سينما

“درويش”: هل تعمد صناع الفيلم تشويه المقاومة المصرية للإنجليز؟ (مراجعة وتحليل)

يواصل فيلم درويش تحقيق نجاح لافت في دور العرض السينمائي المصرية والعربية، قبل أن يبدأ عرضه مؤخرًا على منصة «شاهد» الإلكترونية.

أثار الفيلم تفاعلاً واسعًا بين النقاد والجمهور بسبب معالجته المختلفة لفترة الاحتلال البريطاني لمصر، و

طرحه المثير لشخصية «بطلٍ بالصدفة» يتحول من محتال صغير إلى رمز للمقاومة.

ورغم النجاح الجماهيري، إلا أن العمل أثار موجة من الجدل والانتقادات، وصلت إلى اتهامه بتشويه صورة المقاومة المصرية ضد الإنجليز.

إنتاج طموح برؤية جديدة

لفيلم من إخراج خالد مرعي، وتأليف أحمد عبدالوهاب ومحمد محرز، وبطولة عمرو يوسف في دور البطل الرئيسي،

بجانب دينا الشربيني ومحمد شاهين وخالد كمال ومصطفى غريب وأحمد عبدالوهاب.

أنتجت الفيلم شركة “سينرجي فيلمز” بالتعاون مع “إيجي فيلم”، وقد تم تصوير أغلب مشاهده بين القاهرة والإسكندرية

وبعض المواقع التاريخية التي أُعيد تجسيدها ديكورياً لتناسب حقبة الأربعينيات.

يأتي «درويش» استكمالاً لسلسلة من الأعمال السينمائية التي تناولت فترة الاحتلال البريطاني لمصر، مثل «كيرا والجن» (2022) و«حرب كرموز» (2018)، لكنه يختلف عنها في زاوية التناول.

فبدلاً من تقديم البطل الوطني النمطي، يقدّم الفيلم شخصية نصاب ومخادع يجد نفسه وسط معركة لا علاقة له بها.

قصة الفيلم: من نصاب إلى بطل قومي بالصدفة

تدور أحداث «درويش» في عام1943، أثناء ذروة التوتر بين المصريين والإنجليز في القاهرة.

يقدّم عمرو يوسف شخصية «درويش المصري»، رجل محتال يعيش على الخداع والسرقة

برفقة فرقته الصغيرة التي تضم زبيدة الراقصة (دينا الشربيني)، ورفيقيه عدلي ورشدي.

خلال إحدى عمليات النصب، يهرب درويش وسط مظاهرة ضد الاحتلال ويتورط صدفة في قتل ضابط بريطاني كبير.

تتحول الحادثة إلى شرارةٍ دعائية ضخمة للمقاومة المصرية التي تعتبره بطلاً قومياً،

بينما يجد هو نفسه مطاردًا من الإنجليز والمصريين في آنٍ واحد.

تبدأ رحلة «درويش» بين الخداع والبطولة الزائفة، ويتطور مسار الأحداث ليقع في حب زبيدة،

ويجد نفسه وسط شبكة من المكائد والمصالح بين الوطنيين والإنجليز والنبلاء الخونة،

وعلى رأسهم شخصية «النبيل عماد» (محمد شاهين) الذي يتعاون سراً مع الاحتلال.

معالجة درامية مختلفة: البطل رغم أنفه

يتميّز «درويش» بمعالجة مغايرة لصورة البطل الوطني في السينما المصرية.

فالشخصية الرئيسية ليست مناضلاً أو ثائرًا واعيًا، بل مجرمٌ عادي يجد نفسه مضطرًا إلى لعب دور البطل لإنقاذ نفسه.

يراه النقاد نموذجًا للبطل «الرغماً عن أنفه»، وهي صيغة درامية قلما جرى توظيفها في السينما التاريخية المصرية.

تُبرز المعالجة أزمة الهوية لدى الشخصية، وصراعه الداخلي بين المصلحة والخلاص، وبين الخوف من الموت والرغبة في النجاة.

والفيلم قدّم شخصية إنسانية ضعيفة ومعقدة، بدلاً من الصورة المثالية المعتادة لأبطال المقاومة.

أداء تمثيلي متوازن وصورة بصرية لافتة

قدّم عمرو يوسف واحدًا من أفضل أدواره، وفق عدد من النقاد، إذ استطاع أن يوازن بين الهزل والجد،

وبين الضعف الإنساني والمكر، دون مبالغة أو استعراض.

كما قدّمت دينا الشربيني أداءً ناضجًا في دور زبيدة، الرقاصة التي تبحث عن الخلاص،

بينما برز مصطفى غريب وأحمد عبدالوهاب كعنصري كوميديا داعمين أضفيا خفة ظل على الأجواء الثقيلة للفيلم.

أما محمد شاهين فنجح في تقديم شخصية «النبيل عماد» الشرير المخادع،

وإن وُجّهت بعض الانتقادات لسطحية بناء الشخصية في النصف الثاني من الفيلم.

من الناحية البصرية، ظهر الفيلم بمستوى تقني مبهر مقارنة بالإنتاجات المصرية الأخيرة،

سواء في الديكورات والملابس التي نقلت روح الأربعينيات بدقة،

أو في المؤثرات البصرية التي أضافت واقعية لمشاهد المظاهرات والانفجارات.

ويُحسب لصناع الفيلم الجرأة في المزج بين الكوميديا والأكشن التاريخي دون أن يفقد العمل جديته بالكامل.

إيقاع متذبذب ونهاية مربكة

رغم البداية القوية والإيقاع السريع للأحداث، يشير العديد من النقاد إلى أن الفيلم فقد بعض زخمه في النصف الثاني،

حين تحولت الدراما إلى صراع عاطفي ومكائد داخلية بدلاً من التركيز على الخط الوطني الرئيسي.

كما وُصفت النهاية بأنها مطوّلة وغير ضرورية، إذ تمت إضافة مواجهة أخيرة لم تكن مؤثرة دراميًا، ما جعل الإيقاع يتراجع.

لكن الفيلم استعاد توازنه بفضل خاتمة واضحة أنهت كل الخطوط الدرامية،

بما فيها المثلث الغرامي بين درويش وزبيدة وعدوه النبيل عماد.

جدل واتهامات بتشويه المقاومة

رغم النجاح الجماهيري وإشادة كثيرين بجودة التصوير والإنتاج، واجه «درويش» انتقادات حادة على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المقالات الصحفية،

إذ رأى البعض أنه يقدم صورة مسيئة للمقاومة المصرية ضد الاحتلال البريطاني.

إذ اعتبر المنتقدون أن تصوير شخصية «درويش» – النصّاب والمحتال – كبطل وطني بالصدفة،

يختزل نضال المصريين في المصادفات والتهريج، ويقلّل من قيمة الشهداء الحقيقيين الذين قدّموا أرواحهم فداءً للوطن.

كما أثارت شخصية «النبيل عماد»– الذي يُقدَّم كخائن متعاون مع الاحتلال – جدلاً

بدعوى أن الفيلم يوحي بأن بعض رموز المجتمع المصري الأرستقراطي كانوا خونةً بلا دافع وطني،

وهو ما وصفه بعض النقاد بأنه «تبسيط تاريخي مخلّ».

في المقابل، دافع آخرون عن العمل مؤكدين أن الفيلم لا يهاجم المقاومة، بل ينقد صناعة الأبطال الزائفة،

ويسائل فكرة البطولة في حد ذاتها، متسائلًا: هل البطولة خيارٌ أم صدفة؟ وهل التاريخ نفسه منصف في اختياره لأبطاله؟

تحليل فيلم “درويش” : ما بين الواقعية والرمزية

من الناحية التحليلية، يعكس «درويش» محاولة للانتقال من الدراما البطولية إلى الدراما الرمزية،

حيث يتحول البطل إلى مرآة للمجتمع بكل تناقضاته.

فـ«درويش» ليس سوى نموذج للإنسان المصري العادي الذي ينجو بالمكر والحيلة أكثر مما ينتصر بالسلاح.

وربما هنا تكمن قوة الفيلم وضعفه في الوقت ذاته: قوة في جرأته على كسر النموذج التقليدي،

 وضعف في التوازن بين السخرية والجدية، بين التاريخ والخيال.

في النهاية، يمكن القول إن فيلم «درويش» تجربة مصرية مختلفة ومغامِرة، تمتاز بإخراج أنيق، وتمثيل متقن،

وجرأة فكرية في طرح سؤال الهوية الوطنية من زاوية جديدة.

قد لا يكون فيلمًا مثاليًا من حيث الإيقاع أو الحبكة، لكنه خطوة في طريق تجديد السينما التاريخية المصرية،

بشرط أن يمتلك القائمين عليها الثقافة والوعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى