مقصلة ترامب: تطهير في البيت الأبيض والبنتاغون.. هل بدأ تنفيذ مشروع 2025؟
تعيش العاصمة الأمريكية واشنطن على وقع “هزة ارتدادية” لم تكن مفاجئة تماماً للمراقبين، لكن وتيرتها المتسارعة أثارت تساؤلات عميقة
حول ما يدور في الغرف المغلقة.
فخلال شهرين فقط، شهدت إدارة الرئيس دونالد ترامب خروج ثلاث من أبرز الوجوه النسائية في طاقمه الوزاري،
تزامناً مع موجة استقالات غامضة في الكونغرس، مما يشير إلى أننا بصدد “حملة تطهير” تهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى
لصالح تيار أكثر راديكالية وفق آراء بعض الخبراء.
ثلاث وزيرات خارج المشهد: صراع الولاء والأجندة
جاءت استقالة لوري تشافيز دريمر، وزيرة العمل، لتكمل مثلث الرحيل الوزاري الذي بدأ بإقالة كريستي غنوم (وزيرة الأمن الداخلي)
في مارس الماضي، وتلاها إبعاد بام بوندي (المدعية العامة/ وزيرة العدل).
يرى محللون سياسيون، ومنهم الاستراتيجي الديمقراطي آدم غرين، أن هذه الإقالات ليست مجرد تغييرات إدارية،
بل هي ضحايا لما يسمى بـ “مشروع 2025” (Project 2025). هذا المشروع،
الذي أعدته مؤسسات فكرية يمينية (مثل مؤسسة التراث – Heritage Foundation)، يمثل “مانيفستو” جذرياً لتفكيك الدولة العميقة.
ويبدو أن الوزيرات الثلاث لم يظهرن “السرعة الكافية” أو “الولاء المطلق” في تنفيذ بنود هذا المشروع المتطرف،
خاصة فيما يتعلق بتقويض حقوق العمال وتغيير هيكلية القضاء والأمن الداخلي.

هناك قراءة أخرى تشير إلى أن المقالات كنّ يمثلن “جناحاً” يحاول موازنة نفوذ الصقور، أو ربما كنّ محسوبات على مراكز قوى تقليدية
داخل الحزب الجمهوري بدأت تفقد حظوتها أمام “لوبي” جديد يسيطر الآن على البيت الأبيض،
وهو اللوبي الذي يدفع نحو سياسات اقتصادية وأمنية أكثر انغلاقاً وصداماً.
البنتاغون في مرمى النيران: إقالة وزير البحرية وتطويع “الجنرالات“
ولم تتوقف مقصلة الإقالات عند حدود الوزارات المدنية، بل امتدت لتضرب قلب المؤسسة العسكرية “البنتاغون”،
في خطوة وصفها مراقبون بأنها أخطر مراحل “إعادة الهيكلة”.
فجاءت إقالة وزير البحريةجون فيلان (الذي يمثل أحد أعمدة القوة الضاربة الأمريكية)، بعد أسبوعين من إقالة رئيس أركان الجيش راندي جورج لتتوج سلسلة من الإطاحات بكبار القادة العسكريين والمسؤولين في وزارة الدفاع.
هذه التحركات لم تكن مجرد تغييرات روتينية، بل كشفت عن صراع عميق بين البيت الأبيض والقيادات العسكرية التي تُوصف بـ”المؤسسية”.
وتشير التقارير إلى أن هذا “التطهير العسكري” يستهدف إزاحة أي أصوات قد تعارض استخدام الجيش في مهام داخلية مثيرة للجدل،
أو تتردد في تنفيذ رؤية ترامب الراديكالية تجاه حلف “الناتو” والنزاعات الدولية.
إن الهدف وراء الكواليس هو استبدال “الجنرالات التقليديين” بآخرين يدينون بالولاء الشخصي المطلق للرئيس،
مما يضمن تبعية البنتاغون الكاملة لأجندة “مشروع 2025″، وينهي حقبة “استقلالية القرار العسكري” التي لطالما كانت خطاً أحمر
في السياسة الأمريكية.
ومع رحيل وزير البحرية وقبله قادة بارزون، يبدو أن الإدارة الجديدة تتجه لتأميم المؤسسة العسكرية وتحويلها من مؤسسة “دولة”
إلى أداة تنفيذية في يد “الجناح الصقوري” للبيت الأبيض.
حرب “ترامب – باول” تشتعل.. القضاء يدخل على خط الأزمة والأسواق العالمية تلجأ إلى الملاذات
شارع بنسلفانيا يغلي: لغز استقالات الكونغرس الثلاث
على الجانب الآخر من العاصمة، وتحديداً في “مبنى الكابيتول”، لم تكن الأمور أقل صخباً.
فقد استقال ثلاثة أعضاء من الكونغرس (أبرزهم في السياق الحالي يشار إلى تداعيات رحيل شخصيات كانت تواجه ضغوطاً أخلاقية أو قانونية، مثل مات غيتس الذي استقال قبل تولي منصبه ثم انسحب، وأعضاء آخرين ارتبطت أسماؤهم بمزاعم سوء سلوك).
الأعضاء الثلاثة الذين يُشار إليهم في كواليس واشنطن حالياً هم:
- مات غيتس (المستقيل من مقعده): الذي أثار رحيله فجوة كبيرة وضجة حول تقارير أخلاقية سابقة.
- شخصيات جمهورية أخرى واجهت ضغوطاً من لجان الأخلاقيات: مما دفع البعض للقول إن وصول “إعلام الفضائح” (مثل TMZ) إلى واشنطن بدأ في كشف المستور، مما جعل بقاءهم عبئاً على إدارة ترامب التي تريد “ساحة نظيفة” لمعاركها التشريعية القادمة.
رون دي سانتيس: العودة من بوابة “الإحراج”؟
تبرز هنا قصة حاكم فلوريدا، رون دي سانتيس، الذي يتردد اسمه كمرشح لمنصب شاغر (ربما في المحكمة العليا أو حقيبة وزارية).
لكن الخبراء، ومنهم كيفن شيريدان، يربطون بين مشهد “توسل” دي سانتيس للوظيفة وبين ما فعله ترامب سابقاً مع ميت رومني في 2016؛
حيث جلس معه وأوهمه بمنصب وزير الخارجية لمجرد إحراجه أمام الرأي العام كخصم مهزوم.
العائق الأكبر أمام دي سانتيس ليس فقط ماضيه التنافسي مع ترامب، بل علاقته المتوترة مع سوزي وايلدز (كبيرة موظفي البيت الأبيض والقوية جداً في الإدارة الجديدة).
ورغم “مباراة الغولف” التي جمعتهما مؤخراً، إلا أن موازين القوى في واشنطن لا تُبنى على الود الشخصي بقدر ما تُبنى على النفوذ.
مجلس الاحتياطي الفيدرالي: المعركة الكبرى
لا تتوقف الصراعات عند المناصب السياسية، بل وصلت إلى عصب الاقتصاد.
ترشيح كيفن والش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي واجه عقبة كأداء بتمرد السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي تعهد بحجب الدعم عنه.
هذا التمرد يعكس انقساماً داخل المعسكر الجمهوري نفسه؛ بين تيار يريد إخضاع البنك المركزي لإرادة البيت الأبيض بالكامل،
وتيار (يمثله تيليس) يخشى من فقدان الاستقلالية المالية التي قد تؤدي إلى كوارث تضخمية.
ما وراء كواليس الإقالات
ما نشهده اليوم ليس مجرد استقالات، بل هو “إعادة هيكلة كبرى“.
ترامب يتخلص من “المترددين” في تنفيذ “مشروع 2025″، ويقوم بتصفية الحسابات مع خصومه السابقين (مثل دي سانتيس)،
في حين يواجه مقاومة من داخل حزبه في ملفات حساسة كالاقتصاد (الفيدرالي).
الرسالة الواضحة من البيت الأبيض هي: “من لا يسير بسرعة الأجندة الجديدة، فلا مكان له في قطار الإدارة“.
أما الكونغرس، فيبدو أنه يمر بمرحلة “تنظيف ذاتي” قسري لتجنب أي فضائح قد تعرقل طموحات الرئيس في ولايته الثانية.



