لماذا هاجم ترامب ولي عهد السعودية فجأة؟ أسرار تصريحات "الخذلان" وسط الحرب الأمريكية الإيرانية
في وقت تشتعل فيه جبهات القتال وتتصاعد فيه ألسنة اللهب جراء المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران، فجر الرئيس السابق دونالد ترامب قنبلة سياسية من العيار الثقيل.
فخلال كلمة ألقاها قبل يومين في “منتدى الاستثمار القادم” الذي نُظم في العاصمة واشنطن برعاية سعودية ضخمة،
أطلق ترامب تصريحات وُصفت بأنها “الأكثر قسوة” في تاريخ علاقته بالرياض،
مما كشف عن تصدع غير مسبوق في جدار التحالف الذي كان يوماً ما حجر الزاوية في سياسته الخارجية.
إن هذا الهجوم المفاجئ لم يكن مجرد عتاب عابر، بل جاء في توقيت حساس تزداد فيه الضغوط الدولية على المملكة لاتخاذ موقف صريح من الصراع الدائر.
وقد سارعت الصحف الأمريكية الكبرى لتحليل “خلفيات الغضب الترامبي” وأسبابه الكامنة وراء هذا التحول الدراماتيكي.
الخيانة الاستراتيجية: قراءة “وول ستريت جورنال” في توقيت الهجوم
كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” (The Wall Street Journal) في تقريرها الصادر صباح اليوم، أن سر هجوم
ترامب على ولي عهد السعودية يكمن في ما وصفه بـ “الحياد السلبي” للمملكة في الحرب ضد إيران.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مقربة من فريق ترامب أن الأخير يرى أن المملكة، التي حماها خلال سنوات حكمه،
“تتفرج” الآن بينما تخوض القوات الأمريكية والإسرائيلية أشرس مواجهة عسكرية في المنطقة لتأمين الملاحة وحماية الحلفاء.
وتشير الصحيفة إلى أن ترامب صُدم من إصرار الرياض على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران والتمسك بأسعار نفط تخدم ميزانيتها
أكثر مما تخدم المجهود الحربي الأمريكي.
إن هذا التباين في المصالح وسط دخان الصواريخ جعل ترامب يشعر بأن “الاستثمارات السياسية” التي ضخها في المملكة
لم تثمر عن دعم عسكري أو لوجستي واضح في ساعة الصفر.
اتفاقيات دفاعية واستثمارية تاريخية.. تفاصيل زيارة ولي العهد السعودي للولايات المتحدة الأمريكية
لعبة النفط والدم: تحليل “فاينانشال تايمز” و “بوليتيكو“
من جانبها، ركزت صحيفة “فاينانشال تايمز” (Financial Times) على البعد الطاقوي في الصراع.
وأوضحت أن ترامب اتهم الرئيس الفعلي للمملكة محمد بن سلمان باستغلال الانشغال العالمي بالحرب الإيرانية لرفع أسعار الخام،
وهو ما يؤدي إلى تضخم خانق في الداخل الأمريكي يهدد فرص الجمهوريين في العودة للبيت الأبيض.
أما موقع “بوليتيكو” (Politico)، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن ترامب يشعر بالغيرة السياسية من “الاستقلال الاستراتيجي”
الذي تمارسه الرياض الآن.
ففي وقت تخوض فيه واشنطن حرباً وجودية للدفاع عن المصالح الإسرائيلية، ترفض السعودية الانخراط المباشر في التحالف العسكري.
وهو ما اعتبره ترامب “إدارة للظهر” في وقت الشدة.
إن العلاقة بين ترامب ومحمد بن سلمان التي كانت توصف بالمتينة، تعاني الآن من وطأة اختلاف الرؤى حول كيفية إنهاء “الخطر الإيراني”
في المنطقة.
تحليل “سي إن إن”: البحث عن “رد الجميل” المفقود
شبكة “سي إن إن” (CNN) ناقشت في تغطيتها المستمرة خلال الساعات الماضية البعد الشخصي في الهجوم.
وأشارت إلى أن ترامب ذكر صراحة في الحدث السعودي أنه “أنقذ عرش ولي العهد” في أزمات سابقة،
وأنه كان يتوقع “رد الجميل” عبر فتح القواعد العسكرية أو زيادة إنتاج النفط لخفض الأسعار عالمياً وتجفيف منابع التمويل الإيراني.
وترى الشبكة أن ترامب وولي عهد السعودية يمثلان اليوم نموذجين متصادمين؛ الأول يريد العودة للبيت الأبيض عبر بوابة “القوة المطلقة”، والثاني يتحرك وفق رؤية السعودية 2030 التي تقتضي النأي بالنفس عن الحروب الإقليمية المدمرة والتركيز على التنمية.
هذا التناقض الجوهري هو ما فجر الغضب الكامن لدى ترامب، ليصف مواقف المملكة الأخيرة بأنها “خيانة لثقة الصداقة”.
هل هو طلاق سياسي نهائي؟
في ختام هذا التقرير، يبدو أن الصدام الحالي بين ترامب ولي عهد السعودية هو نتيجة حتمية لتعارض المصالح في توقيت الحرب.
فبينما تريد واشنطن وإسرائيل شريكاً عسكرياً كاملاً، تريد الرياض حماية مكتسباتها التنموية بعيداً عن الصراعات الصفرية.
إن ما نشرته الصحافة الغربية خلال اليومين الماضيين يؤكد أن “عصر الصكوك المفتوحة” قد انتهى.
ترامب، الذي يبحث عن انتصار سياسي سريع، يرى في استقلالية القرار السعودي عائقاً، بينما ترى المملكة أن أمنها القومي
يقتضي الحذر لا الاندفاع.
وتبقى الأيام القادمة، وسط دوي الانفجارات في المنطقة، هي الحكم في تحديد ما إذا كانت هذه التصريحات هي مجرد “مناورة انتخابية”
أم أنها إعلان رسمي عن نهاية حقبة الصداقة الدافئة بين الرجلين.



