مسرح

"هرناني" لفيكتور هوجو: المسرحية التي كسرت قيود الكلاسيكية وأعلنت ثورة الرومانسية

تعد مسرحية “هرناني” (Hernani) علامة فارقة في تاريخ الأدب العالمي، ليس فقط لكونها نصاً درامياً عبقرياً، بل لأن عرضها الأول عام 1830 على مسرح “كوميدي فرانسيز” فجّر ما يعرف بـ “معركة هرناني”، وهي المواجهة الفكرية التي انتصرت فيها المدرسة الرومانسية على القواعد الكلاسيكية الجامدة.

في هذا العمل، ينسج فيكتور هوجو ملحمة من الحب، الشرف، والانتقام، مجسداً روح العصر الذي كان يتوق إلى الحرية والتحلل من القيود القديمة.

شخصيات المسرحية: صراع بين الواجب والعاطفة

تتحرك أحداث المسرحية من خلال أربع شخصيات رئيسية، يمثل كل منها جانباً من جوانب النفس البشرية وصراعاتها:

  1. هرناني: بطل المسرحية، وهو نبيل مخلوع يعيش كخارج عن القانون (لص) سعياً للانتقام لمقتل والده، ويمثل الروح الرومانسية المتمردة.
  2. دونيا سول: المرأة التي تقع في قلب الصراع، يحبها الرجال الثلاثة، وتمثل النقاء والإخلاص المطلق.
  3. دون كارلوس (شارل الخامس) : ملك إسبانيا الذي يطمح لأن يصبح إمبراطوراً، يتطور خلال المسرحية من ملاحق للنساء إلى حاكم حكيم ومسامح.
  4. دون روي جوميز دي سيلفا: دوق عجوز، عم دونيا سول وخطيبها، يتمسك بقوانين الشرف الإسبانية القديمة بشكل صارم وقاتل.
مسرحية هرناني
الكاتب الفرنسي الشهير فيكتور هوجو

ملخص المسرحية: تراجيديا الوفاء بالعهد

تبدأ أحداث مسرحية هرناني بتقديم “دون كارلوس”، ملك إسبانيا، وهو يتسلل إلى غرفة نوم “دونيا سول”، حيث يجبر خادمتها على إخفائه داخل الغرفة.

بعد وقت قصير، تدخل “دونيا سول” لتستقبل حبيبها “هرناني”، الذي يبثها لوعته ويناقش معها وضعهما الصعب؛ فهي على وشك أن تُجبر على الزواج من قريبها العجوز “دون روي جوميز”، بينما “هرناني” هو مطارد نفي والده وأُعدم على يد الملك السابق.

ينكشف أمر الملك “دون كارلوس” ويخرج من مخبئه، مما يثير غضب الحبيبين. يتصادم الرجلان في مبارزة يقطعها دخول “دون روي جوميز”، الذي يطالب بمعرفة سبب وجود رجلين في غرفة خطيبته.

هنا يكشف الملك عن هويته، مدعياً أنه جاء لمناقشة وفاة الإمبراطور “ماكسيميليان”، ويزعم أن “هرناني” من أتباعه، مما يسمح للجميع بالمغادرة بسلام.

محاولة اختطاف

في الفصل الثاني، يحاول “دون كارلوس” اختطاف “دونيا سول” عند نقطة لقائها بـ “هرناني”، لكن الأخير يصل مع رجاله وينقذها.

يرفض الملك مبارزة “هرناني” بحجة أنه “قاطع طريق” وليس نبيلاً، ويتحداه أن يقتله، لكن شرف “هرناني” يمنعه من مهاجمة رجل أعزل.

يهرب الملك ويرسل جيشه لمطاردة عصابة “هرناني”.

في الفصل الثالث، وبينما تستعد “دونيا سول” للزواج من “روي جوميز”، يصل “هرناني” متنكراً في زي راهب هارباً من الموت.

يستقبله الدوق “روي جوميز” كضيف، وعندما يكشف “هرناني” عن هويته الحقيقية محاولاً استفزاز الدوق لتسليمه، يرفض “روي جوميز” بشدة انطلاقاً من قوانين الضيافة المقدسة، حتى أمام تهديدات الملك الذي وصل لاعتقاله.

يقوم الملك باختطاف “دونيا سول” كرهينة، مما يدفع “روي جوميز” و”هرناني” للتحالف ضده.

يقطع “هرناني” على نفسه عهداً للدوق: سيعطيه “بوقاً”، وإذا نفخ فيه الدوق في أي وقت، فسيقوم “هرناني” بإنهاء حياته فوراً وفاءً لدين الضيافة.

دون كارلوس إمبراطوراً لروما

في الفصل الرابع، ينتقل الفعل إلى “آخن”، حيث يُنتخب “دون كارلوس” إمبراطوراً للإمبراطورية الرومانية المقدسة.

يقرر الإمبراطور الجديد التخلي عن نزواته السابقة، فيعفو عن المتآمرين ضده (ومن بينهم هرناني وروي جوميز)، ويعلن زواج “هرناني” من “دونيا سول”.

هنا يكشف “هرناني” عن هويته الحقيقية بصفته “جون الاراغوني”، النبيل الذي استعاد مكانته.

تصل التراجيديا لؤوجها في الفصل الخامس؛ فبينما يحتفل الزوجان بليلة زفافهما، يظهر “روي جوميز” الحاقد وينفخ في البوق. يدرك “هرناني” أن لحظة الوفاء بالوعد قد حانت.

ترفض “دونيا سول” تركه وحده وتتجرع نصف السم، ويشرب “هرناني” النصف الآخر، ليموتا متعانقين، وينتهي المشهد بانتحار “روي جوميز” ندماً وألماً.

تحليلاً نقدياً: صراع الأجيال وسلطة الشرف

مسرحية “هرناني” لفيكتور هوجو ليست مجرد قصة حب مأساوية، بل هي بيان سياسي وأدبي ثوري. يمكن تحليل موضوعاتها عبر النقاط التالية:

1. كسر الوحدات الكلاسيكية:
تحدى هوجو “وحدات الزمان والمكان” التي فرضتها الكلاسيكية الفرنسية لقرون. الأحداث تنتقل بين المدن والشهور،

مما أعطى للنص حيوية وواقعية نفسية كانت مفقودة في المسرح التقليدي.

2. مفهوم “الشرف” القاتل:
الشرف في “هرناني” هو المحرك الأساسي للفعل الدرامي، لكنه شرف “تدميري”. “روي جوميز” يضحي بابنة أخيه ويقتل ضيفه من أجل كبريائه، و”هرناني” يضحي بحياته وحبه من أجل كلمة قطعها على نفسه.

هوجو ينتقد هنا التمسك الأعمى بالتقاليد التي تفني الحياة بدلاً من إثرائها.

3. التحول السياسي (شخصية الملك):
يمثل “دون كارلوس” تحولاً من الملك الشاب العابث إلى الإمبراطور المسؤول. مشهده الشهير عند قبر “شارلمان” يعبر عن رؤية هوجو للسلطة؛ فهي ليست امتيازاً بل مسؤولية تاريخية تتطلب التسامح والترفع عن الصغائر.

4. البطل الروماني(The Byronic Hero):
“هرناني” هو النموذج المثالي للبطل الروماني: غامض، مطارد من قبل القدر، مخلص لمبادئه حتى الموت،

وممزق بين رغبته في السعادة وواجبه تجاه الثأر.


تظل “هرناني” صرخة في وجه القمع بكل أشكاله، سواء كان قمعاً فكرياً (الكلاسيكية) أو قمعاً سياسياً.

لقد استطاع فيكتور هوجو أن يجعل من الموت في نهاية المسرحية انتصاراً للحب والشرف على الدناءة والظلم،

مخلداً اسمه كواحد من أعظم من كتب للمسرح العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى