فهي تجمع بين الكوميديا الرومانسية والمأساة الإنسانية،
وتتناول قضايا العدل والرحمة والانتقام والتمييز العنصري.
الصراع المركزي يدور حول شايلوك اليهودي المُرابي الذي يُقرض أنطونيو 3000 دينار بشرط رطل من لحمه إذا تأخر عن السداد.
يُجسّد شايلوك صورة “اليهودي الشرير” النمطية في العصر الإليزابيثي، لكن شكسبير يمنحه خطاب “أليس لليهودي عيون؟” الشهير، فيُحوّله من كاريكاتير إلى إنسان يعاني الاضطهاد والإهانة، مما يجعل الجمهور يتساءل: من الضحية الحقيقية؟
بورشيا، بذكائها المتنكّر في زي القاضي، تنقذ أنطونيو بتفسير حرفي للعقد (“لا دمًا مع اللحم”)، فتُبرز انتصار “الرحمة” على “العدالة الحرفية”، لكنها في الوقت نفسه تُذلّ شايلوك وتُجبره على اعتناق المسيحية وفقدان ثروته،
مما يُثير تساؤلات حول ما إذا كانت الرحمة المسيحية المُعلنة تُمارَس فعلاً.
تنتقد المسرحية لكونها تكشف ازدواجية المجتمع المسيحي البندقي: يدّعي الرحمة ويمارس الكراهية.
وأنها تبقى حتى اليوم مرآة للعنصرية والتعصب الديني وصراع القانون مع الأخلاق.



