فيلم "رجل يعض كلباً" (Man Bites Dog): وثائقية ساخرة أم تكريس لـ"شيطنة الرجال"؟
لطالما أثار فيلم “رجل يعض كلباً” (Man Bites Dog) الصادر عام 1992 جدلاً واسعاً بسبب مشاهد العنف المفرط،
لكن القراءة المعاصرة للعمل في ظل الاستقطاب الجندري الحاد تفتح الباب أمام تساؤلات أكثر عمقاً وخطورة.
فخلف ستار “الكوميديا السوداء” والأسلوب الوثائقي الساخر، يرى قطاع من النقاد أن الفيلم يسقط في فخ السطحية المتعمدة
لعرض قصة “سفاح” لا يمثل إلا نفسه،
ليحولها إلى صورة نمطية تعمم القسوة على الجنس الذكري ككل، مما يضعه في خانة الأعمال التي تغذي موجات كراهية الرجال.
دلالة العنوان: من مجرد “خبر صحفي” إلى إيحاءات دونية
يحمل عنوان الفيلم (Man Bites Dog) في الصحافة العالمية دلالة على الشيء غير المتوقع أو “الخبر المثير”، ولكن عند إسقاطه على سياق الفيلم ومضمونه، تبرز قراءة مغايرة تثير الشكوك.
فالعنوان الذي لا يرتبط عضوياً بأحداث الفيلم سوى بالرغبة في الصدمة، يبدو وكأنه يتبنى مخاطبة الـنسوية الراديكالية بلغة مستترة؛
حيث يوضع “الرجل” و”الكلب” في جملة واحدة تقارن بين السلوك البشري والحيواني.
بل وتوحي ضمناً في بعض التأويلات بأن سلوك الرجل المتمثل في “العض” أو الافتراس يجعله في مرتبة أدنى أو أكثر وحشية من الحيوان نفسه.
هذا الربط الفج يرسخ في العقل الجمعي صورة الرجل ككائن عدواني بالفطرة، مما يساهم في تأجيج الصراع بين الجنسين
بدلاً من معالجة قضايا العنف بشكل موضوعي.
لماذا يحب العنصريون كلابهم ويكرهون البشر؟ تفكيك ظاهرة التعاطف الانتقائي
شخصية “بنوا”: صناعة “الوحش الذكري” النمطي
يقدم الفيلم شخصية “بنوا”، القاتل المتسلسل الذي لا يتوقف عن الحديث، كنموذج مشوه للرجل.
فهو ليس مجرد مجرم، بل هو شخصية “نرجسية، متطلبة، ومدعية للثقافة”، يلقي الشعر بينما يمارس أبشع الجرائم.
يرى منتقدون أن هذا التصوير السطحي يهدف إلى “شيطنة” الخصائص الذكرية وتحويلها إلى أدوات للجريمة.
الفيلم لا يبحث في الدوافع النفسية العميقة أو التعقيد الإنساني، بل يكتفي بعرض “رجل يقتل” وسط طاقم تصوير من الرجال أيضاً.
وكأنه يقول إن العنف هو السمة الغالبة والدائمة في أي تجمع ذكري، مما يعزز فكرة “الذكورية السامة” التي تروج لها تيارات معينة حالياً.
طاقم التصوير والتواطؤ: تعميم تهمة العنف
تزداد حدة الانتقادات عند النظر إلى دور طاقم التصوير في الفيلم.
فبدلاً من أن يكونوا مراقبين، ينزلقون تدريجياً ليصبحوا شركاء في الجريمة.
هذه الحبكة تُفسر على أنها محاولة لتعميم التهمة؛ فالرجل في هذا الفيلم إما قاتل مباشر أو متواطئ صامت أو مستفيد من العنف.
هذا الطرح يغفل تماماً أي جوانب إيجابية أو سوية، ويحشر “الرجل” في زاوية ضيقة من العدمية الأخلاقية،
وهو ما يتماشى مع الأجندات التي تسعى لتصوير الرجل كخطر دائم على المجتمع واستقرار الأسرة.
السينما في مواجهة موجة “تأجيج الصراع الجندري”
يأتي إعادة تسليط الضوء على هذا الفيلم من خلال إصدارات حديثة مثل “بلو راي إمبرينت” ليعيد إلى الواجهة التساؤل حول دور السينما
في تغذية الصراعات الاجتماعية.
ففي الوقت الذي يواجه فيه العالم موجة عاتية من تفكيك الروابط بين الرجل والمرأة، تبرز أعمال مثل “رجل يعض كلباً” كوقود لهذه النيران.
إن تصوير العنف الموجه ضد الجميع، بما في ذلك النساء والأطفال، على يد بطل “ذكري” يتمتع بكامل حريته دون عواقب،
يخدم سردية “الرجل كعدو”، وهي سردية يراها الكثيرون تفتقر إلى الإنصاف وتعتمد على التعميم المخل.
هل يستحق الفيلم الاحتفاء؟
رغم الإشادات الفنية بأسلوب “الوثائقي الساخر” (Mockumentary)، إلا أن القيمة الأخلاقية والاجتماعية للفيلم تظل محل شك كبير.
فبين عنوان يفوح منه رائحة الكراهية، ومضمون يكرس لشيطنة الرجال، يبدو أن الفيلم قد نجح في كونه “صادماً”، لكنه فشل في أن يكون إنسانياً.
إن الاحتفاء بمثل هذه الأعمال دون نقد لرسائلها المبطنة يسهم في تعزيز ثقافة الكراهية والشقاق الجندري التي باتت تهدد نسيج المجتمع.
شاركنا رأيك: هل ترى أن عنوان الفيلم ومضمونه يروجان بالفعل لشيطنة الرجال وكراهيتهم؟ أم أنك تراه مجرد نقد فني للميديا في تلك الحقبة؟ أخبرنا في التعليقات.



