تقرير

صناعة التعهيد في مصر: فرص ذهبية أم استغلال اقتصادي؟

في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه مصر، تبرز صناعة خدمات التعهيد (Outsourcing) كأحد أبرز القطاعات الناشئة،

حيث حققت إيرادات تصل إلى نحو 5 مليار دولار سنوياً،

مع طموحات للوصول إلى 9 مليار دولار في 2026 و20 مليار دولار بحلول 2030.

هذا القطاع، الذي يُوصف بـ”تعبئة الهواء في قزازات” لعدم حاجته إلى مصانع أو مواد خام سوى أجهزة كمبيوتر وإنترنت،

يوفر فرص عمل لآلاف الشباب، خاصة خريجي كليات التجارة، الحقوق، والآداب.

ومع ذلك، يثير انتقادات حادة حول استغلال رخص العمالة، تأثير العمل من المنزل على الصحة النفسية،

واستئثار الدول المتقدمة بالوظائف المرموقة لصالح دول نامية مثل مصر.

في هذا التقرير، نستعرض نمو القطاع، آليات عمله، والانتقادات الموجهة إليه، استناداً إلى بيانات رسمية واجتماعات رفيعة المستوى.

نمو مذهل وطموحات كبيرة

شهدت صناعة التعهيد في مصر نمواً سريعاً، حيث بلغ الدخل السنوي نحو 5 مليار دولار، مقارباً دخل قناة السويس في بعض السنوات.

وفقاً للخطط الحكومية، من المتوقع أن يصل إلى 9 مليار دولار في 2026، ويضاعف إلى 20 مليار دولار بحلول 2030،

مما يجعله مصدر دخل رئيسي يفوق بعض القطاعات التقليدية.

 يأتي هذا النمو في سياق سوق عالمي للتعهيد يصل إلى تريليون دولار سنوياً، بنمو 10% سنوياً،

حيث يمكن لمصر أن تأخذ حصة تصل إلى 70-80 مليار دولار إذا استثمرت بشكل صحيح.

 في اجتماع أخير عقده الرئيس عبد الفتاح السيسي مع وزير الاتصالات عمرو طلعت ورؤساء 52 شركة عالمية، طالب بزيادة الاستثمارات،

مؤكداً على مكانة مصر كثالث دولة عالمياً في مؤشر الثقة لتقديم هذه الخدمات، بفضل الاستقرار السياسي والعمالة الماهرة.

كيف يعمل التعهيد في مصر؟

يعتمد التعهيد على تقديم خدمات عن بعد لشركات عالمية في أوروبا، أمريكا، والخليج، مثل خدمات تقنية المعلومات (IT)،

مراكز الاتصال (Call Centers)، إدارة الموارد البشرية (HR)، البرمجيات، والدعم الفني.

على سبيل المثال، شركات عملاقة مثل IBM، Oracle، وVodafone تتعاقد مع شركات مصرية لتوظيف موظفين محليين

بدلاً من توظيفهم في بلدانهم الأصلية، مستفيدة من فرق العملة الذي يجعل التكلفة أقل.

المتطلبات بسيطة: جهاز كمبيوتر وإنترنت، مما يجعلها “تعبئة هواء في قزازات”.

الرواتب جذابة نسبياً؛ يبدأ الموظف في مركز اتصال بلغة إنجليزية من 18 ألف جنيه شهرياً، ويصل إلى 40 ألف للألمانية،

و70 ألف لتحليل البيانات. الشركات الرئيسية تشمل Concentric، Teleperformance، Raya، وMajid Al Futtaim.

فرص التدريب والتوظيف

يوفر القطاع فرصاً للشباب غير الموظفين، خاصة خريجي الكليات غير التقنية.

يمكن الحصول على تدريب تحويلي لمدة 9 أشهر في المعهد القومي للاتصالات أو مراكز إبداع مصر الرقمية (24 مركزاً منتشرة في المحافظات)، ينتهي بشهادة معتمدة تؤهل للعمل داخل أو خارج مصر.

والمُفضل فيه مستوى إنجليزي B2، مع أولوية للغات أخرى مثل الألمانية أو الفرنسية.

مع انتشار العمل من المنزل، يصبح القطاع متاحاً لسكان الريف والصعيد، مما يقلل من البطالة ويرفع الدخل.

الانتقادات: استغلال رخص العمالة

تواجه صناعة التعهيد انتقادات حادة تتمحور حول استغلال رخص العمالة في دول نامية مثل مصر.

الرواتب، رغم جاذبيتها محلياً، تعتبر منخفضة مقارنة بمعايير الدول المتقدمة، حيث يُدفع للموظف المصري جزء يسير

مما يدفع لنظيره الأمريكي أو الأوروبي، مما يعزز عدم المساواة العالمية.

كما يُتهم القطاع بظروف عمل قاسية، مثل ساعات طويلة في مراكز الاتصال دون فواصل كافية،

مما يؤدي إلى إرهاق نفسي وجسدي.

بجانب أن معظم الشركات لا تلتزم بأية حقوق مهنية تجاه العاملين في هذه الصناعة كالتأمين الاجتماعي

والحوافز والتأمين الطبي وكافة الحقوق التي يتنص عليها قوانين العمل .

تأثير العمل من المنزل

مع انتشار العمل عن بعد، يبرز انتقاد آخر يتعلق بتأثيره السلبي على الحياة الشخصية.

في مصر، حيث يعاني الكثيرون من ضعف الإنترنت أو مشاكل في الباقات، يصبح العمل من المنزل مصدر إرهاق إضافي،

مع عدم فصل بين العمل والحياة الأسرية.

هذا النموذج يُتهم بتقليل التواصل الاجتماعي وزيادة الضغط النفسي، خاصة في ظل رواتب لا تعكس الجهد الإضافي.

استئثار الدول المتقدمة بالوظائف

من الجانب الدولي، يثير التعهيد انتقادات للدول المتقدمة، حيث تستأثر بالوظائف العليا لمواطنيها،

بينما تترك الوظائف المتدنية  في IT والدعم الفني لصالح دول مثل مصر.

وفي مصر، يُرى القطاع كفرصة للتنمية، لكنه يُتهم بتعزيز الاعتماد على الخارج دون بناء صناعات محلية مستدامة.

مستقبل القطاع في مصر

مع استمرار الاستثمارات، يُتوقع أن يصبح التعهيد مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية، لكنه يحتاج إلى إصلاحات لمواجهة الانتقادات،

مثل تحسين الرواتب وظروف العمل.

في النهاية، يمثل هذا القطاع توازناً دقيقاً بين الفرص الاقتصادية والمخاطر الاجتماعية،

مما يجعله محور نقاشات مستقبلية في السياسات المصرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى