كتب

ملخص كتاب "تهافت التهاتف" لابن رشد: لا تعارض بين الفلسفة وصحيح الدين

يُعد كتاب “تهافت التهافت” للفيلسوف الأندلسي أبي الوليد ابن رشد أحد أبرز الأعمال الفلسفية في تاريخ الفكر الإسلامي والعالمي.

ألف ابن رشد هذا الكتاب في القرن الثاني عشر الميلادي، وبالتحديد حوالي عام 1180م،

كرد مباشر ومنهجي على كتاب الإمام أبي حامد الغزالي الشهير “تهافت الفلاسفة”.

فقد سعى الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة إلى نقض الفلسفة المشائية الأرسطية،

حيث كشف تناقضاتها الظاهرية ليرفع من شأن الشريعة والعقيدة الإسلامية.

بالمقابل، جاء رد ابن رشد دفاعاً قوياً عن الفلسفة، معتبراً إياها طريقاً شرعياً يُكمل الحقيقة الدينية،

ومؤكداً أنها لا تتعارض مع الدين الصحيح.

منهج ابن رشد في كتاب تهافت التهاتف

اتبع ابن رشد منهجاً دقيقاً للغاية في كتابه تهافت التهافت.

استعرض فقرات كتاب الغزالي واحدة تلو الأخرى، ثم رد على حججه بدقة متناهية.

اعتمد أسلوباً منطقياً صارماً للدفاع عن الفلاسفة، خاصة الفارابي وابن سينا، ضد اتهامات الغزالي بالهرطقة والكفر.

ركز النقاش على 20 مسألة محددة، منها 16 تتعلق بالإلهيات أو الميتافيزيقا، وأربع تتعلق بالطبيعيات.

من أبرز نقاط الخلاف التي يناقشها الكتاب ما يلي:

قدم العالم

أولاً، قدم العالم. اعتبر الغزالي القول بقدم العالم – أي وجوده منذ الأزل دون خلق في زمن محدد – كفراً صريحاً، لأن الله يخلق من العدم.

 لكن ابن رشد دافع عن موقف الفلاسفة، موضحاً أن القدم المقصود نسبي، وأن العالم معلول ناتج عن علة أولى أزلية هي الله.

رأى أن هذا المفهوم لا ينفي الخلق، بل يفسر العلاقة بين الخالق والمخلوق بدقة فلسفية أكبر.

وحدانية الله

ثانياً، صفات الله ووحدانيته.

اتهم الغزالي الفلاسفة بنفي صفات الله مثل السمع والبصر والكلام، أو تأويلها بما يمس جوهر العقيدة.

إلا أن ابن رشد أوضح أن الفلاسفة يثبتون الصفات الإلهية، لكن بطريقة تتجاوز التجسيم البشري، أي التنزيه التام.

 أكد أن الفهم الفلسفي للوحدانية أكثر تنزيهاً من الفهم العامي.

علم الجزئيات

ثالثاً، علم الله بالجزئيات. رأى الغزالي أن قول الفلاسفة بأن الله يعلم الكليات فقط دون الجزئيات المتغيرة كفر.

غير أن ابن رشد رد بأن علم الله لا يشبه علم البشر المحدود؛ فهو علم كلي شامل لا يغيب عنه شيء،

لكنه مختلف عن علمنا المعتمد على الحواس والتغيرات الزمنية.

السببية

رابعاً، السببية أو قانون العلة والمعلول.

 جادل الغزالي بأن العلاقة بين السبب والنتيجة ليست ضرورية، مثل أن النار لا تحرق بالضرورة،

بل هي عادة جرت بقدرة الله المباشرة، مما يؤكد القدرة الإلهية المطلقة.

لكن ابن رشد رفض هذا التشكيك رفضاً قاطعاً، معتبراً إنكار السببية إنكاراً للعقل والقوانين التي وضعها الله في الكون.

أشار إلى أنه بدون السببية، لا يقوم علم ولا فلسفة، ولا حتى استدلال على وجود الله من النظام الكوني؛ فإنكارها يهدم العلم نفسه.

البعث والحساب

خامساً، المعاد الجسماني أو البعث والحساب. اتهم الغزالي الفلاسفة بإنكار البعث الجسماني وقيام الأجسام يوم القيامة، واكتفائهم بالمعاد الروحي.

ومع ذلك، سعى ابن رشد إلى التوفيق، مقراً بأن الأرسطيين واجهوا صعوبة في تفسير المعاد الجسماني ضمن إطارهم الفلسفي.

إلا أنه أكد أن المعاد الجسماني حقيقة دينية يجب الإيمان بها، وقدم تأويلات فلسفية ممكنة لا تتعارض مباشرة مع النصوص الدينية.

كتاب “تهافت” التهافت وعصر النهضة

في الختام، يتجاوز كتاب “تهافت التهافت” مجرد الرد على الغزالي؛ إذ يقدم بياناً دفاعياً شاملاً عن حق ممارسة الفلسفة في الإسلام.

أكد ابن رشد أن الحقيقة واحدة، ويصل إليها الإنسان عبر مسارين: طريق الشرع للعامة، وطريق الحكمة أو الفلسفة للخاصة، دون تعارض بينهما.

رغم ذلك، كان تأثير الكتاب محدوداً نسبياً في العالم الإسلامي لاحقاً، الذي مال أكثر نحو منهج الغزالي.

بالمقابل، حقق تأثيراً هائلاً في أوروبا العصور الوسطى، حيث ترجم إلى اللاتينية والعبرية، وساهم في إحياء الفلسفة الأرسطية،

وأثر بعمق على فلاسفة مسيحيين مثل توما الأكويني، مما جعله حجر زاوية في التطور الفكري الذي أدى إلى عصر النهضة الأوروبية.

باختصار، يقدم “تهافت التهافت” معركة فكرية خالدة حول حدود العقل والدين، ويظل نصاً محورياً في فهم العلاقة بين الفلسفة والشريعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى