ثلاثية غرناطة: ملحمة رضوى عاشور عن سقوط الأندلس وصمود أهلها " ملخص وتحليل"
في روايتها الشهيرة ثلاثية غرناطة (غرناطة، مريمة، الرحيل)، الصادرة عام 1994، رسمت الكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور لوحة مؤثرة لمصير المسلمين في الأندلس بعد سقوط آخر معاقلهم عام 1492.
من خلال قصة عائلة بسيطة عبر ثلاثة أجيال، تروي عاشور كفاحهم للحفاظ على هويتهم الدينية والثقافية أمام الاضطهاد القشتالي المتزايد.
الرواية ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي شهادة أدبية على فقدان الوطن، معتمدة على أحداث حقيقية مثل اتفاقية التسليم بين أبي عبد الله الصغير والملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا، التي فرضت شروطاً تعجيزية على المسلمين، بما في ذلك منع ممارسة الدين بحرية.
عاشور، التي استلهمت الرواية من دراستها للتاريخ الأندلسي، تجمع بين الواقعية والخيال لتصور كيف تحولت غرناطة من مركز حضاري إلى مدينة تحت الاحتلال، حيث يصبح الحفاظ على اللغة والكتب رمزاً للمقاومة.
الشخصيات الرئيسية في ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور
ثلاثية غرناطة (غرناطة – مريمة – الرحيل) هي رواية تاريخية تروي قصة عائلة مسلمة في الأندلس بعد سقوط غرناطة عام 1491،
وتركز على صمود الهوية والثقافة أمام القمع القشتالي. الشخصيات الرئيسية تدور حول عائلة أبو جعفر، وتتطور عبر الأجيال:
– أبو جعفر: الجد والوراق (خطاط وتاجر كتب)، رب الأسرة، يمثل الحكمة والصمود.
ينقل مكتبته سراً لحمايتها من الحرق، وهو شخصية محورية في الجزء الأول.
– سليمة (ساليما): حفيدة أبو جعفر، بطلة الجزء الأول، ذكية ومثقفة، تتعلم الطب ذاتياً، تتزوج من سعد وتمثل المقاومة الثقافية والروحية.
– سعد: تلميذ أبو جعفر، يتزوج سليمة، يعمل في تجليد الكتب، يرمز إلى الاستمرارية العائلية.
– حسن: حفيد أبو جعفر (أخ سليمة)، يظهر في الأجزال اللاحقة.
– نعيم: تلميذ آخر لأبو جعفر، يغادر إلى العالم الجديد ويعود متأثراً بالصدمات.
– مريمة (مارياما): زوجة حسن، شخصية قوية وجريئة، بطلة الجزء الثاني، تتميز بالذكاء والمعرفة، وتواجه التحديات العائلية والاجتماعية.
-علي: حفيد العائلة، بطل الجزء الثالث (الرحيل)، يرفض الترحيل ويختار البقاء، يمثل التمسك بالأرض والموت في الوطن بدلاً من الرحيل.
هناك شخصيات ثانوية مثل أم جعفر، أم حسن، وأفراد المجتمع في حي البيازين، بالإضافة إلى شخصيات تاريخية مثل أبو عبد الله الصغير (آخر ملوك غرناطة).
الرواية تبرز دور المرأة بشكل خاص، وتركز على الصراع بين الهوية الإسلامية الأندلسية والقمع الإسباني، مع رسالة عن أهمية الصمود والانتماء إلى الوطن.

ملخص أحداث ثلاثية غرناطة
تبدأ الثلاثية في الجزء الأول، غرناطة، مع شخصية أبو جعفر الوراق، الشيخ المسن الذي يمثل جيل الذاكرة والحضارة.
أبو جعفر ليس مجرد صانع كتب في ورشته المتواضعة بحي البيازين، بل هو رمز للتراث الإسلامي في الأندلس.
يعيش مع حفيديه حسن وسليمة بعد وفاة ابنه جعفر، ويربي في ورشته اليتيم نعيم، الذي وجده في الشارع وعلمه فن التجليد، واللاجئ سعد من مدينة مالقة (ملجا حالياً)، التي دمرتها القوات القشتالية.
يوم سقوط غرناطة
يصور عاشور يوم سقوط غرناطة بتفاصيل درامية: صوت الأبواق من قصر الحمراء، رفع الصليب الفضي على الأبراج، والصدمة التي تجتاح المدينة.
أبو جعفر، الذي يفقد الأمل تدريجياً، يشعر بالانهيار العاطفي، خاصة عندما يسمع عن غرق موسى بن أبي غسان، آخر مقاوم للإسبان.
المدينة تعيش في حالة من الخوف والرجاء، مع انتشار أنباء اتفاقية التسليم التي تمنع بناء مساجد جديدة أو قراءة كتب عربية.
مع تصاعد الاضطهاد، يصل الذروة في مشهد حرق الكتب في ساحة باب الرملة، حيث يهرع أبو جعفر مع سليمة
ليشهدا احتراق آلاف المخطوطات والمصاحف المزخرفة.
سليمة تصرخ في يأس: “أكيد يا جدي مش بيحرقوا الكتب!”، لكن الواقع يؤكد الفقدان.
يموت أبو جعفر كمداً في تلك الليلة، قائلاً لزوجته: “أنا هموت وحيد”، مما يرمز إلى نهاية عصر الكتب والحضارة في غرناطة.
رغم ذلك، تستمر الحياة: يتزوج سعد من سليمة، التي تهتم بالقراءة والأعشاب الطبية، في محاولة للحفاظ على بقايا الحلم الأندلسي.
الزواج ليس مجرد اتحاد شخصي، بل رمز للصمود أمام الحصار الثقافي.
سليمة تحفظ القرآن وتتابع الأحداث العالمية، مثل اكتشاف كولومبوس لأمريكا، بينما يعاني سعد من ذكرياته المؤلمة في مالقة، حيث قتل أبوه وأسرت أمه.
مريمة
في الجزء الثاني، مريمة، ينتقل التركيز إلى جيل الانتفاضة والخسارة. حسن، حفيد أبو جعفر، يتزوج من مريمة،
المرأة القوية التي تحمل راية العائلة.
مع انتشار القساوسة والتعذيب، تندلع انتفاضة في حي البيازين، حيث يعود الناس إلى مسجدهم ويهتفون:
“المدينة دي بتاعتنا وهنفضل فيها أحرار أو هنموت واقفين”. تسحق الثورة، ويعدم الشباب على المشانق.
ثم تأتي ثورة البشرات الأوسع في الجبال، يشارك فيها سعد وشباب آخرون.
هنا، تبرز خيانة بعض المسلمين، مدعومة من الإسبان المتحالفين مع إيطاليا، مما يؤدي إلى فشل الثورة.
سليمة تتهم بالسحر بسبب معرفتها بالأعشاب، فتحرق حية، ويموت سعد كمداً. مريمة،
التي تفقد ابنها في الثورة، تصبح رمزاً للصبر، محافظة على المنزل والذكريات.
الرحيل
أما الجزء الثالث، الرحيل، فيصور جيل المنفى والفقدان النهائي. علي، حفيد مريمة وحسن، ينشأ في زمن يُمنع فيه الإسلام علناً.
يتعلم العربية سراً في “المدرسة الإرسالية”، محاولاً الحفاظ على التراث. يعود نعيم العجوز، الذي فقد زوجته وابنه، ليروي قصصه قبل موته.
مع إصدار أمر الترحيل الجماعي للموريسكيين عام 1609-1614، تموت مريمة في الطريق إلى المنفى،
مطالبة علي بحفظ الكتب والمفتاح القديم لبيت الجد.
يعود علي سراً إلى غرناطة، ينقل الكتب إلى خزنة آمنة، لكنه يكتشف ويهرب إلى قرية الجعفرية قرب فالنسيا،
حيث يعيش مسلمون وبربر متخفين كمسيحيين.
هناك، يعلم الأطفال العربية خفية، ويعجب بـكوثرمن عائلة التوهامي،
التي تهرب من أهلها وتتزوج مسيحياً، تنجب ابنة تنشأ بعيداً عن الإسلام.
مع زيادة الضرائب والغارات، يموت الشيخ عمر الشاطبي، وتصدر أوامر الترحيل النهائية.
يرفض علي الرحيل، متأملاً صندوق الكتب والمفتاح، رمزاً للأندلس المفقودة،
قائلاً إن “الموت في الرحيل عن الأندلس، وليس في البقاء”.
تحليل ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور
ثلاثية غرناطة (غرناطة، مريمة، الرحيل) للكاتبة المصرية رضوى عاشور، صدرت بين 1994 و1995،
هي عمل روائي تاريخي يُعد من أبرز الأعمال في الأدب العربي الحديث، وأُدرجت ضمن أفضل 100 رواية عربية.
تروي الثلاثية قصة عائلة أندلسية مسلمة عبر ثلاثة أجيال، بدءاً من سقوط غرناطة عام 1491
وحتى ترحيل الموريسكيين (المسلمين المتنصرين قسراً) بعد قرن.
صمود الهوية الثقافية والدينية
تركز الرواية على صمود الهوية الثقافية والدينية أمام القمع القشتالي، من خلال شخصيات مثل أبو جعفر الوراق،
الذي يحمي الكتب سراً، وسليمة الذكية، ومريمة القوية، وعلي الذي يرفض الرحيل.
تبرز عاشور دور المرأة كرمز للمقاومة اليومية، وتستخدم لغة شعرية غنية بالوصف والرموز (مثل الكتب والأرض) لتصوير الفقدان والانتماء.
أسلوبياً، تجمع بين السرد التاريخي والخيال، محولة الحقائق إلى ملحمة إنسانية تُحيي التاريخ المهمش.
الثلاثية ليست مجرد رثاء للأندلس المفقودة، بل تأمل في قضايا معاصرة كالاستعمار، طمس الهوية، والمقاومة.
تنتهي برسالة قوية: الموت الحقيقي في الرحيل عن الوطن، لا في البقاء والصمود.
عمل يجمع الألم بالأمل، ويُعد شاهداً على قوة الأدب في مواجهة الظلم.



