سينما

«القاهرة 30».. تحفة صلاح أبو سيف التي فضحت وجه الفساد قبل ثورة 1952

فيلم «القاهرة 30» الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1966، واستند إلى رواية «القاهرة الجديدة» لنجيب محفوظ،

يظل أحد أبرز الأعمال التي رسخت الواقعية النقدية في السينما المصرية.

 قدم فيلم القاهرة 30 ، الذي يعد أحد أهم كلاسيكيات السينما المصرية، معالجة بصرية ودرامية عميقة للفساد الاجتماعي والسياسي في ثلاثينيات القرن الماضي،

 وأعاد طرح السؤال الأزلي عن علاقة الفرد بالسلطة داخل مجتمع طبقي مأزوم، ينهش الفساد والمحسوبية فقرائه .

قصة فيلم القاهرة 30

يروي فيلم القاهرة 30 قصة ثلاثة أصدقاء جامعيين فقراء في مصر الثلاثينيات: محجوب عبد الدايم (حمدي أحمد) البراجماتي الذي يبيع ضميره للصعود، ،

وعلي طه (عبد العزيز مكيوي ) المثالي الثوري الذي يقاوم الفساد حتى الموت، وأحمد بدير(عبد المنعم إبراهيم) الصحفي الانتهازي الذي تربطه علاقات بالطبقة الفاسدة، وأصاقائه من الثورريين .

يرتبط  على طه بقصة حب مع جارته الفقيرة  إحسان شحاته  (سعاد حسني)، والتي تُفرط في نفسها وتبيع جسدها لأحد كبار المسئولين الأثرياء قاسم بك ( أحمد مظهر )، تحت وطأة الإغراء والتشجيع من جانب والديها.

في رحلة البحث عن وظيفة، يصطدم محجوب عبدالدايم بجارته السابقة ، عندما يساومه ابن قريته (سالم الأخشيدي ) الموظف الفاسد،

للحصول على وظيفة  حكومية مقابل الزواج من إحسان شحاته، بهدف  التستر على علاقاتها الغير شرعية بقاسم بك .

فيلم القاهرة 30
الفنان حمدي أحمد في دور (محجوب عبدالدايم) والفنان أحمد توفيق في دور (سالم الأخشيدي) في فيلم القاهرة 30

فضيحة مدوية

 تتطور أحداث الفيلم، عقب موافقة  محجوب على الزواج  من إحسان، محاولًا استغلال الزيجة للارتقاء الوظيفي، حتى نصل إلى ذروة الحبكة الدرامية،

حين تنكشف أسرار هذه العلاقة الشاذة  لينتهي الأمر بفضيحة مدوية لكل من محجوب عبدالدايم وقاسم بك وإحسان شحاته .

الفيلم من بطولة: عبد العزيز مكيوي، حمدي أحمد، سعاد حسني، أحمد مظهر، عبد المنعم إبراهيم، توفيق الدقن, أحمد توفيق في دور(سالم الأخشيدي).

يغوص الفيلم في موضوعات الفساد السياسي والاجتماعي، الفقر كقوة قسرية، تشييء المرأة، الصراع الطبقي،

وجدلية الأخلاق مقابل السلطة والمال في عصر الملكية المتهاوي، مُقدّماً نقداً لاذعاً لمنظومة تُنتج الفاسدين قبل الأفعال الفاسدة.

معارك الرقابة قبل العرض

واجه الفيلم عقبات كبيرة في مرحلة الإنتاج والرقابة، حيث رفضت الرقابة النص ثلاث مرات، رغم أن رئيسها وقتها كان نجيب محفوظ نفسه صاحب الرواية الأصلية.

 جاء الرفض بدافع تحفظ أخلاقي من محفوظ، خشية أن يبدو وكأنه يمنح عملاً مقتبساً من روايته امتيازاً خاصاً.

وبعد تولي عبد الرحيم سرور رئاسة الرقابة، سُمح بعرض الفيلم بشرط تغيير العنوان من «القاهرة الجديدة» إلى «القاهرة 30»،

لتوجيه الدلالة التاريخية صراحة نحو عصر الملكية، وإبعاد أي تلميح قد يربط الفساد المصور بالواقع السياسي في ستينيات القرن العشرين.

نجوم جسدوا الرسالة ببراعة

شكّل أداء حمدي أحمد في دور محجوب عبد الدايم العمود الفقري للفيلم،

رغم شكوك نجيب محفوظ الأولية في قدرته على تجسيد الشخصية، قبل أن يتراجع الكاتب الكبير ويعلن إعجابه التام بعد مشاهدة العمل النهائي.

أما سعاد حسني فقدمت شخصية إحسان كرمز مأساوي لتشييء المرأة الفقيرة،

فيما جسد أحمد مظهر طبقة السلطة المهيمنة من خلال شخصية قاسم بك، ليبرز الثلاثي معاً التوترات الطبقية الحادة التي يناقشها الفيلم.

الفقر يصنع الأخلاق المقلوبة

يؤسس الفيلم لأطروحة مركزية تقول إن الفقر ليس مجرد وضع اقتصادي، بل قوة تشكل السلوك الأخلاقي بالكامل.

محجوب وإحسان، وهما أكثر الشخصيات انحداراً أخلاقياً، لا يُقدمان كأشرار بالفطرة،

بل كضحايا مباشرين لبنية اجتماعية خانقة تدفع الناس إلى قرارات تناقض قناعاتهم الأولى.

 وهكذا يؤسس الفيلم للواقعية الجديدة في السينما المصرية التي ترفض الحكم الأخلاقي البسيط،

 وتفضل التفسير الاجتماعي الطبقي.

لغة الصورة تتكلم أبلغ من الكلمات

اعتمد صلاح أبو سيف على بنية بصرية دقيقة: لقطات واسعة لمعظم الشخصيات مقابل لقطات قريبة جداً لمحجوب،

ليؤكد أن فساد محجوب مكشوف للمشاهد كراوٍ داخلي، بينما يبقى فساد الآخرين مخفياً داخل نسيج العلاقات الاجتماعية.

كما استخدم لافتات مباشرة مثل «بالمال تتحقق الآمال» و«لولا الراعي ما نكست الرعية»، ليؤكد مركزية الاستغلال والسلطة الأبوية.

وبرز استخدام تقنية التنبؤ الدرامي، أبرزها انعكاس وجه إحسان على زجاج سيارة قاسم بك بجوار زوجته، في إشارة مبكرة إلى الدور المدمر الذي ستلعبه لاحقاً.

منظومة فساد لا حدود لها

ينتقد الفيلم السلطة الملكية القائمة على التبعية للإنجليز والتواطؤ بين البيروقراطية وكبار الملّاك،

ويصور الفساد كمنظومة متكاملة تشارك فيها السلطة السياسية والاقتصادية والأبوية والمجتمعية معاً.

ويؤكد أن أخطر أنواع الفساد ليست ممارسات الأفراد المهمشين مثل محجوب وإحسان،

بل تلك الصادرة عن ممثلي السلطة العليا، لأنها هي التي تخلق الظروف التي تدفع الضعفاء إلى الانهيار الأخلاقي.

براجماتية مقابل مثالية ثورية

يرسم الفيلم مقابلة فكرية حادة بين براجماتية ونفعية محجوب القائمة على فلسفة «طز» وبين مثالية “علي” الثورية التي ترفض أي تسوية مع الفساد.

وتظهر صور عرابي ومصطفى كامل في خلفية مشاهد علي، لتأطيره كامتداد رمزي للحركة الوطنية.

لكن المثالية نفسها تُدفع في النهاية إلى العنف وقمع الدولة، ليكشف الفيلم حدود التغيير الفردي داخل بنية فاسدة بالكامل.

صوت محجوب يخفف الصدمة

يستخدم الفيلم صوت محجوب كراوٍ داخلي لتطبيع السلوك غير الأخلاقي بنبرة ساخرة، وتعميق الفهم السياقي،

وكسر المسافة الأخلاقية بين المشاهد والشخصية، ليمنع اختزال الشر في فرد واحد،

ويضع المتفرج أمام سؤال قاسٍ: هل كانت خياراتك ستختلف لو وُضعت في الظروف نفسها؟

«بداية النهاية».. رسالة ما بعد الملكية

تنتهي أحداث الفيلم بعبارة «بداية النهاية»، إشارة إلى انهيار عهد الملكية من الداخل، لكن دون انتصار كامل.

المكسب القريب الذي اختاره محجوب وإحسان هو هزيمة طويلة الأمد، بينما يبقى علي، رغم خسارئه الحياتيه، رمز المكسب التاريخي مهما كان الثمن باهظاً.

إرث لا يُمحى

حافظ «القاهرة 30» على مكانته كعمل مفصلي: المرتبة 57 بين أفضل مئة فيلم عربي، والمرتبة 18 بين أفضل مئة فيلم مصري، وتقييم مرتفع عالمياً،

بفضل بنائه السينمائي المحكم وقدرته على دمج النقد السياسي بالدراما الإنسانية دون وعظ أو مباشرة مفرطة.

السؤال الذي لا يزال يلاحقنا

«القاهرة 30» ليس مجرد قصة سقوط فرد، بل عرض لمنظومة قيم محطمة تجر البشر إلى الهاوية الأخلاقية.

قوته الحقيقية تكمن في رفضه تقديم أحكام جاهزة،

واكتفائه بكشف الشروط الاجتماعية التي تنتج الفساد وتعيد إنتاجه،

تاركاً لنا سؤالاً راهناً حتى اليوم: هل الفساد فعل فردي، أم بنية كاملة تصنع أفرادها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى