د.عالية المهدي: مؤشرات الاقتصاد إيجابية.. لكن المواطن لن يشعر بالتحسن دون إصلاح الصحة والتعليم
في حوار اتسم بالصراحة والوضوح، قدّمت الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة والعميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، رؤية شاملة للمشهد الاقتصادي المصري،
حيث ركزت على التحديات الحقيقية والفرص المتاحة، محللةً أسباب التباين بين المؤشرات الاقتصادية المعلنة والشعور الشعبي العام.
مؤشرات إيجابية
أكدت المهدي في حوارها مع الإعلامي مصطفى بكري، أن المشهد الاقتصادي الحالي يشهد بالفعل مجموعة من المؤشرات الإيجابية، يأتي في مقدمتها ارتفاع الاحتياطي النقدي ليصل إلى نحو 50 مليار دولار،
إلى جانب تراجع معدلات التضخم إلى مستويات تتراوح بين 11% و12%، وهو ما تعتبره مؤشراً على تحسن نسبي في الأوضاع النقدية.
وأضافت أن مصر تمكنت من سداد مديونيات مستحقة لشركات أجنبية في قطاعي الغاز والبترول،
فضلاً عن سداد التزامات خارجية أخرى، وهو ما يعكس انضباطا ماليا ملحوظا.
تحسن موارد النقد الأجنبي
وأشارت العميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية إلى أن موارد النقد الأجنبي شهدت تحسنا واضحا،
لاسيما في قطاع السياحة وتحويلات المصريين بالخارج، بينما لا تزال قناة السويس تواجه ضغوطا مرتبطة بظروف التجارة العالمية.
ووصفت هذه المؤشرات بأنها “طيبة وواعدة”، معبرة عن أملها في استمرار هذا التحسن.
ورغم هذا التفاؤل النسبي، تساءلت المهدي عن سبب عدم انعكاس هذه المؤشرات إيجابياً على الحياة اليومية للمواطن.
وأرجعت الأمر إلى طبيعة التضخم قائلة: “انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار،
بل يعني فقط أن معدل الزيادة أصبح أبطأ، لكنه لا يزال زيادة في كل الأحوال”.
إصلاح الخدمات الأساسية
وأوضحت أن المواطن لن يشعر بتحسن حقيقي إلا بتحسن الخدمات الأساسية، وعلى رأسها التعليم والصحة.
فالتعليم الحكومي — كما تقول — لم يعد يوفّر للطالب ما يكفيه دون اللجوء للدروس الخصوصية، بينما لا تزال الخدمات الصحية، خاصة للفئات الأقل دخلاً،
بحاجة إلى تطوير وتوسيع نطاق التغطية التأمينية، مشيرة إلى أن 4–5% من الأسر المصرية تقع ضمن شريحة شديدة الفقر وتحتاج إلى رعاية صحية مجانية كاملة.
مراجعة جذرية
وتوقفت المهدي مطولا عند قضية الدعم، معتبرة أن النظرة الحكومية لمفهوم الدعم تحتاج إلى مراجعة جذرية.
وقالت إن الحكومة تحسب الدعم باعتباره الفارق بين السعر المحلي والسعر العالمي، وهي مقاربة “غير دقيقة”،
لأن مستوى دخل المواطن المصري بعيد تماما عن مستويات الدخول العالمية، وبالتالي لا تصح مقارنة الأسعار بهذا الشكل.
وأكدت أن الدعم الحقيقي هو الفارق بين تكلفة الإنتاج المحلية وسعر البيع للمستهلك، وليس بين السعر المحلي والعالمي.
الدعم النقدي
وانتقدت المهدي فكرة التحول إلى الدعم النقدي المباشر، معتبرة أنه يرفع الأسعار بسبب زيادة السيولة في السوق،
مما يؤدي إلى تضخم جديد يلتهم ما يحصل عليه المواطن من دعم، وقالت: “الخمس مئة جنيه التي تُمنح اليوم لا تساوي قيمتها غداً”.
وفي المقابل، أكدت أن الدعم العيني يبقى هو الخيار الأكثر أماناً وتوازناً، شريطة أن يوجَّه بدقة إلى الفئات المستحقة،
وأن يقتصر على سلع أساسية محددة تلبّي الاحتياجات الضرورية.
علاقة مصر مع صندوق النقد الدولي
وفي ما يخص علاقة مصر بصندوق النقد الدولي، عبّرت المهدي عن أمنيتها بانتهاء البرنامج القائم، مشيرة إلى تجربة مصر الإصلاحية في التسعينيات والتي انتهت عام 1997، ثم استمرار النمو الاقتصادي بعد ذلك دون الحاجة إلى برامج جديدة حتى عام 2010.
وذكرت أن الاقتصاد حقق خلال فترة حكومة أحمد نظيف معدلات نمو وصلت إلى 7.5%، رغم المشكلات المرتبطة بعدالة توزيع هذا النمو.
وترى المهدي أن مصر قادرة على تنفيذ برنامج إصلاحي “وطني خالص”، يعتمد على مواردها الذاتية، مستفيدة من مجموعة عوامل مهمة
أبرزها: المورد البشري الذي يحتاج فقط إلى تدريب وتأهيل، والموقع الجغرافي الفريد، والتطور الكبير في البنية التحتية، إلى جانب سوق محلية ضخمة تضم أكثر من 110 ملايين مستهلك.
ودعت إلى تمكين المحافظات من وضع خطط استثمارية خاصة بها تتناسب مع ميزاتها النسبية، ومنحها صلاحيات وحوافز متنوعة لجذب المستثمرين.
حماية الصناعة المحلية
وفي سياق حديثها عن الصناعة، شددت المهدي على ضرورة حماية الصناعة المحلية،
ضاربة المثل بالولايات المتحدة التي تمنح صناعاتها حماية جمركية واسعة.
وأكدت أن التوسع في القطاعات الإنتاجية الحقيقية — مثل الصناعة والزراعة — أهم بكثير من الاعتماد المفرط على الاستثمار العقاري أو مشاريع الخدمات.
كما دعت إلى توفير الأراضي الصناعية بنظام “حق الانتفاع” بدلاً من البيع، وتبسيط إجراءات التراخيص والنقل،
معتبرة أن تيسير الإجراءات للمستثمر أهم أحياناً من تقديم حوافز مالية.
سعر الدولار
وفي ما يتعلق بالأزمة الأمريكية المرتبطة بإمكانية الإغلاق الحكومي، أوضحت المهدي أنها أزمة داخلية لا يتوقع أن يكون لها تأثير مباشر على الاقتصاد المصري.
أما عن سعر الدولار في السوق المحلية، فأشارت إلى أنه شهد استقراراً نسبياً في الفترة الأخيرة بعد موجة قلق،
لافتة إلى أن استمرار هذا الاستقرار مرتبط بزيادة موارد النقد الأجنبي، وتعزيز الإنتاج المحلي والحد من الواردات غير الضرورية.



