تقرير

لغز الستة قرون يتهاوى في القاهرة: الباحث اللغوي سيد يوسف يعلن فك شفرة "مخطوطة فوينيتش"

على مر مئات السنين، وقفت “مخطوطة فوينيتش” (Voynich Manuscript) كحائط صد منيع أمام أعظم العقول في العالم.

من كبار المشفرين في المخابرات المركزية الأمريكية، إلى خبراء الذكاء الاصطناعي في “جوجل”، وصولاً إلى أساتذة اللسانيات في كبريات الجامعات الأوروبية؛ الجميع حاول قراءة “الكتاب الأكثر غموضاً في التاريخ”، والجميع خرج بخفي حنين.

لكن، ومن قلب القاهرة، خرج الباحث اللغوي الدكتور سيد يوسف ليعلن خبراً قد يغير وجه الدراسات اللغوية التاريخية:

“لقد فككت الشفرة، والمخطوطة تتحدث لغة قريبة منا جداً”.

غزو العزلة: كيف ولدت الرحلة؟

لم تبدأ قصة الدكتور سيد يوسف مع المخطوطة في معمل متطور، بل بدأت بين جدران “العزلة الإجبارية” إبان جائحة كورونا عام 2020.

في وقت كان العالم فيه متوقفاً عن الحركة، كان عقل يوسف يبحر في فضاءات المخطوطات القديمة عبر الإنترنت.

وقعت “فوينيتش” في يده كـ “تحدٍ شخصي”، مستنداً إلى تخصص لغوي دقيق وشغف بفك الرموز المعقدة.

يقول الدكتور يوسف: “بدأت الرحلة بإحباطات كبيرة، لم أستطع قراءة سوى حرف واحد في البداية.

لكنني قررت قبول التحدي اللغوي، معتمداً على أدوات علمية حديثة وتجريد النص من كل الأساطير التي أحاطت به”.

ما هي مخطوطة فوينيتش؟

لمن لا يعرف، المخطوطة هي كتاب غامض يعود تاريخه (حسب فحص الكربون المشع) إلى الفترة بين عامي 1404 و1438 ميلادية.

سميت بهذا الاسم نسبة إلى “ويلفريد فوينيتش”، تاجر الكتب البولندي الذي اشتراها في عام 1912.

تحتوي المخطوطة على رسوم لنباتات لا وجود لها في الواقع، وخرائط فلكية غريبة، وصور لنساء في أحواض مائية، مما جعل العلماء يصنفونها إلى أقسام: (الأعشاب، الفلك، التنجيم، الطب، والصيدلة).

إلا أن الدكتور سيد يوسف وصل إلى نتيجة مغايرة تماماً: “المخطوطة لها موضوع واحد موحد من الغلاف إلى الغلاف”.

المنهج العلمي: شومسكي في مواجهة “فوينيتش

يكمن السر في النجاح الذي يدعيه الدكتور يوسف في استخدامه لـ برنامج الحد الأدنى” (Minimalist Program)،

وهو أحدث تطور في اللسانيات التوليدية التحويلية التي وضع أسسها العالم الشهير “نعوم شومسكي”.

هذا البرنامج اللغوي يعمل على المنطقة الفاصلة بين “التفكير في الكلام” و”نطق الكلام”، أي بين “الصورة المنطقية” (الدلالة والمعاني)

و”الصيغة الصوتية” (ما ينطق فعلياً).

 الدكتور يوسف، الذي سبق له استخدام هذا المنهج في أطروحة الدكتوراه لتحليل النصوص الشعرية المعقدة للشاعر محمد عفيف مطر،

وجد في هذا المنهج المفتاح السحري للغز فوينيتش.

المفاجأة الكبرى: “الواو” العربية هي المفتاح

في تحليل لغوي يقلب الطاولات، أعلن الدكتور يوسف أن الحرف الأول الذي تعرف عليه هو الواو العربية.

ويشرح ذلك قائلاً: “حرف الواو موجود في كل سطر تقريباً في المخطوطة، واستخدامها محوري في باب النبر الصوتي، فهي تأتي سابقة ولاحقة”.

وحسب بحثه، فإن المخطوطة تحتوي على كافة أصوات اللغة العربية (28 صوتاً)، لكنها تزيد لتصل إلى 43 رمزاً لغوياً.

هذه الرموز الإضافية تمثل سوابق ولواحق وأدوات نبر لغوي، وبعض الأصوات التي تشبه في استخدامها اللغات الروسية والتركية،

لكن بجذر صوتي عربي واضح.

تصحيح المسار: المخطوطة ليست “هذيان جن

من أهم النقاط التي ارتكز عليها يوسف في بحثه هي “تنزيه النص”.

فقد نحى جانباً كل المزاعم التي تقول إنها “لغة الجن” أو “لغة الملائكة” أو “لغة كائنات فضائية”.

كما اتخذ خطوة جريئة بفصل النص عن الصور المصاحبة له، معتبراً أن الرسوم قد تكون تضليلية أو ذات دلالات رمزية

لا تعبر بالضرورة عن المعنى الحرفي للنص اللغوي، وهو ما مكنه من التركيز على البنية السيميائية للرموز.

اكتشافات مذهلة: علم الفلك في العصور الوسطى

إحدى أقوى الحجج التي يقدمها الدكتور يوسف لإثبات صحة فك التشفير هي وجود معلومات علمية دقيقة سبقت زمانها أو اختفت لاحقاً.

يضرب مثالاً بـ نجم الوشق؛ وهو نجم يُقال إن عالماً هولندياً اكتشفه في القرن الثامن عشر، إلا أن الدكتور يوسف يؤكد وجود ذكر متكرر لهذا النجم في المخطوطة التي كتبت في القرن الخامس عشر، مما يعني أن كاتب المخطوطة كان يمتلك بصيرة علمية أو وصولاً لمصادر مفقودة.

صراع الاعتراف: بين جامعة ييل والملكية الفكرية

رغم أن المخطوطة مستقرة الآن في مكتبة “بينيكي” بجامعة ييل الأمريكية، إلا أن الدكتور يوسف فضل تأمين حقوقه العلمية قبل النشر الكامل.

قام برفع بحثه على موقع “زينودو” (Zenodo) للحصول على بصمة رقمية تحفظ تاريخ الاكتشاف، وهو حالياً بصدد توثيق الحقوق مع جهاز الملكية الفكرية المصري.

وعن تفاعل الجهات الدولية، كشف الدكتور يوسف عن مراسلات مع جامعة ييل، حيث جاء ردهم بضرورة إرسال البحث بعد نشره في “مجلة علمية محكمة”،

وهو المسار الذي يتحرك فيه الباحث حالياً، بالإضافة إلى تجهيز كتاب شامل سيصدر قريباً ليكون متاحاً للجمهور في معرض الكتاب الدولي.

الرد على المشككين

عند سؤاله عن فشل العشرات قبله، وهل بدأ من حيث انتهوا؟ أجاب: “استفدت من كل المحاولات السابقة،

 لكني اكتشفت أن باحثين كباراً مثل الدكتور (كرو) ساروا في طريق صحيح لغوياً بأنها لغة عربية، لكنهم وقعوا في فخ (المنطقة الخاطئة) في التطبيق اللساني.

 أنا واثق من نتائجي، لأن الحقيقة دائماً ما تكون بسيطة بمجرد العثور على المفتاح الصحيح”.

أهم النقاط في كشف الدكتور سيد يوسف:

  • اللغة الأصلية: لغة طبيعية تعتمد الأصوات العربية كأساس (28 صوتاً) مع إضافات لتصل لـ 43 حرفاً.
  • الأداة: منهج “برنامج الحد الأدنى” لنعوم شومسكي.
  • الموضوع: موضوع واحد موحد وليس أقساماً منفصلة كما كان يُعتقد.
  • المفتاح اللغوي: حرف الواو واستخداماته في النبر والسياق.
  • الحالة الراهنة: قيد التوثيق في الملكية الفكرية والنشر في مجلات محكمة.

هل انتهى الغموض؟

إذا ثبتت صحة أبحاث الدكتور سيد يوسف، فإننا لسنا فقط أمام حل للغز “مخطوطة فوينيتش”، بل نحن أمام إعادة قراءة للتاريخ العلمي واللغوي في العصور الوسطى، واعتراف جديد بقوة المناهج اللغوية الحديثة في نبش قبور الأسرار التاريخية.

تبقى مخطوطة فوينيتش، حتى لحظة صدور البحث المحكم، معلقة بين ستة قرون من الصمت وصرخة “وجدتها” التي أطلقها باحث مصري من قلب القاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى