التحالف السعودي المصري الصومالي: هل يعيد رسم خارطة النفوذ بين السعودية الإمارات في البحر الأحمر؟
تشهد منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي تحولات جيوسياسية كبرى، حيث بدأت ملامح “هندسة تحالفات” جديدة تبرز على السطح، تقودها قوى إقليمية تسعى لحماية أمنها القومي وتأمين ممراتها المائية.
وفي قلب هذه التحولات، يأتي الحديث عن التحالف السعودي المصري الصومالي الذي كشفت عنه تقارير دولية، ليكون بمثابة حجر زاوية جديد في معادلة التنافس الإقليمي.
وبينما يرى مراقبون أن هذا المحور يهدف إلى حماية السيادة الصومالية وتأمين الملاحة، يذهب آخرون إلى تحليل أبعاده ضمن سياق التنافس الصامت بين السعودية الإمارات على قيادة ملفات المنطقة الحساسة، من اليمن وصولاً إلى مضيق باب المندب.
طبيعة التحالف السعودي المصري الصومالي وأهدافه الاستراتيجية
وفقاً لما أوردته وكالة “بلومبيرغ”، فإن هناك اتفاقاً في مراحل متقدمة لإقرار تحالف عسكري وأمني يجمع الرياض والقاهرة ومقديشو.
هذا التحالف لا يأتي من فراغ، بل هو تفعيل لمبادرة اتفاقية الدفاع العربي المشترك، خاصة بعد إرسال مصر لآلاف الجنود
والمعدات العسكرية إلى الصومال مؤخراً.
إن الهدف المعلن هو دعم الحكومة الصومالية في مواجهة الأطماع الخارجية، وتحديداً محاولات إثيوبيا الحصول
على منفذ بحري عبر “أرض الصومال” المنفصلة.
ولكن، في العمق، يبدو أن هذا المحور يسعى لملء الفراغ الأمني في البحر الأحمر،
وهو الملف الذي شهد تباعداً في الرؤى بين السعودية الإمارات خلال السنوات الأخيرة،
خاصة فيما يتعلق بإدارة الموانئ والتعامل مع القوى المحلية في مناطق النزاع.
السعودية الإمارات: من التكامل إلى التنافس الجيوسياسي
لا يمكن قراءة أي تحرك في المنطقة دون التطرق إلى ثنائية السعودية الإمارات.
فبينما كانت الدولتان تشكلان جبهة واحدة لسنوات، بدأت الخلافات تخرج للسطح حول ملفات محددة،
مثل إدارة الأزمة اليمنية والنفوذ في منطقة القرن الأفريقي.
وتشير المصادر إلى أن التوجه السعودي نحو تعزيز العلاقات مع الصومال ومصر يأتي كخطوة استباقية
للحد من التمدد الإماراتي في الموانئ الاستراتيجية، مثل ميناء “بربرة”.
وفي المقابل، تواصل أبوظبي تعزيز شراكاتها الدولية بعيداً عن “البيت الخليجي” التقليدي،
حيث وقعت مؤخراً خطاب نوايا مع الهند بشأن شراكة دفاعية استراتيجية،
مما يعزز من وجود القوى النووية الآسيوية في قلب صراعات الشرق الأوسط.
أمن البحر الأحمر وباب المندب: الصراع على الممرات المائية
يعتبر أمن البحر الأحمر وباب المندب المحرك الحقيقي لهذه التحالفات.
فبعد انسحاب الولايات المتحدة التدريجي من التزاماتها بتأمين التجارة العالمية،بدأت القوى الإقليمية في بناء أساطيلها الخاصة واتفاقياتها الأمنية.
- المحور السعودي المصري: يركز على وحدة الأراضي الصومالية ومنع تفتيت الدول،
- معتبراً أن الاستقرار في مقديشو هو صمام أمان لقناة السويس وللمشاريع السعودية الكبرى على ساحل البحر الأحمر.
- المحور الإماراتي الهندي: يركز على “أمن الموانئ” والربط التجاري البحري، حيث تمتلك الإمارات شبكة واسعة من العلاقات التجارية والموانئ التي تمتد من دبي إلى غرب المحيط الهندي.
كيف يعيد التحالف السعودي الباكستاني صياغة القوى في الشرق الأوسط؟
سؤال آخر يطرحه المحللون: كيف يعيد التحالف السعودي الباكستاني صياغة القوى في الشرق الأوسط؟
فبالتزامن مع التقارب مع الصومال، أعلنت باكستان عن تحالف استراتيجي مع السعودية قد تنضم إليه تركيا.
هذا المحور يجمع بين “القدرة النووية الباكستانية”، “الثقل العسكري التركي”، و”النفوذ المالي والسياسي السعودي”.
هذا التكتل يمثل ثقلاً موازياً لأي تحالفات أخرى في المنطقة، ويضع المملكة في مركز القيادة لمشروع أمني إقليمي جديد
يعتمد على تنويع الشركاء العسكريين.
مواجهة جيوستراتيجية في البحر الأحمر وبحر العرب
وفي سياق القراءة التحليلية لهذا الحراك الإقليمي، يذهب الدكتور سمير التقي، الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن،
إلى أن المنطقة تعيش حالياً ذروة صراع نفوذ محتدم على الممرات المائية،
مؤكداً أن هذا النزاع تجاوز في جوهره مجرد المصالح التجارية العابرة ليتحول إلى مواجهة جيوستراتيجية شاملة
للسيطرة على البحر الأحمر وبحر العرب وصولاً إلى غرب المحيط الهندي.
ويربط التقي هذا التحول بتراجع الالتزام الأمريكي التاريخي كضامن للتجارة العالمية، مما خلق فراغاً دفع قوى إقليمية،
وفي مقدمتها السعودية والإمارات، إلى السعي لبناء قدرات عسكرية وأمنية مستقلة لتأمين مساراتها الملاحية.
كما يشير إلى أن الاستراتيجية الإماراتية في التمدد عبر الموانئ، والتي انطلقت قبل ثلاثة عقود كخيار اقتصادي بحت،
تصطدم اليوم بانهيار “عقد القانون الدولي” القديم.
وهو ما يستدعي في رأيه ضرورة إطلاق حوار استراتيجي موسع لا يقتصر على المنظومة العربية فحسب،
بل يمتد ليشمل الهند وباكستان والصين، بهدف صياغة تفاهمات تقسم الأدوار وتمنع انزلاق التنافس الاقتصادي نحو توترات عسكرية قد تعصف بمصالح الجميع.
تغير السلوك الإماراتي بعد الاتفاقيات الإبراهيمية
وعلى جانب آخر من المشهد، يقدم الكاتب والمحلل السياسي السعودي مبارك العاتي قراءة أكثر صرامة، يرى من خلالها أن التحالف الجديد مع الصومال يمثل تفعيلاً واقعياً وميدانياً لاتفاقية الدفاع العربي المشترك،
الرامية إلى حماية الدولة الوطنية من خطر التفتيت والأطماع الخارجية التي تذكيها أطراف إقليمية ودولية.
ويرصد العاتي تحولاً جوهرياً في السلوك السياسي لدولة الإمارات منذ توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020،
واعتبر أن أبوظبي باتت تنتهج مسارات تبتعد تدريجياً عن “الحضن العربي” وتتقاطع مع مصالح دول الجوار
في ملفات بالغة الحساسية كاليمن والصومال والسودان.
وفي هذا الإطار، يشدد العاتي على أن المملكة العربية السعودية تضطلع اليوم بمسؤولية قيادة مرحلة “تصحيح كبرى” للملفات العربية،
تهدف إلى إعادة الاعتبار لسلطة الدولة المركزية ومنع تغذية الحركات الميليشياوية.
وأوضح أن المملكة مستندة في ذلك إلى ثقلها التاريخي وتحالفاتها الاستراتيجية العميقة،
كالتحالف السعودي الباكستاني الذي يرى فيه صمام أمان يعيد صياغة توازن القوى في المنطقة،
خاصة مع احتمالات توسع هذا المحور ليشمل القوة العسكرية التركية، بما يخدم تطلعات الأمن القومي العربي في مواجهة التحديات الراهنة.
ما هو أثر الخلاف السعودي الإماراتي على أمن المنطقة؟
الإجابة على سؤال ما هو أثر الخلاف السعودي الإماراتي على أمن المنطقة؟ تبدو معقدة.
فمن جهة، يؤدي هذا التنافس إلى تسريع بناء تحالفات عسكرية قوية (مثل المحور السعودي الباكستاني مقابل المحور الإماراتي الهندي)،
وهو ما قد يخلق “توازن رعب” يمنع التصادم المباشر.
ومن جهة أخرى، فإن تضارب المصالح في دول مثل اليمن والسودان قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمات المحلية
إذا لم يتم التوصل إلى صيغة “تقسيم أدوار” واضحة بين الرياض وأبوظبي.
الخلاصة،إن بروز التحالف السعودي المصري الصومالي هو إشارة واضحة إلى أن القاهرة والرياض
قررتا أخذ زمام المبادرة في حماية الأمن القومي العربي بعيداً عن التدخلات الإقليمية الأخرى.
وبينما تستمر العلاقة بين السعودية الإمارات في التأرجح بين التحالف الاستراتيجي والتنافس المحموم،
يبقى المستفيد الأكبر هو من يستطيع بناء شبكة أمان عسكرية واقتصادية قادرة على الصمود في وجه “عالم ما بعد العولمة”،
حيث تصبح الممرات المائية هي العملة الصعبة الجديدة في بورصة القوى العظمى.



