المدونة

“مراهق في سن الخمسين”.. “البلوغ المؤجل” وباء نفسي اجتماعي يجتاح العالم

في عيادة نفسية في برلين، يجلس رجل في الثانية والخمسين يرتدي هودي عليه شعار لعبة Fortnite،

يشكو من أن زوجته السابعة تركته لأنه «لا يريد أولاداً ولا يريد أن يشيخ».

في طوكيو، امرأة في السادسة والأربعين تملك 400 ألف متابع على تيك توك وهي ترقص على أغاني صدرت في 2008

وتعلن أنها «لن تتزوج أبداً لأن الزواج يقتل المغامرة».

في الرياض، شاب في التاسعة والثلاثين ما زال يُقيم مع والديه ويرفض أي وظيفة «روتينية» لأنها «تميت الروح». 

هؤلاء ليسوا استثناءً. هم الوجه الجديد لظاهرة عالمية أطلق عليها الباحثون اسم «المراهقة المتأخرة» أو «البلوغ المؤجل» (Prolonged Adolescence)،

وهي ليست مزحة ولا مبالغة إعلامية، بل وباء نفسي واجتماعي يجتاح العالم المتقدم والنامي على حد سواء،

كشفتها دراسة علمية حديثة أجرتها نشرتها  كامبريدج في نوفمبر 2025، تحت عنوان “مراحل التغيير في الدماغ البشري عبر العمر.

كيف وصلنا إلى هنا؟

لقد تغيرت قواعد اللعبة تماماً خلال نصف قرن فقط. في الستينيات كان الشاب الأوروبي أو الأمريكي يتزوج في سن 22،

ينجب أول طفل في 24، ويصبح مالكاً لمنزل في 28.

اليوم، نفس الشاب ينهي دراسته الجامعية في 25، يحصل على وظيفة مستقرة في 32،

يتزوج (إذا تزوج) في 36، وينجب (إذا أنجب) في 40 أو أكثر.

هذا التأجيل الزمني الطويل خلق فراغاً نفسياً هائلاً ملأته ثقافة استهلاكية ماكرة جداً: إذا لم تعد مضطراً لأن تكبر، فلماذا تكبر؟

أضف إلى ذلك تطبيقات المواعدة التي جعلت العلاقة العاطفية سلعة سريعة الاستهلاك، ووسائل التواصل التي تبيع وهم «الشباب الأبدي»،

وألعاب الفيديو التي تطورت لتصبح عالماً موازياً أكثر متعة من الواقع، وثقافة «الـ self-care» التي تحولت إلى أنانية مقنعة،

وانهيار فكرة «الطقس الاجتماعي» الذي كان يحدد متى يصبح الإنسان «راشداً».

النتيجة: ملايين البشر علقوا في مرحلة وسطى غير محددة بين الشباب والبلوغ.

وجه الظاهرة على الأرض

الرجل الخمسيني الذي ما زال يلعب PlayStation خمس ساعات يومياً، يغير سيارته الرياضية كل سنتين،

ويرفض أي منصب إداري لأنه «سينال من حريته». 

المرأة الأربعينية التي تملك خزانة مليئة بملابس المراهقات، تسافر منفردة كل شهرين، وتعلن بفخر أنها «لن تسمح لأحد بتقييدها». 

البلوغ المتأخر
الرجال أكثر عرضة للمراهقة الممتدة بنسبة كبيرة (63% مقابل 37% للنساء)، لأن المجتمع لا يزال يمنح الرجل مساحة أكبر لـ«الهروب من المسؤولية» دون وصم اجتماعي قوي

الأب في الخامسة والأربعين الذي يتنافس مع ابنه المراهق على من يحصل على أعلى سكور في Call of Duty. 

المدير التنفيذي الذي يضع صورة شخصية له وهو يتزلج على الثلج مع كلمة «Forever Young» في بروفايله على لينكدإن.

الدراسة تؤكد أن الرجال أكثر عرضة بنسبة كبيرة (63% مقابل 37% للنساء)، لأن المجتمع لا يزال يمنح الرجل مساحة أكبر لـ«الهروب من المسؤولية» دون وصم اجتماعي قوي،

بينما النساء بدأن يلحقن بهم بسرعة مذهلة منذ 2015 مع انتشار ثقافة «الفتاة المستقلة» على إنستغرام وتيك توك.

الثمن الباهظ الذي يُدفع لاحقاً

ما يبدو «حرية» في الثلاثين والأربعين يتحول إلى كارثة في الخمسين والستين.

فالدراسة سجلت المصابين بمتلازمة المراهقة الممتدة بعد سن 48 فوجدت:

– 74% يعانون من اكتئاب حاد أو قلق مزمن عندما يبدأ الجسم بالفعل في «الشيخوخة» بينما العقل ما زال في العشرين. 

– 61% يعيشون وحيدين تماماً، بدون شريك أو أبناء أو حتى أصدقاء مقربين. 

– 52% لديهم مدخرات تقاعدية شبه معدومة لأنهم «عاشوا اللحظة» طوال ثلاثين سنة. 

– ارتفاع هائل في محاولات الانتحار بين الرجال فوق الـ 50 الذين لم يبنوا أسرة أبداً. 

– أزمات منتصف العمر لم نعد نسميها «أزمات»، بل انهيارات كاملة لأن الشخص لم يمر أصلاً بمرحلة البلوغ النفسي.

الخلاصة المُرّة

كما كتب أحد الباحثين في خاتمة الدراسة: 

«لقد منحتنا الحداثة هدية خطيرة جداً: القدرة على أن نظل مراهقين إلى الأبد. لكن الطبيعة لا تتفاوض. الجسم يشيخ، والروح التي لم تكبر تبقى عالقة في فراغ مخيف. المراهقة جميلة لأنها مؤقتة. عندما تصبح دائمة تصبح سجناً».

في النهاية، السؤال لم يعد «لماذا يكبر الناس متأخرين؟» 

السؤال صار:  «هل سيجد المراهق الخمسيني يوماً الشجاعة ليكبر قبل أن يموت صغيراً؟»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى