مصر تنهي صفحة صندوق النقد السوداء.. 50 عامًا من الشراكة السامة
في خطوة قد تشكل نقطة تحول في الاقتصاد المصري، أعلن محمد معيط، الممثل التنفيذي لمصر في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي،
اليوم أن مصر أبلغت الصندوق رسميًا بعدم الحاجة إلى تمويل إضافي. وأكد أن الاقتصاد المصري قد حقق الاستقرار الكافي للانتقال إلى مرحلة الاستقلال المالي.
يأتي هذا الإعلان في وقت يشهد فيه الاقتصاد المصري تعافيًا ملحوظًا، مع سداد أكثر من 10 مليار دولار من الديون السابقة للصندوق،
بما في ذلك دفعات رئيسية في مايو الماضي.
ومع ذلك، يثير هذا القرار تساؤلات حول مستقبل الشراكة الطويلة الأمد بين مصر وصندوق النقد الدولي،
التي امتدت لأكثر من نصف قرن، وسط انتقادات متزايدة لشروط الصندوق التي أثارت صعوبات اقتصادية واجتماعية عميقة.
تاريخ من السياسات القاسية
انضمت مصر إلى صندوق النقد الدولي في عام 1945، كواحدة من الدول المؤسسة للمنظمة، مما يجعلها شريكًا تاريخيًا له منذ أكثر من 80 عامًا.
خلال هذه الفترة، تلقت مصر دعمًا ماليًا هائلًا عبر عشرات البرامج التي بدأت نهاية السبعينيات من القرن الماضي،
بلغ إجماليها أكثر من 30 مليار دولار ، معظمها في العقود الأخيرة لمواجهة أزمات اقتصادية متكررة.
كان البرنامج الأبرز هو اتفاقية الـ12 مليار دولار في 2016، التي شملت تغييرات هيكلية مثل تعويم الجنيه وإزالة الدعم،
تلاها برنامج الـ8 مليارات دولار في 2022،
الذي أكملت مصر أربع مراجعات له بحلول مارس 2025، مما أدى إلى صرف 1.2 مليار دولار إضافية.
هذه الشراكة لم تكن مجرد تمويل، بل كانت أداة لفرض إصلاحات جذرية، بما في ذلك خفض الإنفاق الحكومي، تحرير الأسعار، وتعزيز الخصخصة.
وفقًا لتقارير الصندوق نفسه، ساهمت هذه الإجراءات في خفض التضخم من 36% في 2023 إلى حوالي 25% في 2025،
وزيادة الاحتياطي النقدي إلى مستويات تكفي لستة أشهر من الواردات.
لكنها أيضًا أدت إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما أثر على ملايين الأسر المصرية.
مدبولي يعلن المراجعة الخامسة والسادسة كخطوة أخيرة
يأتي إعلان معيط بعد أيام قليلة فقط من تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الذي أكد في مؤتمر صحفي أسبوعي أن بعثة من صندوق النقد الدولي ستصل إلى القاهرة في الأسابيع المقبلة
لإجراء المراجعة الخامسة والسادسة المشتركة لبرنامج الـ8 مليارات دولار.
وصف مدبولي هذه المراجعة بأنها “الخطوة النهائية نحو إكمال البرنامج بنجاح”، مشيرًا إلى أن إيرادات العملة الأجنبية المصرية تغطي الآن الاحتياجات بالكامل، بل وتتجاوزها أحيانًا، مع فوائض تستخدم لتعزيز الاحتياطيات.
هذا الإعلان، الذي جاء في 12 نوفمبر، عكس رغبة حكومية متزايدة في مواصلة البرنامج ،
خاصة بعد تأجيل المراجعة الخامسة في يوليو الماضي بسبب بطء الخصخصة،
لكن يبدو أن الدولة المصرية كان لها رأي آخر لاسيما أن حكومة مدبولي تجهز نفسها للرحيل عقب انتهاء انتخابات مجلس النواب.
يربط هذا الإعلان بتصريح معيط بشكل مباشر، حيث يشير الاثنان إلى نهاية مرحلة الاعتماد على التمويل الخارجي،
مع التركيز على الإصلاحات الداخلية كمحرك رئيسي للنمو.
ومع ذلك، يتوقع محللون أن المراجعة القادمة في ديسمبر قد تفتح الباب لصرف شريحة أخيرة بقيمة 2.5 مليار دولار،
قبل إغلاق البرنامج نهائيًا بحلول يونيو 2026.
مصر الثانية بعد جامايكا: نهاية عصر الشراكة الطويلة
يُعد هذا الإعلان خطوة تاريخية، حيث تُعتبر مصر الدولة الثانية بعد جامايكا في إنهاء تعاملاتها مع صندوق النقد الدولي
بعد أكثر من 50 عامًا من التعاون المكثف.
أما مصر، التي بدأت تعاملاتها الفعالة مع الصندوق في السبعينيات تحت حكم أنور السادات،
فقد مرت ببرامج متعددة خلال عقود الحرب الباردة والأزمات الاقتصادية، لتصل اليوم إلى مرحلة يُقال إنها “التخرج” من البرنامج،
كما وصفها معيط.
هذا الإنجاز، إذا تم، سيضع مصر في مصاف الدول الناشئة التي نجحت في تحقيق الاستقرار دون الوقوع في فخ الديون المزمنة،
رغم التحديات الجيوسياسية مثل انخفاض إيرادات قناة السويس بسبب التوترات في الشرق الأوسط.
الصعوبات المعيشية: ثمن الإصلاحات القاسية
رغم الإنجازات التييروج لها الصندوق وحكومة مدبولي، كان التعاون مع الصندوق مقابل ثمن باهظ على
الاقتصاد المصري والحياة اليومية للمواطنين.
شروط الصندوق، التي تركز على “التوازن المالي”، أدت إلى إزالة الدعم على الوقود والكهرباء والغذاء،
مما رفع التضخم إلى مستويات قياسية بلغت 40% في 2023،
وأدى إلى ارتفاع أسعار الخبز بنسبة 300% والبنزين بنسبة 80%، وفقًا لتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش.
هذه الإجراءات، المصممة لتقليل العجز المالي من 12% إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي، ساهمت في زيادة الفقر بنسبة 10%،
حيث يعاني نحو 30% من السكان من نقص الغذاء الأساسي، وفقًا لتقديرات البنك الدولي.
على المستوى الاقتصادي، أدت الشروط إلى تضخم الدين الخارجي إلى 165 مليار دولار بحلول 2025،
مع مخاطر إعادة التمويل الداخلي التي تهدد الاستقرار المالي.
كما أن التركيز على الخصخصة أثار مخاوف بشأن سيطرة الأجانب والقطاع على القطاعات الاستراتيجية،
مما يهدد بفقد السيادة على الاقتصاد ويفاقم البطالة بين الشباب إلى 25%.
محللون مثل أولئك في مركز بروكينغز يصفون هذه الإصلاحات بأنها ” اقتصادية سياسية” تتجاهل الحقوق الاقتصادية للملايين،
مما يجعل التعافي هشًا أمام الصدمات الخارجية مثل الحرب في غزة أو تباطؤ الاقتصاد العالمي.
بداية عصر جديد أم وهم الاستقلال؟
مع إعلان مصر عدم الحاجة إلى تمويل إضافي، يبدو أن القاهرة تغلق صفحة طويلة من الاعتماد على الصندوق،
لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء نموذج اقتصادي مستدام يحمي الطبقات الوسطى والفقيرة.
كما قال معيط في تصريحه اليوم: “لقد تعلمنا الدرس، والآن نكتب الفصل التالي بأيدينا”.
هل ستنجح مصر في تحقيق ذلك، أم ستعود إلى أحضان الصندوق في أزمة قادمة؟ الإجابة تكمن في الإصلاحات الداخلية والتنويع الاقتصادي، بعيدًا عن الوصفات الخارجية.



