حرب “ترامب – باول” تشتعل.. القضاء يدخل على خط الأزمة والأسواق العالمية تلجأ إلى الملاذات
منذ مطلع العام الحالي، استمر المشهد الاقتصادي والسياسي في الولايات المتحدة في التصعيد غير المسبوق بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من جهة، ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول من جهة أخرى.
هذا التوتر المتصاعد بين ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي ألقى بظلاله القاتمة على العالم بأسره، مؤدياً إلى تسجيل ارتفاعات قياسية في أسعار الملاذات الآمنة، وعلى رأسها الفضة والذهب، التي تلامس حالياً قمماً سعرية جديدة.
وقد انتقل الخلاف بين الرجلين من التراشق اللفظي إلى أروقة القضاء.
ففي ظهور مغاير لعادته، تحدث جيروم باول -الرجل الذي يُعرف بقلة الكلام- بلهجة صارمة وحادة، رداً على ما يصفه ترامب بـ “باول المتأخر جداً”.
باول: أتعرض لملاحقة سياسية تحت غطاء “تجديد المباني“
ظهر رئيس الاحتياطي الفيدرالي ليعلن صراحة أنه يتعرض لملاحقة قضائية بدوافع سياسية، وذلك لرفضه الانصياع لأوامر الرئيس ترامب.
وفي تصريحه باللغة الإنجليزية، قال باول:
“إن لائحة الاتهام المعروضة أمام لجنة المصارف بمجلس الشيوخ، والتي تتعلق بمشروع متعدد السنوات لتجديد مباني مكاتب الاحتياطي الفيدرالي التاريخية، تثير الاستغراب. إنني أكن احتراماً عميقاً لسيادة القانون وللمساءلة في نظامنا الديمقراطي. لكن ما يحدث هو استهداف لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي التي يكفلها القانون.
إن هذا الضغط السياسي غير المسبوق لا يتعلق بشهادتي التي أدليت بها في يونيو الماضي حول تجديد مباني الفيدرالي، ولا يتعلق بالدور الرقابي للكونغرس؛ إذ قام الفيدرالي عبر الشهادات والإفصاحات العامة ببذل كل جهد لإبقاء الكونغرس على اطلاع دائم بمشروع التجديد. إن تلك مجرد ذرائع..، بل إن الأمر يتعلق في حقيقته بقرارات أسعار الفائدة”.
خلفيات الصراع: مواجهة الكاميرات وتجديد المبنى
تعود جذور الخلاف العلني العنيف بين الرجلين إلى المواجهة الشهيرة التي وقعت العام الماضي في مقر الاحتياطي الفيدرالي، حيث تجادل ترامب مع باول علناً أمام عدسات الكاميرات. وبالعودة إلى تفاصيل ذلك الجدال المسجل:
- ترامب: “حسناً، نحن نلقي نظرة، ويبدو أن الأمر يتعلق بحوالي 3.1 مليار دولار.. لقد ارتفع الرقم قليلاً أو كثيراً. إذن، الـ 2.7 أصبحت الآن 3.1“.
- باول (أو أحد المسؤولين): “نعم، لقد صدر الرقم للتو“.
- ترامب: “نعم، لم أسمع ذلك من أي شخص. حوالي 3.1 أيضاً.. 3.2؟ هذا الرقم جاء منا.. نعم. لا أعرف من يقوم بذلك. هل تُدرجون التجديد ضمن ذلك؟ أنت تتحدث فقط عن المبنى الثالث..”.
تحقيقات قضائية ومحاولات لإخضاع “المركزي“
يبدو أن رد باول على ترامب حينها لم يصب في صالحه. فوفقاً لمسؤولين حكوميين، يُجري المدعون العامون تحقيقاً مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن مشروع تجديد مبنى البنك المركزي.
ويمثل هذا التحقيق الخطوة الأكثر جرأة حتى الآن في حملة ترامب لإخضاع البنك المركزي -الذي يتمتع تقليدياً بالاستقلالية- لإرادة إدارته.
وسبق لترامب أن انتقد باول مراراً لتأخره في خفض أسعار الفائدة، وصرح بأنه يفكر في مقاضاته بتهمة “التقصير الفادح”.
وفي سياق متصل، تسعى الإدارة الأمريكية أيضاً لعزل “ليزا كوك”، عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، في قضية باتت معروضة أمام المحكمة العليا.
ورغم هذه التطورات، قال ترامب في مقابلة قصيرة مع شبكة “إن بي سي نيوز” إنه لم يكن على علم بأوامر الاستدعاء الصادرة عن وزارة العدل، مؤكداً أن أي تحقيق جنائي لن يكون مرتبطاً بالخلافات السابقة بين البيت الأبيض وباول بشأن أسعار الفائدة.
تحليل اقتصادي: مخاوف من “حرب أهلية مالية“
حذر الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور مصطفى البازركان، في تصريحات لقناة العربية ، من أن النزاع المستمر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول سيولد ما يشبه “الحرب الأهلية” داخل القطاعات المالية والمصرفية والنقدية في الولايات المتحدة.
وأوضح البازركان أن تحركات الرئيس ترامب لا تحظى بدعم كامل سواء من الحزب الديمقراطي أو حتى من الحزب الجمهوري، مشيراً إلى أن الاحتياطي الفيدرالي تمتع باستقلالية تامة طوال العقود الماضية،
إلا أن ترامب يسعى حالياً لوضع رئيس “الفيدرالي” تحت سيطرته السياسية لاستصدار قرارات تخدم أجندته الخاصة.
وكشف الباحث الاقتصادي عن البعد الاستراتيجي لهذا التصعيد، رابطاً إياه بموعد تغيير رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقرر في مايو (أيار) القادم، حيث يهدف ترامب من خلال ضغوطه الحالية إلى ضمان أن يكون الخلف القادم لـ “باول” منفذاً مطيعاً لأوامره.
خفض الفائدة
وعن الدوافع الاقتصادية لهذا الضغط، أرجع البازركان تركيز ترامب المستميت على خفض الفائدة -دون مراعاة وضع الاقتصاد أو الأيدي العاملة- إلى أزمة الدين العام الأمريكي الذي تجاوز حاجز الـ 38 تريليون دولار، مما يكبد الخزينة تكلفة فوائد تصل إلى 3 مليار دولار يومياً.
وفيما يخص استقلالية البنوك المركزية، أكد البازركان أنه في الدول الديمقراطية لا يمكن القبول بالضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي،
لافتًا إلى تناقض الإدارة الأمريكية التي طالما انتقدت دولاً أخرى لفرض سياسات قادتها على بنوكها المركزية،
بينما تخطو واشنطن اليوم الخطوة ذاتها لمصادرة استقلالية “المركزي الأمريكي”.
تراجع الأسواق الأوروبية والآسيوية والأمريكية
ونبه إلى أن هذه التحركات، بما فيها أخبار وزارة العدل وتصريحات ترامب، قد تسببت بالفعل في تراجع مؤشرات الأسواق الأوروبية والآسيوية والأمريكية، مما ينذر بتداعيات خطيرة على الاقتصادات العالمية.
واختتم البازركان تحليله برؤية مستقبلية للملاذات الآمنة، مؤكداً أن الارتفاعات الحالية في أسعار الذهب والفضة ليست وليدة اللحظة،
بل بدأت قفزاتها منذ بداية العام ومنتصف العام الماضي.
وتوقع استمرار هذا المسار التصاعدي لتحقيق مستويات قياسية جديدة، مدفوعاً باستمرار الأزمة وتراجعات قيمة الدولار
التي تعد عاملاً أساسياً مؤثراً في هذا السياق.



