سينما

الشياطين(The Devils1971): تشريح للفساد المؤسسي والهستيريا الجماعية في تحفة كين راسل

هناك أعمال سينمائية تصدم الجمهور في وقتها ثم تصبح مع مرور العقود مجرد مادة للأرشفة التاريخية،

حيث يتم امتصاص تجاوزاتها في الذاكرة الثقافية وتحييد شحنتها الأصلية بوصفها “منتجات عصرها”.

لكن فيلم الشياطين(The Devils)، الذي أخرجه العبقري البريطاني كين راسل عام 1971، ليس من هذه الأفلام.

فبعد مرور أكثر من خمسين عاماً على عرضه الأول، لا يزال هذا العمل يحتفظ بجودة من الخطر الحقيقي الذي لا تستطيع إلا قلة من الأفلام في تاريخ السينما مضاهاته.

إن خطر فيلم (The Devils 1971) لا يكمن في مجرد استغلال العنف أو العري أو المشاهد الصادمة لأجل الإثارة،

بل في إصراره الفني على قول شيء حقيقي وجوهري عن العلاقة المسمومة بين السلطة المؤسسية، الكبت الجنسي، والعنف السياسي.

إنه يرفض أن يقال بأي لغة قد تجدها المؤسسات التي يهاجمها مريحة أو قابلة للتجاهل.

كين راسل: المخرج “الأخطر” في تاريخ بريطانيا

لفهم فيلم الشياطين (The Devils)، يجب أولاً فهم المبدع الذي يقف خلفه.

كين راسل كان الفنان الأكثر بذخاً وخطورة في السينما البريطانية لما بعد الحرب.

كان صانع أفلام يجمع بين الإفراط البصري الباروكي والجدية الفكرية، مع عدم اكتراث كامل بذائقة وتوقعات الجمهور السائد أو المؤسسات النقدية.

لقد بنى راسل سمعته من خلال أفلامه الوثائقية في بي بي سي عن المؤلفين الموسيقيين، وبحلول عام 1971، كان قد طور الموارد التقنية والرؤية الجمالية اللازمة لإنتاج فيلم الشياطين (The Devils).

لم يكن مجرد مخرج، بل كان منظراً بصرياً يرى في السينما وسيلة لتعرية زيف التاريخ، وهو ما جعل فيلم كين راسل المثير للجدل هدفاً دائماً للرقابة.

فيلم الشياطين(The Devils)
المخرج البريطاني الشهير كين راسل

قصة فيلم الشياطين (The Devils): خلفية تاريخية مرعبة

تستند قصة فيلم الشياطين (The Devils) إلى واحدة من أكثر الحوادث غرابة في تاريخ الاضطهاد الديني الأوروبي: قضية “أوربان غراندييه”، كاهن رعية لودون في فرنسا في القرن السابع عشر.

كان غراندييه رجلاً يتمتع باستقلالية سياسية وحياة جنسية متحررة، مما جعله موضع إعجاب وحسد في آن واحد داخل مجتمعه.

في ملخص أحداث فيلم الشياطين (The Devils)، نجد أنفسنا أمام مؤامرة محاكة بدقة؛ حيث تتحالف الكنيسة الكاثوليكية المؤسسية مع الطموح السياسي للكاردينال ريشيليو،

ومع الهستيريا الجنسية لراهبات دير الأورسولين، لتحويل غراندييه إلى كبش فداء بتهمة السحر والمس الشيطاني.

استلهم راسل فيلمه من كتاب ألدوس هكسلي “شياطين لودون” ومن مسرحية جون وايتنج، ليرسم صورة مرعبة لكيفية تدمير الأبرياء عبر تقاطع الأحقاد الشخصية والحسابات السياسية والتعصب الديني.

تحليل شخصية أوربان غراندييه: الكاهن الإنسان

يمثل أداء أوليفر ريد لشخصية أوربان غراندييه أحد أقوى وأكثر العروض تعقيداً في السينما البريطانية.

في تحليل فيلم الشياطين (The Devils)، يظهر غراندييه ككتلة من التناقضات؛ فهو يمتلك ذكاءً أخلاقياً وجدية روحية، لكنه في الوقت نفسه ينغمس في ملذاته الجسدية دون إنكار.

يصور فيلم الشياطين (The Devils) هذه الازدواجية ليس كنفاق، بل كشهادة على إنسان يرى أن المقدسات والغرائز ليستا منفصلتين تماماً كما تدعي اللاهوتيات المؤسسية.

غراندييه في الفيلم هو الكاهن الذي يواجه الطاعون بشجاعة، وهو السياسي الذي يرفض هدم أسوار مدينته حمايةً لاستقلالها، وهو العاشق الذي يرى في حبه لمادلين نوعاً من القداسة.

هذا المزيج من “النزاهة الشخصية” هو ما يجعله هدفاً للسلطة التي لا تقبل إلا بالخضوع المطلق.

فيلم “120 يوم في سدوم”: لماذا هو الأكثر رعباً في التاريخ؟

فانيسا ريدجريف وهستيريا الأخت جين

في الجانب المقابل، نجد الأخت جين (فانيسا ريدجريف)، الراهبة الأحدب المهووسة بغراندييه.

أداء ريدجريف في فيلم الشياطين (The Devils) هو دراسة حالة في علم النفس المرضي الناتج عن الكبت.

إنها لا تلعب دور “الراهبة الشريرة” بأسلوب مسرحي بسيط، بل تجسد الرعب الحقيقي الذي ينتج عن دمج الكبت الجنسي مع السلطة المؤسسية.

تعتبر سلسلة الخيالات التي تراود الأخت جين، حيث تتخيل غراندييه في وضعيات مقدسة ومنحرفة في آن واحد، جوهر حجة الفيلم.

إنها مساحة يتداخل فيها الوجد الصوفي بالرغبة المكبوتة.

وعندما يتم رفض هذه الرغبة، يتحول الحب إلى حقد مقدس يؤدي في النهاية إلى “الهستيريا الجماعية” التي يصورها فيلم الشياطين (The Devils) ببراعة بصرية فائقة.

ديريك جرمان وتصميم “المدينة البيضاء

أحد أهم أركان فيلم الشياطين (The Devils) هو التصميم البصري الذي ابتكره ديريك جرمان في أول ظهور له.

رفض كين راسل بناء ديكور تاريخي تقليدي (حجارة قديمة، طحالب، عتمة)، وبدلاً من ذلك، أمر ببناء مدينة لودون من البلاط الأبيض الناصع.

هذه “المدينة البيضاء” في فيلم الشياطين (The Devils) ترمز إلى العقم السريري والنظافة المؤسسية الزائفة.

إنها بيئة تجعل الدماء والأوساخ والسوائل البشرية تبدو أكثر قذارة ووضوحاً.

التأثير البصري هنا يعزز فكرة أن القمع المؤسسي هو فعل “جراحي” بارد.

وقد استلهم جرمان هذا التصميم من فن العمارة اليوتوبي ومن السينما التعبيرية الألمانية مثل فيلم “متروبوليس” لفرتز لانغ.

تفاصيل الرقابة: الفيلم المبتور

لا يمكن مناقشة فيلم الشياطين (The Devils) دون الحديث عن تاريخ الرقابة الطويل والمؤلم الذي تعرض له.

منذ اللحظة التي شاهد فيها المسؤولون في “وارنر براذرز” النسخة الأولية، بدأ مسلسل الحذف.

تم انتزاع مشهد “اغتصاب المسيح” الشهير (The Rape of Christ) الذي تبلغ مدته 4 دقائق، وهو المشهد الذي تصل فيه هستيريا الراهبات إلى ذروتها الكفرية.

في تحليل فيلم الشياطين (The Devils) الرقابي، نجد أن حذف هذه المشاهد لم يكن لحماية “الذوق العام” فحسب، بل لإضعاف الحجة السياسية واللاهوتية للفيلم.

فيلم الشياطين (The Devils 1971)
(The Devils 1971)

بدون هذه المشاهد، تبدو الهستيريا مجرد استعراض، بينما في النسخة الكاملة، يتضح أنها النتيجة المنطقية لسياسة الكنيسة تجاه الجسد.

ورغم اكتشاف الناقد مارك كيرمود للقطات المفقودة في مستودع عام 2002، إلا أن شركة وارنر لا تزال ترفض إصدار النسخة الكاملة لفيلم الشياطين تجارياً، مما يجعله واحداً من أكثر الأفلام المقموعة في التاريخ.

الهستيريا الجماعية كأداة سياسية

يعرض فيلم الشياطين (The Devils) كيف يتم تصنيع “المس الشيطاني” لأغراض سياسية.

شخصية الأب بار (الذي يؤدي دوره مايكل غوتهارد) هو طارد الأرواح الجوال الذي يحول الدير إلى مسرح للجنون.

إن مشاهد الطقوس العلنية في الفيلم هي استعارات للبروباغندا السياسية والتلاعب بالجماهير.

في هذه المشاهد، الراهبات لسن مجرد ضحايا، بل هن “مؤديات” في دراما دينية تخدم مصلحة البارون لوبرديمونت (دبليو ساتون)، ممثل الكاردينال ريشيليو.

يوضح فيلم الشياطين (The Devils) أن الدولة تستخدم الجنون الديني كغطاء شرعي لتدمير المعارضين السياسيين وهدم أسوار المدن المستقلة.

الموسيقى والتصوير: جماليات القبح

ساهمت موسيقى بيتر ماكسويل ديفيز في خلق بيئة صوتية كابوسية لـ فيلم الشياطين (The Devils).

الموسيقى ليست خلفية درامية، بل هي كيان حي يعكس التنافر الذهني للشخصيات.

ومع تصوير ديفيد واتكينز الذي استلهم إضاءته من لوحات الفنان الهولندي فيرمير، نجد أنفسنا أمام مفارقة بصرية: صور غاية في الجمال والصفاء البصري، تصور أحداثاً غاية في البشاعة والظلم.

هذا التباين هو سر قوة العمل؛ فهو يجبر المشاهد على النظر إلى الفظائع من خلال عدسة فنية راقية، مما يجعل الهروب من التأثير العاطفي للمشاهد مستحيلاً.

التعذيب والنهاية المأساوية

تعتبر مشاهد تعذيب غراندييه في نهاية فيلم الشياطين (The Devils) من أكثر اللحظات السينمائية قسوة وتأثيراً.

يرفض راسل استخدام “القطع السينمائي” لتجاوز تفاصيل التعذيب، بل يصر على إظهار تحطم عظام ساقي الكاهن.

لكن الغرض هنا ليس “بورنوغرافياً” عنيفاً، بل هو إظهار الثمن الحقيقي للنزاهة.

إن صمود غراندييه ورفضه التوقيع على اعتراف كاذب هو الفعل البطولي الوحيد في عالم مليء بالجبن والزيف.

في تحليل فيلم الشياطين(The Devils)، نجد أن النار التي تحرق غراندييه هي التي تطهره في النهاية،

بينما يظل القائمون على إحراقه غارقين في وحل خطاياهم المؤسسية.

مادلين: شعاع النور الوحيد

شخصية مادلين دي برو (جيما جونز) هي المركز العاطفي لـلفيلم

. إنها تمثل الحب الهادئ والشجاع الذي يمثل نقيضاً لهستيريا الراهبات وعنف السياسيين.

علاقتها بغراندييه هي “الزواج الحقيقي” في نظر الفيلم، حتى لو رفضته الكنيسة.

نهاية الفيلم، حيث تمشي مادلين وسط أنقاض أسوار لودون المهدمة، هي لحظة يأس مطلقة ولكنها تحمل بصيصاً من الأمل.

إنها الشاهدة التي نجت لتروي القصة، وهي تذكرنا بأن العنف المؤسسي قد يدمر الأجساد ويهدم الجدران،

لكنه لا يستطيع القضاء على الحقيقة تماماً.

الاستقبال النقدي والميراث الثقافي لفيلم الشياطين(The Devils)

عند صدوره، تعرض الفيلملهجوم ضاري. وصفه الناقد روجر إيبرت بأنه “مهرجان من الفجور والفساد”،

وطالب الفاتيكان بطرد مدير مهرجان البندقية السينمائي الذي سمح بعرضه.

كان هذا الهجوم متوقعاً، لأن الفيلم لم يهاجم الدين كإيمان، بل هاجم المؤسسة التي تستخدم الإيمان كأداة للسيطرة.

اليوم، تغيرت الرؤية النقدية لـلعمل  .

أصبح يُنظر إليه كواحد من أعظم الإنجازات السينمائية في القرن العشرين.

يظهر الفيلم بانتظام في قوائم مجلة “سايت آند ساوند” لأهم الأفلام، ويعتبره مخرجون مثل غييرمو ديل تورو ومارك كيرمود عملاً أساسياً في تاريخ السينما السياسية.

عودة الشيطان بأناقة لا تُضاهى: كل ما تريد معرفته عن “The Devil Wears Prada 2”

لماذا نحتاج لمشاهدة “الشياطين” الآن؟

إن أهمية مشاهدة فيلم الشياطين (The Devils) اليوم تكمن في كونه تحذيراً أبدياً.

في عالم لا يزال يعاني من استغلال الأيديولوجيات والمشاعر الدينية لتحقيق أهداف سياسية، تظل صرخة كين راسل مدوية.

The Devils (1971) | Modern Trailer

الفيلم يعلمنا أن “الشيطان” ليس كائناً يخرج من الجحيم بقرون، بل هو البدلة الرسمية للمسؤول، والرداء الديني للمتطرف، والبيروقراطية الباردة التي تنفذ قرارات القتل دون أن يرمش لها جفن.

إن الحجة المركزية في فيلم الشياطين (The Devils) هي أن “أعظم تجديف هو استغلال الإيمان من أجل السلطة”.

وهذه الحجة تظل صالحة في كل زمان ومكان.

خاتمة: تحفة فنية لا تموت

يظل فيلم الشياطين (The Devils) العمل الأكثر طموحاً وخطورة في مسيرة كين راسل.

إنه مزيج فريد من الأداء التمثيلي المذهل (أوليفر ريد وفانيسا ريدجريف)، والتصميم البصري الثوري (ديريك جرمان)،

والجرأة الموضوعية التي تتحدى التابوهات.

رغم كل محاولات المنع والحذف والتشويه، لا يزال العمل يتحدث إلينا بقوة ووضوح.

إنه يذكرنا بأن السينما يمكن أن تكون أكثر من مجرد ترفيه؛ يمكن أن تكون فعلاً للمقاومة، ومرآة تعكس أبشع صورنا لكي نتمكن من تغييرها.

إن بقاء الفيلم ممنوعاً في نسخته الكاملة حتى اليوم هو أكبر دليل على أن رسالته لا تزال مرعبة لأصحاب السلطة، وأن “شياطين لودون” لم يغادروا عالمنا بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى