أزمة الاستثمار الأخضر في السويد: صدمة تتسلل إلى مدخرات التقاعد وتحذيرات لبريطانيا من تكرار التجربة
بدأت التحولات التي قادتها السويد خلال السنوات الماضية للانتقال نحو الطاقة الخضراء تتعرض لهزّات قوية،
بعد أن كانت تُقدَّم كنموذج عالمي يُحتذى به.
المفاجأة الكبرى أن الخسائر لا تطال الشركات فقط، بل تمتد مباشرة إلى أموال التقاعد التي يعتمد عليها ملايين المواطنين في تدبير معيشتهم.
فقد ضخت السويد مبالغ ضخمة من مدخرات التقاعد في شركات تكنولوجيا نظيفة طموحة،
لكن اثنتين من أكبر هذه الشركات تعيشان اليوم أزمة خانقة.
إفلاس الشركات الخضراء
كانت شركة نورثفولت، هي الشركة الأولى التي اعتُبرت ذات يوم الأمل الأكبر لأوروبا في مجال بطاريات السيارات الكهربائية.
لكن هذا الأمل تلاشى بعدما تقدمت الشركة بطلب لحماية نفسها من الإفلاس في نوفمبر، في خطوة أثارت صدمة واسعة داخل البلاد وخارجها.
أما الشركة الثانية، ستيجرا المتخصصة في إنتاج “الفولاذ الأخضر”، فتواجه فجوة تمويلية ضخمة تصل إلى 858 مليون جنيه إسترليني.
والأدهى من ذلك أن الملياردير هارالد ميكس، الذي لعب دوراً محورياً في تأسيس الشركتين، استقال من منصبه كرئيس لمجلس إدارة ستيجرا،
ما زاد من قلق المستثمرين.
هذه التطورات ضربت صناديق التقاعد الحكومية في الصميم. فصندوق AP2 الحكومي وحده استثمر 117.7 مليون جنيه إسترليني في نورثفولت قبل انزلاقها نحو الإفلاس، إلى جانب 46.8 مليون جنيه في ستيجرا و15.6 مليون جنيه عبر صندوق استثمار بيئي تابع لآل غور.
وبحسب تقارير محلية، فإن صندوق AMF Pension، المملوك مناصفة بين أصحاب العمل والنقابات،
لديه ما يقارب 1.9 مليار كرونة على المحك.
بريطانيا تسير على خطى السويد… وتحذيرات مبكرة
الأمر لا يخص السويد وحدها. ففي بريطانيا، تروج المستشارة ريتشيل ريفز لبرنامج استثماري جديد يُدعى Sterling 20،
يهدف إلى توجيه أموال التقاعد نحو مشاريع البنية التحتية والذكاء الاصطناعي داخل المملكة المتحدة.
وقد حصلت بالفعل على التزامات طوعية من صناديق المعاشات لاستثمار 5% من أصولها في الأسواق الخاصة المحلية بحلول عام 2030.
لكن هذا النهج يذكّر كثيراً بالوعود السويدية السابقة التي رفعت سقف الطموحات قبل أن تتعثر.
فالحكومة السويدية في عهد رئيس الوزراء السابق ستيفان لوفين كانت قد أعلنت عن “ثورة صناعية خضراء جديدة”،
مفتخرة بأنها تسبق العالم في الاستثمار منخفض الكربون عبر صناديق التقاعد الحكومية.
غير أن هذه الجرأة الاستثمارية لم تمر بسلام. فبينما يحصل المتقاعدون الحاليون على معاشات محددة،
إلا أن زياداتها المرتبطة بالتضخم ليست مضمونة، ما يجعل أي خسائر في استثمارات صناديق التقاعد مصدر قلق كبير.
انتقادات حادة… ومخاوف من تحميل دافعي الضرائب الفاتورة
الأزمة فجّرت موجة غضب داخل السويد.فقد اتهم أوسكار شويستيدت، المتحدث الاقتصادي لحزب السويد الديمقراطي،
الحكومات السابقة بأنها “لعبت بأموال المتقاعدين لتحقيق أهداف سياسية”، معتبراً أن المواطنين هم من سيدفعون الثمن في النهاية.
ويرى الاقتصادي ماغنوس هنريكسون أن المشكلة الأساسية تكمن في نموذج “الربح للقطاع الخاص والخسارة على المجتمع”،
إذ استفاد رجال الأعمال من الأرباح المحتملة بينما تحمّل الصندوق الحكومي مخاطر ضخمة.
وفي السياق نفسه، يحذر البروفيسور ريكارد إريكسون من أن مكتب الدين الوطني السويدي قدم ضمانات كبيرة لهذه الشركات،
مما يعني أن انهيارها لن يضرب صناديق التقاعد وحدها، بل سيجبر الدولة—أي دافعي الضرائب—على تعويض الخسائر.
رسائل إلى بريطانيا: لا تُكرّروا الخطأ
من جهته، يرى توم غوسلين، من مبادرة التمويل المستدام في كلية لندن للاقتصاد، أن التجربة السويدية تقدم “إنذاراً واضحاً” لبريطانيا.
فالحكومات في ظل عجز ميزانياتها باتت تحاول توجيه استثمارات التقاعد نحو مشاريع ترى أنها ضرورية، حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر.
ويحذر غوسلين من أن تشجيع صناديق التقاعد البريطانية على دخول الأسواق الخاصة يأتي في وقت “تبدو فيه تقييمات هذه الأسواق مبالغاً فيها”، ما قد يعرض المدخرات طويلة الأجل للخطر.
كما تؤكد الخبيرة الاكتوارية هيلاري سولت أنه إذا كانت الشركات البريطانية توفر بالفعل أفضل العوائد،
لما احتاجت الحكومة إلى التدخل لفرض أو توجيه هذه الاستثمارات.
ويضيف جون غرير من شركة Quilter أن حجم أموال التقاعد كبير جداً بحيث يتطلب مشاريع ضخمة وذات جدوى حقيقية،
بينما قد لا يوفر السوق كمية كافية من تلك المشاريع، ما يدفع الصناديق إلى المخاطرة في فرص أقل جودة.
نهاية طموحات خضراء أم بداية مراجعة ضرورية؟
تكشف التجربة السويدية أن الكثير من الرهانات على مستقبل الصناعات الخضراء بُني على توقعات بدعم حكومي أوروبي واسع وسياسات قوية لإزالة الكربون. لكن الواقع كان مختلفاً:
1- الدعم الأوروبي لم يضاهِ الدعم الصيني الهائل.
2-الطلب على السيارات الكهربائية تراجع.
3- وسياسات أمريكا البيئية تغيّرت تماماً مع إدارة دونالد ترامب.
هذه العوامل مجتمعة جعلت الشركات الأوروبية التي كانت تُعدّ رواد المستقبل الأخضر عاجزة عن المنافسة.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى الخطر الأكبر هو أن تؤثر هذه القرارات الاستثمارية على دخل المتقاعدين لسنوات طويلة، وربما عقود.
ورغم كل الانتقادات، يؤكد متحدث باسم الخزانة البريطانية أن صناديق التقاعد التزمت بالمشاركة في الأسواق الخاصة “طوعاً”،
وأن هذه الخطوة قد تمنحها عوائد أعلى عبر تنويع استثماراتها، كما أنها تحظى بترحيب من الشركات الناشئة في البلاد.
المصدر: إم إس إن



